العنف والاعتقالات... وصفة مغربية لإخماد الاحتجاجات؟

الاثنين 29 مارس 202109:09 م

كان المشهد صادما رغم أن استعمال العنف لفض الاحتجاجات في المغرب أصبح مشهدا مألوفا. إذ تحول شارع محمد الخامس في العاصمة الرباط يوم 16 آذار/مارس إلى ساحة للفرّ والكر بين الأساتذة ورجال الأمن مرافقين بأشخاص بزي مدني. فيديوهات انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي تظهر أساتذة يسحلون وآخرين تنهال عليهم عصي رجال الأمن، وغير بعيد عنهم يركل آخرون بقوة تسقطهم أرضا. أثناء هذه "المعركة" غير المتكافئة يأتي صوت أستاذة شابة تتهم رجل أمن بالتحرش جنسيا بها.

حجم الإنزال الأمني والقوة التي عنّف بها الأساتذة أثناء تنظيمهم مسيرة سلمية للمطالبة بإدماجهم في الوظيفة الحكومية، بدل التعاقد معهم لفترة زمنية محددة، أثارت سخطا وامتعاضا كبيرين لدى قطاع واسع من الرأي العام المغربي. انتشر على المواقع شعار "لا لقمع الأساتذة" احتجاجا على القوة المستعملة لفض المظاهرة، خصوصا أنه تم الاستعانة بأعوان السلطة، وهو موظفون في وزارة الداخلية وليس لهم سلطة التدخل الأمني، لتفريق المسيرة. وظهر أكثر من واحد منهم في مقاطع فيديو يعتدي على عدد من الأساتذة على قارعة الطريق بركلات مباغتة من الخلف.

قوات الأمن تتدخل لفض مسيرة الأساتذة المتعاقدين

رغم أن السلطات أكدت أنها ستحقق في استعمال أعوان السلطة للعنف المفرط، فإن استعمال القوة بشكل شبه منهجي في فض المسيرات لم يقتصر فقط على الأساتذة المتعاقدين بل على العديد من المظاهرات في المملكة.

قبل أسابيع فقط، عنف المشاركون في الوقفة التي كانت ستنظم للتضامن مع الحقوقي والمؤرخ المعطي منجب. حوصر المشاركون قبل أن يصلوا إلى الساحة المقابلة لمقر البرلمان، ووثقت عدسات كاميرات الصحافيين دفع وسحل المشاركين والمشاركات وملاحقتهم لطردهم من شارع محمد الخامس في قلب الرباط، الذي يشهد أغلب الاحتجاجات التي تحتضنها العاصمة.

نفس الأمر حدث خلال تنظيم نشطاء مناهضة التطبيع وقفة للتنديد بقرار المغرب القاضي بتطبيع علاقته مع إسرائيل، إذ طوقت كل المنافذ المؤدية إلى شارع محمد الخامس، فيما حوصر كل من استطاع الوصول إلى مكان تنظيم الوقفة ودفعوا إلى مغادرة المكان بمبرر أن هناك تعليمات لمنع الوقفة.

أصبحت التدخلات الأمنية والعنف المفرط في فض المظاهرات أمرا اعتياديا في المغرب. السلطات تبررها بحالة الطوارئ الصحية والناشطون يرون أنها "سياسة سلطوية"

وفي شمال المغرب وبالضبط مدينة الفنيدق، واجهت السلطات الاحتجاجات التي خاضتها ساكنة المدينة بسبب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن إغلاق معبر سبتة الحدودي باعتقال أربعة من نشطائها. وقضت المحكمة في حقهم بستة أشهر سجنا موقوفة التنفيذ، فيما هدد والي جهة طنجة تطوان الحسيمة خلال اجتماع عقد في عمالة المضيق بأنه في حالة ما إذا لم تتوقف الاحتجاجات ستلقى مدينة الفنيدق "نفس مصير حراك الريف"، مضيفا "لا يمكن ليّ ذراع الدولة"، وفقا لما نشرته جريدة "أخبار اليوم" المغربية.

الانتقادات التي وجهت لوزارة الداخلية بالتعنيف غير المبرر للوقفات والمسيرات السلمية، دفع السلطات المحلية بالعاصمة الرباط إلى منع أي تجمهر أو تجمع بالشارع العام متحججة بحالة الطوارئ الصحية لمواجهة كوفيد 19.

صار أمرا اعتياديا

تعرضت ربيعة البوزيدي عضوة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لتعنيف قوات الأمن خلال عدد من الوقفات الاحتجاجية طيلة سنوات. لكنها في الأشهر الثلاثة الأخيرة تعرضت لثلاثة اعتداءات أدى  أحدها إلى إصابة بليغة، على يد مسؤول كبير في العاصمة.

تحكي البوزيدي لرصيف22 إنه خلال الوقفة التي نظمتها عدد من المنظمات المدنية المغربية للتعبير عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني والتنديد بقرار التطبيع مع إسرائيل الذي اتخذه المغرب في ديسمبر الماضي "طوق الأمن الشوارع المؤدية لشارع محمد الخامس. كان المشهد كأننا في حالة حرب، تعرضت للاعتداء من طرف باشا الرباط شخصيا ما نتج عنه تمزق على مستوى كتفي الأيسر، ومنعنا من الوصول إلى البرلمان بالدفع والسحل". وأضافت "رغم أن الوقفة كانت سلمية ولن تستغرق إلا نصف ساعة فقد تم منعها"، متأسفة على أنه باسم حالة الطوارئ الصحية أصبحت الدولة أكثر تحجرا في التعامل مع الحقوق.

الاعتداء الثاني الذي تعرضت له البوزيدي كان خلال إحياء الذكرى العاشرة لحركة عشرين فبراير، حيث منعت الوقفة وتم تطويقها بعدد كبير من رجال الأمن. تقول المتحدثة إنها "تعرضت للضرب رفقة عدد من المحتجين فيما اعتقل البعض وأطلق سراحهم في اليوم نفسه"، وتصف البوزيدي الاعتداء عليهم بأنه كان "وحشيا"، موضحة أن "هذا هو الوجه الحقيقي لتعامل السلطة الأمنية مع الاحتجاجات، إذ أن الدولة تتنكر لالتزاماتها المتضمنة في العهود الدولية التي وقعت عليها فيما يخص حرية التظاهر السلمي".

وفي شهر آذار/ مارس تعرضت البوزيدي مجددا لاعتداء، هو الثالث في ظرف ثلاثة أشهر، خلال الوقفة التضامنية مع الحقوقي والمؤرخ المعطي منجب الذي كان مضربا عن الطعام. تقول المناضلة في أكبر جمعية حقوقية في المغرب "عنفت وسحلت وتعرضت للسب والقذف. الخطير في الأمر أن الذين قاموا بسحلي هم أشخاص يرتدون زيا مدنيا ولم نتعرف على هويتهم، رغم أن من يعطي التعليمات كان هو باشا الرباط"، وتضيف "حين سقطت أرضا كان الباشا يركلني في مؤخرتي".

عنف غير مبرر

وتعتبر البوزيدي أن "منع الاحتجاجات لم يعد فقط بالعنف والضرب من طرف الشرطة لكن أصبح المنع (والاعتداءات) بقرار من ولاية الرباط التي لها سلطات إدارية". مسترسلة "حرية التعبير والتظاهر تذبح أمام أنظار العالم، تحت ذريعة حالة الطوارئ الصحية، في حين أنه قبل كورونا كان نفس القمع والاستبداد".

ومن جهته يصف رئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان عادل تشيكيطو تدخلات القوات العمومية لمنع الوقفات الاحتجاجية "بالعنيفة والمتنافية مع كل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية والقواعد الدنيا لتعامل قوات الشرطة مع المظاهرات والاحتجاجات السلمية".

وأوضح في حديث مع رصيف22 أنه "مع الأسف تتذرع السلطات بتطبيقها للمرسوم المتعلق بتفعيل حالة الطوارئ الصحية، وتمنع الوقفات والمسيرات الاحتجاجية عبره. لكنها في نفس الوقت تضرب بعرض الحائط المواثيق الدولية الضامنة للحق في الاحتجاجات السلمية، والتي صادق عليها المغرب وهي تسمو حسب الدستور فوق التشريعات الوطنية، كما أنها تخالف منطوق الفصل 29 من الدستور الذي يؤكد حق المواطنات والمواطنين في الاجتماع والتظاهر والاحتجاج السلمي".

"عنفت وسحلت وتعرضت للسب والقذف. الخطير في الأمر أن الذين قاموا بسحلي هم أشخاص يرتدون زيا مدنيا". أصبح التدخل العنيف من قوى الأمن لفض المظاهرات المغربية أمرا اعتياديا

في الوقت الذي تتحجج السلطات المغربية بالطوارئ الصحية لمنع بعض الوقفات الاحتجاجية، ترخص لبعض الوقفات التي لا تخالف توجهات الدولة، وهو ما أكده تشيكيطو قائلا: "تتعامل السلطات المغربية مع الحق في الاحتجاج السلمي بمزاجية غير مفهومة وبازدواجية مفضوحة. ففي الوقت الذي تسمح فيه بتنظيم وقفات ومسيرات تخدم مصالحها وتنسجم مع توجهاتها، تتعامل مع الوقفات والمسيرات الفاضحة للخروقات والمنددة بتراجع الحقوق والحريات وباعتقال المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، بعنف وباستعمال غير مبرر للقوة".

وأضاف الحقوقي المغربي أن "الذي يروج لأطروحة أن السلطات تمنع الوقفات والمسيرات الاحتجاجية بداعي تطبيقها لقانون الطوارئ الصحية، يغالط الرأي العام وذاكرته قصيرة"، مردفا "باستحضار جل الأشكال الاحتجاجية التي نظمت خلال السنوات الأخيرة وقبل أن يظهر وباء كوفيد 19 يتضح أن اللغة التي تجيدها السلطات في التعامل مع المحتجين هي جلدهم وسحلهم وكسر عظامهم، وأن الأصل عند السلطات في تعاطيها مع فضاءات الاحتجاج هو العنف".

سلطوية "المخزن البائدة"

يرى حسن بناجح القيادي بجماعة العدل والإحسان (المحظورة من طرف السلطات) أن "الدافع الأساسي للتعامل العنيف للدولة مع الاحتجاجات الاجتماعية وعدم التجاوب الإيجابي مع مطالب الشعب وإن كانت بسيطة، يرجع إلى فكرة بالية تعود إلى الزمن البائد للسلطوية المطلقة، وهي عدم منح المشروعية للضغط والاحتجاج، وأن التصلب سيكسر روح الاحتجاج ويزرع الإحباط".

وأضاف بناجح في تصريحه لرصيف22 أن "هذه القاعدة المخزنية، أو الاستبدادية عموما، انكسرت ضمن ما انكسر من أدوات التحكم الاستبدادي منذ 2011 حيث تصاعدت الاحتجاجات في السنوات الأخيرة، وامتدت فئويا وجغرافيا واستعاد الشعب إرادته السليبة وامتلك أدوات جديدة في التدافع كانت حكرا على النظام، وفي مقدمتها الإعلام. فتحول الشعب من مستهلك للمعلومة زمن احتكار الإعلام من قبل الحكم، إلى منتج لها وصانع لرأي عام في زمن المواطن الصحافي".

"في الاستجابة للمطالب الشعبية المشروعة تكمن هيبة الدولة، وهي تكسبها قوة وليست دليلا على الضعف"

وتابع "كل هذا قَلَب الموازين وكسر قاعدة أن عدم الاستجابة لمطالب الشعب يضعف الحركة النضالية والاحتجاجية، إذ لو كان لها مثقال ذرة من أثر لتراجعت معها قوة ورقعة الاحتجاجات التي لا تزيد إلا اتساعا في الكم والنوع".

وفي ظل تعنت الدولة في استجابتها لمطالب المحتجين، ومقابلة مطالبهم بالتعنيف والاعتقالات، بحسب بناجح فإنه "لو كان في المربع الحاكم بقية عقل وحكمة بدل الحسابات النفعية التي تُقدّم مصالحهم على المصلحة العامة، لأدركوا أن في الاستجابة للمطالب الشعبية المشروعة تكمن هيبة الدولة، وهي تكسبها قوة وليست دليلا على الضعف".

وإذا كانت الاستجابة للمطالب تمنح للاحتجاج الشرعية، فإنها أيضا تضفي شرعية على الحُكْم المتفاعل إيجابا مع مطالب الشعب، كما يرى القيادي بجماعة العدل والإحسان. وأضاف " أما التعنت السلطوي فثبت بالوقائع المتواترة تاريخيا أنه لا يزيد الاحتجاج إلاّ شرعية وتصعيدا ونموا واتساعا جغرافيا وفئويا. وينزع في المقابل كل شرعية عن الحكم ويعدم الثقة ويحبط طموحات ومسارات من يتصدى من مربع السلطة لتلك الاحتجاجات بحماس زائد، لأنه أول قربان يقدمه الحكم عند الاختناق والاصطدام بالحائط الصلد. وفي مآل كثير من المسؤولين والطريقة المهينة في تغيير من كانوا واقيات صدئة للضربات عبرة لمن يعتبر. لكنهم مع الأسف لا يعتبرون".

وأوضح القيادي في جماعة العدل والإحسان أن "التعنت السلطوي يدل على استعمال أعوج لمفهوم "هيبة الدولة" الذي يتم به تبرير تغول السلطوية، فلا أحد يختلف على ضرورة أن تحوز الدولة مقومات الهيبة، لكن عندما نسائل مفهوم الهيبة ومفهوم الدولة ندرك الخديعة". خاصة، يقول بناجح، أن "الهيبة لا تختصر في القبضة الأمنية. فالأركان الأساسية لهيبة الدولة هي التنمية والثقة والأمن والأمان، أما مفهوم الدولة فالكل يعرف أركانه الثلاثة وهي الشعب والأرض والحكومة، وعندنا يعيش الشعب كل ألوان الحكرة (الاحتقار) والامتهان، والأرض مستلبٌ ما فوقها وما تحتها، والحكومة وجودها كعدمها".

وشدد بناجح على أن "الهيبة المقصودة في الواقع لا علاقة لها بالدولة بالمفهوم الكوني المؤسس، إنما هو تعنت وطغيان مربع مغلق يؤَمّن وجوده وفساده بغطرسة هي أبعد ما تكون عن أركان الهيبة الضامنة للاستقرار والبناء والنماء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard