أزمة العدالة والتنمية المغربي... هل هو طلاق بين تياري بنكيران ورئيس الحكومة؟

أزمة بين بنكيران والعثماني

الأحد 14 مارس 202105:07 م

يظهر ألاّ شيء على ما يرام داخل بيت حزب العدالة والتنمية المغربي الذي يتبادل قادته، في الأسابيع الأخيرة، الاتهامات بجره إلى طريق يخالف خطه السياسي ومرجعيّته الإسلامية. أزمة عجّلت ببرمجة دورة استثنائية لمجلسه الوطني، في أعقاب إعلان الأمين العام السابق للحزب، عبد الإله بنكيران، عن تجميد عضويته وقطع علاقته مع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني وأربعة وزراء من حزبه، بعد مصادقة الحكومة على مشروع "قانون القنب الهندي".

ورغم هجوم بنكيران على العثماني وباقي إخوانه من خلال رسالته الخطية التي يعلن فيها "قطيعته" معهم، يحاول هؤلاء خفض الاحتقان وعدم التصريح لوسائل الإعلام بخصوص الأزمة التي يعيشها الحزب، تطبيقا لتوجيهات من العثماني.

من جانبه رفض عبد الإله بنكيران التعليق على توجيهات رئيس الحكومة، مكتفيا بالتصريح في كلمات مقتضبة لرصيف 22 تلخص عدم رضاه عن توجه قيادة الحزب "كل ما عندي قلته وعبرت عنه".

جدل "القنب الهندي" عمّق شرخ العلاقة التي تجمع بين بنكيران وإخوانه في العدالة والتنمية، الذين يعتبرون تصريحاته وخرجاته الإعلامية تشويشا على مسار تدبير الحكومة

ودعا مكتب المجلس الوطني باعتباره برلمان الحزب، كل الأعضاء إلى حضور أعمال دورة المجلس الوطني التي ستنظم يومي السبت والأحد 20 و21 آذار /مارس الجاري، لعرض ومناقشة طلب استقالة رئيس المجلس إدريس الأزمي الإدريسي، وآخر المستجدات السياسية واتخاذ المواقف اللازمة بشأنها.  

خلاف بين الإخوان

ويرتقب حسب مصادر من داخل "العدالة والتنمية" أن تهيمن على طاولة النقاش تداعيات المصادقة على مشروع قانون القنب الهندي في المجلس الحكومي، في وقت لم تحسم فيه الأمانة العامة للحزب موقفها الرسمي من الموضوع. ما يترك مساحة واسعة للخلاف بين تيارين مختلفين خاصة في ظل تمسّك جناح رئيس الحكومة السابق بنكيران برفض القانون.

جدل "القنب الهندي" عمّق شرخ العلاقة التي تجمع بين بنكيران وإخوانه في العدالة والتنمية، الذين يعتبرون تصريحاته وخرجاته الإعلامية تشويشا على مسار تدبير الحكومة وقيادة الأمانة العامة للحزب خاصة بعد إعلانه عن تجميد عضويته.  إذ لم يتأخر رد الأمين العام للحزب سعد الدين العثماني، الذي دعا أعضاء العدالة والتنمية إلى عدم التعليق على الموضوع عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعدم تقديم أي تصريح حوله، وانبرى ليدافع عن مواقفه معبرا أكثر من مرة إلى أنه عرضة لهجوم غير مبرر.

وحاول رئيس الحكومة امتصاص الاحتقان الذي يعيشه الحزب في تصريحات، خلال اجتماعات حزبية وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.  وقال خلال اجتماع مع أعضاء جدد التحقوا بالعدالة والتنمية أن الحزب لن يغير من نهجه وإنه "يعيش ظرفية صعبة (...) من خلال استمرار التهجم عليه عبر الحملات السياسية والإعلامية في محاولة لتشويه صورته لدى الرأي العام الوطني".

لكن توجيهات العثماني للقواعد بالصمت حيال اختلافات القيادة أجج غضب شباب الحزب، الذين سبق وانتقدوا "فشل قيادة الأمانة العامة، وفشل رئيس الحكومة"، بعد أن قدَّم ما وصفوه "بالتنازلات القاتلة"، والمصادقة "على الانقلاب على الإرادة الشعبية وتزكية التجاوزات الحقوقية، والقبول بفرنسة التعليم ومباركة التطبيع، وتقنين الكيف"، بحسب تعبير ياسين جلوني، وهو عضو في الحزب وشبيبته.

ورفض جلوني، في تدوينة نشرها على حسابه في فيسبوك، أي توجيه من الأمانة العامة يفرض الصمت وعدم التعبير عن رفض تمرير مشروع تقنين "الكيف"، داعيا أعضاء المجلس الوطني إلى "إزالة المِقوَد عن هذه القيادة التي مرّغت أنف تجربة الحزب في التراب".

 تصريحات بنكيران بعد إقالته من الحكومة كانت بخلفيات سياسية، لبعث رسائل مفادها أنه لا يزال في المشهد السياسي ولم يعتزل السياسة

من جهته، رفض عبد الصمد بنعباد، وهو عضو بارز في شبيبة الحزب، توجيهات الأمين العام، معتبرا أنه "فقد مشروعيته داخل العدالة والتنمية"، ومُحملا إياه مسؤولية "إقصاء بعض أعضاء الأمانة العامة".

ووصف بنعباد، في بث مباشر على صفحته على فيسبوك، ما يعيشه حزب العدالة والتنمية، "بالمصيبة"، التي قد "تتسبّب في بروز أزمات أخرى"، واستنكر "تحول الحزب الذي حصل على مليون و600 ألف صوت و125 مقعدا برلمانيا إلى حزب أصغر من حزب الاتحاد الاشتراكي الذي حصل على 20 مقعدا فقط ".

وفي نفس الاتجاه، يقول حسن حمورو، رئيس اللجنة المركزية لشبيبة العدالة والتنمية، وأحد الرافضين لتوجيه العثماني، في تصريح لرصيف22 إنه "إذا ثبت أن وزراء الحزب خالفوا قرارات الأمانة العامة المتعلقة بقانون القنب الهندي المعلن عنها في بلاغ 6 آذار/مارس فإن النظام الداخلي يتيح إمكانية إقالتهم أو إعفائهم من الأمانة العامة".

ويضيف حمورو أنه مستعد للاصطفاف إلى جانب أي مبادرة من شأنها أن تقيل أحد أعضاء الأمانة العامة ولو كانوا وزراء، إذا تأكدت مخالفتهم لموقف الأمانة العامة للحزب، معتبرا المبادرة محاولة "لإنقاذ الحزب من حالة الاختناق التي يعيشها"، ومؤكدا على تشبثه بدوره بالانسحاب من الحزب في حال إذا ما صادق على تقنين زراعة القنب الهندي.

ورفع العديد من شباب الحزب المساندين لتيار "بنكيران" مطلب استقالة العثماني من رئاسة الحكومة، بحكم أنه يجد نفسه "متناقضا" مع قرارات الأمانة العامة.

الحسين أكتيف، أحد أعضاء الشبيبة، دعا في تدوينة إلى "استقالة رئيس الحكومة" و"عقد مؤتمر استثنائي تجنبا لمزيد من الخسائر التي (...) قد تأتي على الأخضر واليابس".

بنكيران ليس معزولا

ويَنتقدُ أعضاء الحزب المدافعون عن العثماني التصريحات الإعلامية للأمين العام السابق عبد الإله بنكيران وتداعياتها على مسار القرارات داخل المجلس الحكومي. ويفسرها البعض برغبة بنكيران في فرض وجهة نظره على الحزب. وكانت آخر تصريحاته الحادة منذ سنة، وفسرها كثيرون حينها بأنها محاولة "لإسقاط" قانون متعلق بالتعليم، يصفه بنكيران بأنه يعزز مكانة الفرنسية في التعليم، و"يذبح" اللغة العربية.

وفي هذا السياق، يرى محمد شقير، أستاذ العلوم السياسية، أن "تصريحات بنكيران بعد إقالته من الحكومة كانت بخلفيات سياسية، لبعث رسائل مفادها أنه لا يزال في المشهد السياسي ولم يعتزل السياسة، وهي تعكس التأكيد على حضوره، بالرغم من إبعاده عن كل وسائل التواصل"، في إشارة إلى إعلام الحزب.

وأضاف شقير في تصريح لرصيف22 أن قرار بنكيران الأخير، الذي سبقه التهديد بالانسحاب، هو نوع من "استقطاب الأتباع ومحاولة تجميعهم حول شخصه، خاصة أن الحزب يعرفُ توترا وانقساما، مع حدة الخلافات بين القياديين فيه".

ويرجحُ المحلل السياسي أن يكون قانون القنب الهندي "آخر ورقة يلعبها بنكيران، بعدما تمت المصادقة عليه"، مشيرا إلى أن قرار تجميد عضويته  صاحبه إعلان قطع علاقته بالعثماني إلى جانب قياديين آخرين من الوزراء البارزين في الحزب، وهو ما يظهر استمرار "التنافس بين القياديين وبين بنكيران في أفق الانتخابات القادمة" التي تنظم بعد أشهر قليلة.

وبخصوص موقف بنكيران الرافض لتقنين القنب الهندي خلافا لموقفه الداعم للعثماني بخصوص استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل، يوضح شقير أن "الغرض من مساندة بنكيران للعثماني كان هو إظهاره للسلطة بأنه ما يزال صالحا لممارسة السلطة. فكانت ظاهريا مساندة للعثماني ولكنها في الحقيقة ضرب تحت الحزام لإضعاف العثماني وإظهار أنه يتناقض في التسيير بين مرجعية الحزب وبين الممارسة".

وحول محاولة "إخراس" الأصوات الداعية من داخل الحزب إلى رد الاعتبار لبنكيران، يؤكد المحلل السياسي أن توجيه العثماني بعدم الرد على قرار الأمين العام السابق هو "رسالة ضمنية بأن تصريحاته الإعلامية لا تساوي أي شيء من الناحية السياسية وليس لها تأثير على الحزب ولا على التدبير الحكومي، وأن بنكيران ليست له أي صفة تنظيمية أو سياسية للتدخل في مختلف القضايا التي يدبرها العثماني، ولا يمكن أن يبتزه أو يهدده".

 تتجددُ الأصوات الداعية إلى النقد الذاتي ومراجعة وتقييم تجربة حزب العدالة والتنمية، الذي قاد الائتلاف الحكومي لولايتين متتاليتين

وفي ظل السجال بين التيار الحكومي وتيار بنكيران، يتفادى برلمانيو العدالة والتنمية الحديث عن موقف الحزب من قانون القنب الهندي، الذي سيطرح على أجندة البرلمان في الأيام المقبلة، مُفضلين تجاوز قرار الحكومة، وترديد ما جاء في بلاغ الأمانة العامة مع التأكيد على "فتح نقاش عمومي واسع حول الموضوع"، كما جاء على لسان مصطفى إبراهيمي رئيس فريق العدالة والتنمية، خلال ندوة صحفية نُظمت في البرلمان.

وبين الطرفين تتجددُ الأصوات الداعية إلى النقد الذاتي ومراجعة وتقييم تجربة حزب العدالة والتنمية، الذي قاد الائتلاف الحكومي لولايتين متتاليتين، خاصة وأن الولاية الثانية شكلت حسب مراقبين منعطفا مفصليا في تاريخ الحزب، بعد إعفاء رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران وتعويضه بالعثماني بعد أن أجهضت محاولات تشكيل تحالف حكومي.

وفي هذا السياق، قال عبد العالي حامي الدين، نائب رئيس المجلس الوطني للحزب، إن تجربة العدالة والتنمية "تمثل التجسيد العملي والتطبيقي لأطروحة الإصلاح من الداخل التي ينبغي الاعتراف بأنها كشفت عن الكثير من مظاهر القصور والمحدودية".

وعزا حامي الدين، المعروف بدعمه لتمديد الولاية الثالثة لبنكيران على رأس الأمانة العامة للحزب، عوامل قصور تجربة العدالة والتنمية إلى "اعتبارات موضوعية مرتبطة بالنسق السياسي المغربي وتعقيداته".  هذا إلى جانب اعتبارات ذاتية "مرتبطة بنوعية النخبة التي قادت هذه التجربة وطريقة تفكيرها، وربما استنفذت قدرتها على العطاء والإبداع ولم يعد لديها الخيال السياسي اللازم لتدبير تحديات المرحلة".

وفيما يشبه محاولة لإنقاذ العدالة والتنمية، شدد حامي الدين، في تدوينة نشرها على فيسبوك، أن "هناك فرقا كبيرا بين تجربة واقعية (تجربة العدالة والتنمية) قابلة للنقد وللتقييم الموضوعي، وأمامها الكثير من إمكانيات التطور والتطوير وفرص التجديد وحتى القطيعة مع نمط معين في التفكير والممارسة، وبين أطروحات نظرية لم تختبر في الواقع يراهن أصحابها على فشل تجربة حزب العدالة والتنمية لإثبات صحة نظريتهم"، موضحا أن "هذا أكبر خلل منهجي تعاني منه ما يسمى بنظريات الإصلاح من الخارج التي تفتقر إلى تجربة عملّية وواقعية ناجحة".  لكن بعيدا عن الجانب النظري، هل ينجح أبناء الحزب الإسلامي حقا في تفادي عاصفة القطيعة بين بنكيران، القيادي التاريخي للحزب، وبين إخوانه؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard