جريدة أخبار اليوم المغربية... وأسدل الستار على تجربة "مشاغبة"

الاثنين 15 مارس 202103:46 م

بعد 12 عاما من تأسيسها أسدل الستار على تجربة جريدة "أخبار اليوم" المغربية، بعد أن قرر مالكوها إيقاف إصدارها عقب أكثر من ثلاث سنوات من المحن عاشتها الجريدة، التي سجن مؤسسها الصحفي توفيق بوعشرين، في "قضية أخلاقية" تقول منظمات حقوقية ودفاعه إنها لإخراس صوت "ممانع" في مشهد الصحافة الورقية المغربية.

شركة "ميديا 21"، التي تصدر الصحيفة نشرت بيانا تؤكد فيه أخبارا تروج منذ أيام، وأعلنت أن الصحيفة، التي كانت من تجارب إعلامية قليلة مستقلة، ستتوقف عن الصدور نهائيا انطلاقا من الثلاثاء 16 آذار/مارس، بسبب ما برروه بالضائقة المالية التي تعيشها.

 وقال بيان الشركة إن "استكمال حلقة إعدام هذه الجريدة (جاء) بقرار حكومة سعد الدين العثماني ووزير الاتصال في حكومته بحرمان أخبار اليوم من حقها المشروع في الدعم الحكومي إسوة بكافة المؤسسات الإعلامية المغربية الأخرى، وذلك لمواجهة آثار وباء كورونا وما استتبعه من قرار الحكومة بوقف طبع وتوزيع الجرائد".

أخبار اليوم المغربية، التي كانت من تجارب إعلامية قليلة مستقلة، ستتوقف عن الصدور نهائيا انطلاقا من الثلاثاء 16 آذار/مارس 2021

وعانت "أخبار اليوم" في السنوات الأخيرة من عدة ضغوطات، بحسب مالكيها، بدأت باعتقال مؤسسها ومدير نشرها توفيق بوعشرين على خلفية اتهامات بالاغتصاب، إلى اعتقال رئيس تحريرها سليمان الريسوني (بتهمة اعتداء جنسي)، والصحفية هاجر الريسوني (بتهمة الإجهاض) والموظفة عفاف برناني، التي رفضت اتهام بوعشرين بالاعتداء الجنسي لتتحول من "ضحية" في ملف  القضية إلى متهمة بشهادة الزور من طرف النيابة العامة، اعتقلت على خلفيتها قبل أن يفرج عنها وتختار "اللجوء" إلى خارج المغرب.

مسلسل الاعتقالات في أوساط فريق تحرير الجريدة، تعزوه منظمات حقوقية محلية ودولية إلى خطها التحريري فيما تقول السلطات إن الملفات القضائية لا علاقة لها بمواقف الجريدة المستقلة.

أزمة مالية

وتعيش "أخبار اليوم" بحسب إدارة الشركة المالكة أزمة ترتبت عن عدم توصلها بمستحقاتها المالية من مؤسسات عمومية كانت نشرت إعلانات على صفحات الجريدة أبرزها "المكتب الشريف للفوسفاط"، إلى جانب حرمانها من الدعم المالي الحكومي المخصص لدعم الصحافة بشكل عام، وميزانية خاصة لدعم الصحفيين بسبب انخفاض عائدات المؤسسات الإعلامية على خلفية وباء كورونا.

ونشر بيان على صفحة مؤسِّس الجريدة المحكوم بـ15 عاما سجنا في فيسبوك، يقول: "نشكر كافة أسرة الجريدة من صحفيين وتقنيين وإداريين على صبرهم وعلى تكبدهم معاناة كبيرة جراء التضييق الذي عانوه طيلة الثلاث سنوات الأخيرة. كما تعلن إدارة المؤسسة إعطاء الأولوية القصوى لصرف تعويضات العاملين في المؤسسة قبل غيرها من الديون أثناء تصفية شركة ميديا 21".

ورغم تأكيد البيان على أن الجريدة تعيش ضائقة مالية إلا أن مدير نشر الجريدة السابق يونس مسكين، نشر تدوينة يقول فيها إنه خلال فترة إدارته للجريدة، إلى حدود تشرين الأول/أكتوبر 2020 كانت تعيش حالة من التوازن المالي مكنها من دفع مستحقات إلى جزء كبير من عمولات الوكلاء التجاريين، وصرف رواتب الصحفيين والمتعاونين.

وقال مسكين، وهو من الصحفيين المؤسسين للجريدة، وعمل فيها لسنوات ليعين بعد اعتقال بوعشرين مديرا لها ما بين 2018 و2020، إنه كان بإمكان الجريدة أن تبقى بحال أفضل وتحقق التوازن المالي، مشككا في أن تكون عملية إغلاق الجريدة جزءا من "صفقة ما".

وكتب مسكين ""أخبار اليوم" لم تقتلها الأزمة ولا التضييق ولا الحصار، وإن كان كل ذلك حقيقة وواقعا لكنه لم يبلغ درجة تجعله السبب المباشر في إعدام تجربة إعلامية من هذا الحجم. أخبار اليوم أعدمت بقرار صريح، الزمن وحده كفيل بكشف خباياه وخلفياته وما إن كان بندا في صفقة أو جزا لرأس صحيفة يراد لها أن تؤول إلى قربان".

""أخبار اليوم" لم تقتلها الأزمة ولا التضييق ولا الحصار، وإن كان كل ذلك حقيقة وواقعا لكنه لم يبلغ درجة تجعله السبب المباشر في إعدام تجربة إعلامية من هذا الحجم

وتعيش صحيفة أخبار اليوم، تخبطا منذ نهاية العام الماضي، وتوقفت عن الصدور الورقي في ديسمبر 2020 لتصدر نسخها اليومية على شكل بي دي إف، على صفحات موقع "اليوم 24"، التابع للمجموعة الإعلامية (تم بيعه مؤخرا لرجل أعمال). لكن بالمقابل، لم تصرف رواتب الصحفيين والتقنيين الذين يتجاوزون الخمسين لمدة شهرين ونصف. وسبق أن اعتصم مجموعة منهم داخل مقرات الجريدة في نهاية  ديسمبر الماضي للمطالبة بصرف رواتبهم.

ويرى الصحفي المغربي ورئيس "المنتدى المغربي للصحافيين الشباب" سامي المودني أن "إقفال جريدة "أخبار اليوم" يطرح سؤالا عميقا من جديد حول النموذج الاقتصادي في الإعلام المغربي، ولاسيما على مستوى الصحافة المكتوبة، التي تعتمد في جزء من مصاريفها على الدعم العمومي لها".

ويشرح المودني لرصيف22 أن "عملية التصرف في الدعم المقدم من طرف الدولة من طرف مالكي الصحف والمواقع الرقمية الإخبارية تطرح أكثر من إشكالية". مضيفا أن السؤال المطروح هو حول مدى تحقيق الدعم الحكومي للأهداف المسطرة له "من دعم للتعددية والاستقلالية وتأهيل المقاولات. الجواب نجده، في تقرير صادر عن المجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2015 و2016، الذي كشف أن "الأموال التي تقدمها الدولة للصحف لا تذهب بالأساس إلى تأهيل هذه المقاولات"".

الصحفيون أول الضحايا

وقالت الصُحفيِّة في "أخبار اليوم" خولة جعيفري في تصريح لرصيف22 بأن إدارة الشركة رفضت التواصل مع الصحفيين، على الرغم من طلبهم الجلوس إلى طاولة الحوار. ورغم أن فريق تحرير الجريدة التزم، بالعمل طيلة هذه المدة، فإن مالكي الجريدة "قابلوهم بالتجاهل"، ما دفعهم إلى اللجوء إلى المساطر التي يفرضها قانون العمل من اللجوء إلى مفتش العمل وبدء إجراءات اللجوء إلى القضاء للحصول على حقوقهم.

وتؤكد الصحفيّة: "بالموازاة راسلنا الحكومة مرارا في شخص رئيسها سعد الدين العثماني، ووزير الاتصال عثمان الفردوس نستفسر عن سبب استثنائنا من الدعم الحكومي، كما راسلنا المجلس الوطني للصحافة لكننا بقينا من دون جواب. لا أحد فيهم خرج ليفسر لنا الوضع ويشرح لنا أسباب استثنائنا من الدعم المخصص للصحافة".

تصريحات جعيفري تتقاطع مع بيان صدر عن المكتب النقابي "للنقابة الوطنية للصحافة المغربية"، أكد أن إدارة "ميديا 21" ممثلة في شخص مالكة ومسيرة الشركة أسماء بوعشرين رفضت الحوار مع الصحفيين ولم تلتقهم أبدا. وطالبت النقابة "بإخضاع الشركة لتدقيق مالي لوضع اليد على أوجه الاختلالات الإدارية والمالية".

وبحسب مصادر متطابقة من الجريدة تحدثت إليها رصيف22 فإن استثناءها من الدعم الحكومي يأتي بسبب تحويل إدارة الشركة لمبالغ الدعم إلى حسابات بنكية أخرى ولم تصرف للأغراض المنصوص عليها قانونيا، لكنْ لا مالكو الجريدة ولا الوزارة الوصية نفوا أو أكدوا المعلومات، وقدموا توضيحات لأسباب توقف الدعم كما لم يعلن عن تحقيق قضائي في المسألة.

وتقول الصحفية جعيفري، إن هذا يطرح علامات استفهام إذ أن إدارة الجريدة رفعت قضية أمام القضاء بخصوص مبالغ الدعم لتسحبها مدة قصيرة قبل جلسة المحاكمة. وتطالب الصحفية مثل العديد من زملائها "بكشف مالية الجريدة والتدقيق في حساباتها".

الظروف المأساوية التي نعيشها لقرابة ثلاث سنوات، بلغت اليوم درجة لا تطاق دفعت البعض إلى التفكير في وضع حد لحياته في لحظات معينة

وقال مصدر من "أخبار اليوم"، فضّل عدم الكشف عن هويته، لرصيف22 إن الشركة المالكة للجريدة لم تصرف أيضا المستحقات اللازمة لصندوق الرعاية الصحية الإجباري "الضمان الاجتماعي"، ما يضعهم وعائلاتهم في مشاكل جمة. وأضاف: "صراحة المسألة ظلم وتجبر وتدليس ضد صحفيين وأُجَرَاء ضحوا ومحاولة لتبييض الوجه. لعب دور الضحية على حسابنا هو المؤلم حقا".

مشاعر الحزن والإحساس بالظلم هذه تقاسمها الكثير من صحفيي الجريدة على صفحات الشبكات الاجتماعية، مثل الصحفي رشيد خروبي الذي كتب تدوينة على فيسبوك قائلا: "الغريب أن بعض الزملاء في الجريدة اقترحوا على مؤسِّسِها تفويتها لهم وركوب تحدي إخراجها من الأزمة المالية التي أُدخلت إليها عنوة لكنه رفض، وفضل إقبارها على تركها تبحر بربابنة جدد، بعيدا عن الأسرة المالكة ومن يشتغلون في الخفاء، لذلك دعونا من أسطوانة أن جهات ما أغلقتها".

وبكل حرقة يقول الصحفي: "الظروف المأساوية التي نعيشها لقرابة ثلاث سنوات، بلغت اليوم درجة لا تطاق دفعت البعض إلى التفكير في وضع حد لحياته في لحظات معينة، جراء مستنقع المشاكل النفسية والمادية (لقمة العيش، كراء، واجبات دراسة الأبناء، والديون...)"

تجربة رائدة

وعلى الرغم من المشاكل المالية فقد شكلت تجربة "أخبار اليوم"، تجربة رائدة داخل الصحافة الورقية المغربية منذ 2009، واعتبرت امتدادا لتجربة الصحافة المستقلة المغربية. بعد العمل في تجارب عدة إلى جانب صحفيين بارزين كعلي أنوزلا ورشيد نيني وقبلهم نور الدين مفتاح، قرر توفيق بوعشرين أن يصبح ربان مركبه الخاص، بالخروج من تجربة "المساء" التي كان من مؤسسيها عام 2006 وإطلاق صحيفة "أخبار اليوم".

كانت اليومية، إحدى التجارب الهامة من خلال مقالاتها المهنية وتعدد أقلامها وانفتاحها على حساسيات مختلفة من المجتمع بعضها "مغضوب عليه" من دوائر القرار، وابتعادها عن الولاء المباشر للسلطة وللشخصيات النافذة فيها، مع ميل إلى مساندة تجربة حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي في الحكم.  وشكلت افتتاحيات بوعشرين والتحقيقات الصحفية والمواد الإخبارية التي تقدمها الصحيفة، تجربة خاصة تميزت عن الكثير من التجارب الإعلامية الأخرى، خاصة في لحظة حركة "20 فبراير" التي شكلت امتدادا للربيع العربي في المغرب.

ويعتبر رئيس "المنتدى المغربي للصحافيين الشباب" سامي المودني أن أي جريدة "عندما تقفل أبوابها، لا يعني أبدا أن الأمر يتعلق بشركة عادية أشهرت إفلاسها بحجة تكبدها خسائر مالية، وإنما بخط تحريري، يعبر عن وجهة نظر داخل المجتمع".

لا أستسيغ أن نستفيق يوما ونجد أن واحدة من جرائدنا قد أقفلت أبوابها، فالديمقراطية حينها هي التي تؤدي الثمن

وجهة نظر "أخبار اليوم" خضعت لضغط كبير من طرف السلطات، كما تؤكد تقارير منظمات حقوقية.  رافقها منذ بداياتها متابعات قضائية، من قبيل محاكمة توفيق بوعشرين والرسام الصحفي خالد كدار، بسبب رسم ساخر للأمير مولاي إسماعيل، نشر مع انطلاقة الجريدة عام 2009، وكلفها الإغلاق بأمر قضائي لبضعة أيام.

لكن السنوات الثلاث الأخيرة كانت منحدرا بطيئا، ذهب بالجريدة إلى الاختناق والتوقف. وكانت بدايتها مع اعتقال مؤسس الجريدة توفيق بوعشرين على خلفية قضية جنسية واتهامات "بالاغتصاب والاعتداء الجنسي والاتجار بالبشر". تلتها قضايا أخرى كقضية الصحفي سليمان الريسوني، المعتقل احتياطيا منذ أيار/مايو 2020، في ملف اعتداء جنسي. كما اعتقلت الصحفية هاجر الريسوني، بتهمة الإجهاض، أمام عيادة طبيب نساء، وحكم عليها بالسجن قبل أن يفرج عنها بعفو ملكي.  

ويؤكد الصحفيون، وأنصارهم أن القضايا لا تخص جرائم، وإنما هي لإسكات أصوات نقدية داخل المجتمع. كما رافق القضايا "الأخلاقية" تضييق مالي، عبر تراجع المعلنين من الشركات الخاصة والمؤسسات العمومية، عن التعامل مع اليومية، لإضعافها بحسب مؤيدي بوعشرين.

تجربة أخبار اليوم، مثل الكثير من التجارب المستقلة التي ولدت من رحم "العهد الجديد" (انتقال السلطة إلى الملك محمد السادس)، دخلت نفقا مسدودا بسبب تراجع الحريات في المغرب، بحسب المنظمات الحقوقية.

أما بالنسبة إلى المودني فإنه "سواء اتفقنا مع الخط التحريري لبعض هذه الجرائد أم لم نتفق، فهي تعد جزءا من النسيج الإعلامي لبلادنا وتعبيرا عن التعددية في التوجهات الفكرية والسياسية، لأن حرية الرأي والتعبير والديمقراطية تحتاج إليها كلها. لهذا، لا أستسيغ أن نستفيق يوما ونجد أن واحدة من جرائدنا قد أقفلت أبوابها، فالديمقراطية حينها هي التي تؤدي الثمن".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard