إغلاق أبواب سبتة... فتح الجحيم على الشمال المغربي

الأربعاء 24 فبراير 202102:19 م
لطالما كان هذا المشهد مألوفاً على أبواب مدينة سبتة، الواقعة أقصى شمال المغرب والخاضعة للحكم الإسباني: تصطفّ طوابير طويلة من النساء والرجال والشباب تحت الشمس الحارقة أو الأمطار الغزيرة، ينتظرون لساعات طويلة وبصبر نافذ، فتح بوابة الحاجز الأمني الإسباني لدخول المدينة. يحملون في أياديهم بطاقات هوية مغربية، تؤكد إقامتهم في الإقليم المجاور لسبتة، ما يسمح لهم بالعبور للضفة الأخرى دون الحاجة إلى تأشيرة سفر.

غالبيتهم لا يملكون سوى ظهورهم، يحملون عليها السلع والبضائع ويعبرون بها إلى الضفة المغربية، فالقانون يسمح بعبور ما تحمله في يدك دون دفع التعرفة الجمركية. هذه الثغرة القانونية التي كانت تسمح بتهريب آلاف الأطنان من البضائع يومياً أضحت اليوم ذكرى بعيدة، ينظر إليها سكان مدينة الفنيدق المتاخمة لسبتة بحسرة وألم.

ففي نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2019، نفَّذ المغرب التهديد الذي كان يُلوّح به منذ سنوات، ليعلن المتحدث الرسمي باسم الحكومة في ندوة صحافية، عن إغلاق المعبر الفاصل بين مدينتي الفنيدق، شمال المغرب، وسبتة، في وجه البضائع المهربة إلى أجل غير مسمى. هذا القرار كان مفاجئاً لسكان المدينة التي يدور اقتصادها في فلك التهريب المعيشي، وحرم الكثيرين من مصدر رزقهم. اليوم لم يعد الأمر يطاق، لدرجة دفعت السكان للتظاهر طلباً لحلّ يجنبهم العوز والفاقة.


الفنيدق تختنق وتتظاهر

صُدم الكثير من المغاربة، في بداية شباط/ فبراير، وهم يرون شابة من مدينة الفنيدق، تصرح لأحد الجرائد الإلكترونية المغربية بأنها أصبحت عاجزة عن اقتناء الفوط الصحية بسبب ظروفها المالية. ما تعانيه الشابة كشف عمّا يعيشه الآلاف بأشكال مختلفة بصمت، ما قد يفسر الاحتجاجات الشعبية التي عمت المدينة في الأسابيع الماضية.

إغلاق المعبر كان مفاجئاً لسكان الفنيدق التي يدور اقتصادها في فلك التهريب المعيشي، وحرم الكثيرين من مصدر رزقهم.

"باب سبتة كان بمثابة مصدر 'الطَّرْف د الخبز' (أي كسرة الخبز) للمواطنين"، تقول كريمة العياشي، مسؤولة فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في حديثها لرصيف22. حرمان السكان من كسرة الخبز دفع، في مطلع السنة الجارية، إلى خروج المئات في مظاهرات عفوية، كما تقول الناشطة الحقوقية، قبل أن تضيف: "فاجأت الوقفة الاحتجاجية الأولى كل الهيئات المدنية والسياسية بالمنطقة، وشارك فيها رجال ونساء وشباب وأطفال. حاولت قوات الأمن فضّ الوقفة لمخالفتها تدابير حالة الطوارئ الصحية التي يعتمدها المغرب، والتي تمنع بموجبها كل التجمعات والدعوات إلى التجمهر، لكن الموقف تحول لتراشق بالحجارة وتبادل للشتائم بين قوى الأمن والمتظاهرين".

إثر الاحتجاج، تم توقيف 4 شبان تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة، ومثلوا أمام المحكمة بتهم "التجمهر وحيازة السلاح، وإهانة موظف عمومي أثناء قيامه بمهامه"، ثم أصدر القاضي في 16 شباط/ فبراير، حكماً بستة أشهر سجن موقوفة التنفيذ مع منحهم السراح المؤقت.

تقول العياشي التي تابعت أطوار المحاكمة: "تثير محاضر الشرطة التي قدمت أمام المحكمة بعض التساؤلات، فعلى الرغم من كون ثلاثة من الشباب المتهمين وقّعوا عليها بالفعل، إلا أن المتهمين يذكرون بعضهم البعض بأسمائهم في نصوص المحاضر، رغم أنهم لا يعرفون بعضهم في الحقيقة"، وتضيف بأن رفض أحد الشبان الموقوفين التوقيع على المحضر يزيد من حدة هذه التساؤلات.

الوقفة الأولى تلتها وقفات احتجاجية أخرى، وللجمعة الثالثة على التوالي، احتشد المئات من سكان المدينة، وتعددت مطالبهم، بين إعادة فتح المعبر، والبدائل الاقتصادية والبراءة للموقوفين.


2020 سنة النكبات وتفرقة العائلات!

توالت في العام الماضي النكبات على سكان مدينة الفنيدق، ما جعلها شبحاً للمدينة المزدهرة التي كانَتْها. فبعد الصدمة التي انتابت الجميع جراء إغلاق المعبر، حلّت جائحة كورونا بتداعياتها وخسائرها الثقيلة، واضطر السكان للامتثال للحجر الصحي، وأغلق أصحاب المطاعم والمقاهي والمتاجر أبوابهم وتخلى أصحاب عقود العمل الإسبانية الذين يعملون في سبتة عن وظائفهم.

في حديث مع رصيف22، يصف محمد عزوز، الناشط بالمدينة، الوضعَ بكونه استثنائياً، ويضيف بأن المدينة قاومت خلال السنة الماضية الفيروس والفقر والجوع، بالالتجاء إلى المدخرات المادية والاعتماد على المساعدات وسلل المواد الغذائية التي منحتها جمعيات مدنية، أو التي قدمها بعض المحسنين من الأثرياء.

أسواق المدينة التي كانت تعجّ بزوار يأتون من مدن أخرى، بحثاً عن الثياب أو المواد الغذائية القادمة من إسبانيا، أضحت خالية. بعضها هُجِر بالكامل، وأخرى سائرة في طريق الإغلاق. يقول عزوز إن التجار صاروا يعلنون الإفلاس ويغلقون متاجرهم بمعدل 7 متاجر يومياً، أما المقاهي والمطاعم التي كانت نشيطة فيما مضى، فهي أيضاً تعلن الإفلاس واحدة بعد الأخرى، لتصل الحصيلة إلى حوالي 150 متجراً مغلقاً، وحوالي 18 مقهى ومطعماً أعلن الإفلاس، حسب تقديرات اللجان الشعبية التي ترافق الاحتجاجات.

توالت في العام الماضي النكبات على سكان الفنيدق، ما جعلها شبحاً للمدينة المزدهرة التي كانَتْها. بعد الصدمة التي انتابت الجميع جراء إغلاق المعبر، حلّت جائحة كورونا بخسائرها الثقيلة، واضطر السكان للامتثال للحجر الصحي، وأغلق أصحاب المطاعم والمتاجر أبوابهم

ما يعمق جراح الفنيدق هو أن العلاقة مع مدينة سبتة تتجاوز التهريب، إذ إن عائلات مغربية كثيرة تعيش بين المدينتين، وبعضها تحمل الجنسيّتين المغربية والإسبانية. علاقة انقطعت بسبب الوضع، كما تشرح هناء ذات 18 ربيعاً.

الشابة التي ولدت وعاشت طيلة حياتها بمدينة الفنيدق، تقول في حديثها لرصيف22، إنها أَلِفت زوار المدينة من السبتيين، الذين يأتون على مدار السنة وفي عطل نهاية الأسبوع، يتبضعون من الأسواق، ويجلسون في المقاهي ويستمتعون بجو المدينة. تضيف أن بعضهم يأتي بغرض زيارة أهاليهم، فالعلاقة بين سبتة والمدن المغربية المجاورة ليست تجارية واقتصادية فقط، بل تربط بينها علاقات مصاهرة أيضاً. تتحسّر هناء على الوضع الذي آل إليه الأمر اليوم، فكثير من الأسر لم يعد بمقدورها العبور ببطاقات الهوية لزيارة أقاربها كما في السابق، بل صارت التأشيرة ضرورية لهؤلاء ليدخلوا مدينة سبتة، وهي المغربية من حيث التاريخ والجغرافيا، الإسبانية من حيث الحُكْم واللسان.


جدل قديم

لم يكن الحديث عن إغلاق المعبر جديداً، فالجدل حول الأوضاع الإنسانية والانتهاكات التي يتعرّض لها المواطنون المغاربة خلال مرحلة العبور عبر الحاجز الأمني الإسباني، كان يطفو من حين لآخر على النقاشات الرسمية، ووصل الموضوع إلى قبة البرلمان، لتتشكل لجنة برلمانية سنة 2018، للقيام بمهمة استطلاعية مهمتها الوقوف على تطور الأوضاع في المعبر.

وحسب التقرير الذي أنجزته اللجنة، فإن عدد النساء اللواتي يعملن في التهريب المعيشي يقدّر بنحو 3500 امرأة من مختلف الأعمار، فضلاً عن 200 قاصر، ولم يورد التقرير عدداً محدداً للرجال المزاولين لهذا النشاط.

أطلق مثقفون ونشطاء نداءً إلى الحكومة، لإعادة فتح المعبر والتسريع بإيجاد بدائل اقتصادية تضمن كرامة المواطن وتوفر له العيش الكريم.

تغيب في المعبر شروط النظافة والسلامة، وهو ما سجله التقرير ذاته، فلا وجود لمرافق صحية، ما يجعل بعض المنتظرين يلجؤون لارتداء الحفَّاضات. بعد ليلتين يقضونها في العراء، انتظاراً لفتح المعبر ليصل دورهم أخيراً للعبور. داخل سبتة يتسلمون حمولاتهم، التي تتجاوز في كثير من الأحيان 140 كيلوغراماً، يحملونها على ظهورهم في طريق العودة. تكون السلع ملفوفة بأكياس بلاستيكية محكمة، ولا يعرف هؤلاء الحمّالون محتواها، فمهمتهم تبدأ باستلام السلع وتنتهي بنقلها إلى الوسطاء، مقابل أجر يتراوح بين 100 و200 درهم (11 و22 دولاراً) لكل حمولة، ويساعدهم أحياناً أطفال قاصرون في نقل السلع إلى الخارج، مقابل مبلغ مادي لا يتجاوز 20 درهماً (2.1 دولار).

وعلى الرغم من الصورة القاتمة التي رسمها هذا التقرير عن الأوضاع بباب سبتة، فإنه أوصى قبل الاشتغال على البدائل الممكنة، بضرورة إنجاز دراسة اجتماعية واقتصادية للفئات التي تعمل في التهريب المعيشي، لمعرفة ظروفها الاجتماعية ومستواها الدراسي وسُبُل إدماجها في سوق الشغل، كما أكد على وجوب التسريع بفتح منطقة صناعية بالجوار.


نداء للحكومة ووعود بالإنقاذ

في نهاية شهر كانون الثاني/ يناير، أطلق مثقفون ونشطاء من أبناء المدينة نداءً إلى الحكومة، يطالب بإعادة فتح المعبر والتسريع بإيجاد بدائل اقتصادية حقيقية تضمن كرامة المواطن وتوفر له العيش الكريم. يقول عبد الرحمان الشاعري منظور، أحد النشطاء بالمدينة، في حديثه مع رصيف22، إن الإغلاق دون تقديم بدائل حقيقية يُعرِّض المدينة للانهيار الاقتصادي، فضلاً عن المشاكل الاجتماعية المترتبة عنه، كارتفاع نسب الطلاق والانتحار والهجرة السرية. ويؤكد على ضرورة تدخّل المسؤولين على المستوى الوطني، لإيجاد ما أسماه ببرنامج الإنقاذ الاقتصادي للمنطقة، على غرار تدخل الحكومتين المركزية والمحلية بإسبانيا لإنقاذ مدينة سبتة، التي أصبحت بدورها تعاني أزمة اقتصادية عقب إغلاق المعبر الحدودي.

الإغلاق دون تقديم بدائل حقيقية يُعرِّض المدينة للانهيار الاقتصادي، فضلاً عن المشاكل الاجتماعية المترتبة عنه، كارتفاع نسب الطلاق والانتحار والهجرة السرية

في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي للمواطنين، خرج بعض المسؤولين الإقليميين في تصريحات تعد بمشاريع تنموية واقتصادية خاصة بالمنطقة. من بينها ما ذكره المدير العام لوكالة تنمية أقاليم الشمال، منير البَيُوسفي، في ندوة صحافية، أعلن خلالها عن وجود برنامج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية يهم مدن الفنيدق والمضيق وتطوان، بميزانية تقدر بحوالي 400 مليون درهم (نحو 45 مليون دولار) على أن يكون البرنامج جاهزاً بحلول سنة 2022.

يذكر أن إغلاق معبر سبتة المفاجئ لم يأت في مجرى معزول، بل في سياق نهج المغرب سياسة حازمة تجاه إسبانيا، بسبب عدة ملفّات، أبرزها موقف الجارة الشمالية المتذبذب من صراع الصحراء الغربية. وقد بدا التوتر بين مدريد والرباط جلياً بعد إغلاق معبري باب سبتة وبني أنصار الواقع على أبواب مدينة مَلِيلِيَّة. هذا الإجراء الذي ضيّق الخناق بالفعل على اقتصاد المدينتين الواقعتين تحت السيادة الإسبانية، فضلاً عن اتجاه المملكة نحو ترسيم حدودها البحرية جنوباً مع جزر الكناري، الخاضعة للحكم الإسباني بشكل أحادي، جعل إسبانيا تنتفض وتعلن على لسان وزيرة خارجيتها أنها ترفض القرارات الأحادية من طرف المغرب. الفتور في العلاقات الدبلوماسية لا يزال واضحاً، لكن الذي يدفع ضريبته اليوم هم مواطنون أغلق المسؤولون دونهم أبواب المعبر، وتركوهم عزلاً يواجهون الجوع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard