هل تعجّل إدارة بايدن بالانفراج الحقوقي في المغرب؟

الأحد 21 مارس 202110:25 م

منذ اللحظة الأولى للإعلان عن تولي الديمقراطي جو بايدن رئاسة الإدارة الأمريكية، عقَدَ الكثير من المغاربة آمالهم على تغير في توجه الإدارة الأمريكية على مستوى ملف حقوق الإنسان، خصوصا بعد توالي الانتهاكات الحقوقية التي عرفها المغرب بعد تولي الجمهوري دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. إذ كان يعتبر الرئيس السابق للولايات المتحدة راعيا لـ"الانتهاكات الحقوقية" من خلال غض النظر عنها ومقايضة مرتكبيها في دول عدة.

الآمال في أن يعرف المغرب انفراجا سياسيا وحقوقيا من خلال إطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي وفتح نقاش عمومي حول الظاهرة، تغذت خلال حملة بايدن. إذ أكد هذا الأخير خلال حملته الانتخابية على أنه في حال فوزه في الانتخابات ستكون أهم أولوياته عودة أمريكا للقيادة الدولية وتبني أجندة لمقاومة السلطوية والدفاع عن حقوق الإنسان داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية.

يعقد الكثير من المغاربة آمالهم على تغير في توجه الإدارة الأمريكية على مستوى ملف حقوق الإنسان، خصوصا بعد توالي الانتهاكات الحقوقية في الأعوام الأخيرة

في المقابل وبعد عدة أسابيع من تنصيب "بايدن" بدأت المياه الراكدة تتحرك في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فأطلقت السلطات المصرية سراح عدد من الصحافيين المصريين الذين كانوا معتقلين احتياطيا، من بينهم الصحافي محمود حسين، مدير مراسلي قناة الجزيرة بتدابير احترازية وكان متابعا في قضية تابعها جهاز أمن الدولة العليا، وفرض عليه الحبس الاحتياطي أكثر من 4 سنوات.

في السعودية أيضا بدت بوادر الانفراج، وأطلق سراح الناشطة الحقوقية لجين هذلول بعد اعتقال دام 1001 يوم، سبق أن أعلنت خلاله عائلة لجين عن تعرضها للتعذيب داخل السجون السعودية. كما تم الإفراج عن المدونة نوف عبد العزيز بعد أكثر من سنتين ونصف من الاعتقال، وهو ما رحب به الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي أكد على الأهمية التي "توليها الولايات المتحدة لحقوق الإنسان العالمية وسيادة القانون" وفقا لبيان للبيت الأبيض.

وغير بعيد عن المغرب، أطلقت الجارة الشرقية الجزائر سراح عدد من الصحافيين والنشطاء المعتقلين على خلفية "الحراك الجزائري"، منهم الصحافي خالد درارني، الذي تحول إلى رمز للنضال من أجل حرية الصحافة في الجزائر إضافة إلى الناشط السياسي رشيد نكاز وعدد آخر من معتقلي الحراك.

توالي الإفراج عن الصحافيين والنشطاء الحقوقيين والسياسيين في عدد من الدول العربية، بعد تولي الديمقراطيين الإدارة الأمريكية، اعتبره البعض من متتبعي الشأن السياسي والحقوقي في المغرب بداية لعهد جديد تتقيد فيه الدول باحترام حقوق الإنسان، مؤكدين أن هذا التغيير سيكون له انعكاس إيجابي على الوضع الحقوقي داخل المملكة، إذ يتوقعون أن يكون هناك انفراج سياسي قبل الانتخابات التشريعية المرتقب تنظيمها في أيلول/سبتمبر المقبل. أما الصف المقابل فيرى أنه ليست هناك علاقة مباشرة بين انتخاب بايدن وإطلاق سراح الصحفيين في دول المنطقة، معتبرين أن السعودية أطلقت سراح لجين الهذلول لأن الضغط الدولي في قضيتها كان قويا بشكل لا يطاق، والجزائر أطلقت سراح بعض المعتقلين في محاولة من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لإعادة توزيع الأوراق، ولا علاقة لذلك بالخارج. 

عدم الرضوخ للضغوط الخارجية

دأبت الدولة المغربية على مر العقود على عدم إظهار انصياعها للضغوطات الخارجية. ففي عدد من الأزمات الداخلية أو المرتبطة بالعلاقات الخارجية كانت تبدو في الظاهر أنها مبادرة وكاملة السيادة وقرارها ملك لها، وهو ما يؤكده الناشط الحقوقي خالد البكاري في حديثه لرصيف22 قائلا "لم أكن اتوقع أن يحدث انفراج سريع بمجرد فوز بايدن بالانتخابات الرئاسية، ذلك أن الدولة المغربية من جهة لا تريد أن تظهر بمظهر المنصاعة لضغوط خارجية في ملفات تتعامل معها بمنطق "هيبة الدولة"". مضيفا أن الدولة "اعتادت في قضايا الاعتقال السياسي أن يكون الانفراج فيها مقترنا بالعطف الملكي على رعاياه في الإخراج النهائي".

الإفراج عن الصحافيين والنشطاء الحقوقيين والسياسيين في عدد من الدول العربية، بعد تولي الديمقراطيين الإدارة الأمريكية، اعتبره البعض من متتبعي الشأن السياسي والحقوقي في المغرب بداية لعهد جديد

بدوره قال عزيز أدمين الخبير الحقوقي في تصريح له لرصيف22 "إن المغرب لا يريد أن يظهر بأنه يخضع للضغوطات الخارجية، بل إنه يبحث عن سيناريو يظهر أن الإفراج عن معتقليه السياسيين والصحفيين والقيام بإصلاحات عميقة في مجال الحقوق والحريات هو جواب داخلي وسياسة وطنية مستقلة".

فضلا عن ذلك يقول أدمين "طبيعة وبنية الديبلوماسية المغربية، تتسم بالبطء والحذر، مما يجعل المغرب محتاجا لمزيد من الوقت، حتى تتضح له المعالم الكبرى للنظام العالمي الجديد وأيضا حتى يحصل على ضمانات لها علاقة بإشكالياته وقضاياه الكبرى".

من جهة أخرى أشار أدمين إلى أن "المنظومة الدولية تعرف تحولا هادئا وكبيرا، وأن العلاقات الدولية ليست عبارة عن ضغوطات بل هي مصالح وأجندات أصبحت تحتل فيها قضايا حقوق الإنسان الأولية، وبالتالي كلما أسرع المغرب في إطلاق سراح معتقلين وصحفيين كلما كانت التكلفة السياسية أقل، وموقعه في التفاوض جيدا، أما في حال تأخره، ستكون الكلفة السياسية باهظة ووضعه الدولي ضعيفا أمام الدول التي تتسابق للانخراط في المنظومة الدولية الجديدة".

كلما أسرع المغرب في إطلاق سراح معتقلين وصحفيين كلما كانت التكلفة السياسية أقل

وأوضح الخبير الحقوقي أن "العالم بصدد بناء منتظم دولي جديد، لثلاثة اعتبارات، أولها وصول الديمقراطيين إلى البيت الأبيض، إذ أنهم يعتبرون أن الديمقراطية وحقوق الانسان عقيدة وجودهم، والاعتبار الثاني مرتبط بتراجع مدّ اليمين المتطرف في أوروبا في مقابل تصاعد خطاب محاربة الكراهية والعنصرية، والاعتبار الثالث يتعلق بمخلفات وأثار جائحة كورنا التي مست كل دول العالم".

أولويات إدارة بايدن

دخل الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى البيت الأبيض وفي جعبته كثير من الوعود التي قطعها على نفسه، خلال الحملة الانتخابية، سواء تعلق الأمر بالملفات الداخلية "الحارقة" مثل وباء كورونا ووضع الاقتصاد، أو قضايا السياسة الخارجية والتعاون الدولي. ويعتبر الخبير الحقوقي عزيز أدمين أن "الإدارة الأمريكية الجديدة لها أولويات تتعلق بإعادة ضبط علاقتها وفق أجندات حقوق الإنسان مع دول الخليج، وعلاقتها مع روسيا والصين في الجانب الاقتصادي والتكنولوجيا، وعلاقتها مع الاتحاد الأوروبي وتصحيح الأخطاء التي ارتكبها الرئيس السابق دونالد ترامب كالعودة إلى اتفاقية المناخ والحلف الأطلسي".

بعد هذه الرهانات الكبرى، يقول أدمين في تصريح، "ستنتقل الإدارة الأمريكية إلى رسم معالم سياستها الخارجية مع الدول الأخرى وخاصة منها الدول العربية والمغاربية"، موضحا "لهذا من الطبيعي أن نجد بعض الدول كمصر والجزائر والسعودية والإمارات تستبق هذه التحولات من خلال بعث رسائل ضمنية كإطلاق سراح عدد من المعتقلين السياسيين والصحفيين وإجراء بعض الإصلاحات وسن بعض التشريعات".

ويضيف: "المغرب لن يكون خارج دائرة سياسة الخارجية الأمريكية الجديدة، وبالتالي لا بُد أن ينخرط في هذه الدورة العالمية".

تردد بسبب قضية الصحراء

قبل أيام من نهاية ولاية دونالد ترامب أصدر هذا الأخير قرارا يعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية المتنازع عليها مع جبهة بوليساريو منذ قرابة 45 سنة، بالتوازي مع إعلان إقامة علاقات بين المغرب وإسرائيل. لكن مع تغير الإدارة الأمريكية أصبح هناك تخوف من تراجع الديمقراطيين عن القرار، خصوصا أن إدارة بايدن لم تعلق على القرار بعد بشكل واضح.

وفي هذا السياق يرى البكاري أن "عدم وضوح موقف إدارة بايدن من الجزء المرتبط بالاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، جعل المغرب يفضل الانتظار، حتى يفاوض بملفات من بينها الملفات الحقوقية". لكن بالمقابل يعتبر نفس المتحدث أن "المناخ الدولي المرتبط بعودة تلويح أمريكا بورقة دعم الديموقراطية، والمناخ الإقليمي الذي يعرف تصاعد الاحتجاجات بالجارة الجزائر، وقرب الانتخابات وتخوف من المعدل غير المسبوق للمقاطعة، وأهمية إرفاق الإعلان عن تقرير لجنة النموذج التنموي الجديد بسياسة جديدة، وهي كلها عوامل قد تجعل من إمكانية الانفراج مرجحة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard