المغرب... كيف يتحوّل الشاهد "المحرِج" إلى متّهَم؟

الاثنين 5 أكتوبر 202006:20 م

اعتدنا أن نسمع عن قضايا يعاقَب فيها شاهد الزور بالحبس. توجد في القوانين الجنائية موادّ تجرّم شهادة الزور. ولكن الجديد في المغرب هو محاولات إخراس شهود الحق.

ففضلاً عن كونه بلداً يجري فيه تلفيق التهم الجنسية للصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بقصد إعدامهم معنوياً وتغييبهم لسنين طويلة في السجون، صار المغرب كذلك بلداً يتحوّل فيه الشاهد، بقدرة السلطة، إلى متّهَم، وعوضاً عن حمايته يصير مهدداً بالمتابعة القضائية وقضاء عقوبة سجن.

مناسبة هذا الحديث هي ما تفاجأ به المغاربة قبل أيام قليلة، بعد تحوّل الصحافي الشاب عماد استيتو من الشاهد الوحيد الذي يؤكد براءة الصحافي عمر الراضي من تهمة الاغتصاب، إلى متّهَم في ذات القضية.

سبق أن استمع الدرك الملكي إلى استيتو كشاهد، برفقة آخرين، في قضية "الاغتصاب" التي يتابَع فيها عمر الراضي. لكن بعد شهرين كاملين عن الواقعة فاجأتنا النيابة العامة بتقديم ملتمس لقاضي التحقيق في مواجهة استيتو بتهم المشاركة في "هتك عرض أنثى بالعنف والمشاركة في الاغتصاب"، علماً أن المشتكية لم توجّه أي تهمة للصحافي الشاب عند استماع الدرك الملكي إليها.

فلماذا تسارع النيابة العامة إلى تحويل الصحافي استيتو إلى متورط؟

حالة عماد ليست الأولى أو الوحيدة في المغرب. قبلها، كانت هناك قضايا أخرى مشابهة. مثلاً، قبل ثلاث سنوات، حدثت واقعة غريبة ومؤلمة للناشط في حراك الريف عبد الحق الفحصي. تحوّل هذا الشاهد المباشر الوحيد على الرواية التي تقول بـ"قتل الأمن" للشاب عماد العتابي إلى متابَع، ليُدان بعشر سنوات سجن نافذة.

توبع الفحصي برزمة من التهم الجنائية الخطيرة لا لشيء سوى أنه أصر على قول الحقيقة وتقديم شهادته.

فضلاً عن كونه بلداً يجري فيه تلفيق التهم الجنسية للصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بقصد إعدامهم معنوياً وتغييبهم لسنين طويلة في السجون، صار المغرب كذلك بلداً يتحوّل فيه الشاهد، بقدرة السلطة، إلى متّهَم

وللأسف، لا يعترف القانون المغربي بشهادة المتابَع في نفس القضية، وكان من نتيجة هذا "التحايل" على القانون أن أصبح المواطنون العاديون يرفضون الشهادة في القضايا التي تنبعث منها رائحة السياسة.

في المغرب، تجري أيضاً ما يُعرف بـ"محاكمة القرن" وهي قضية الصحافي توفيق بوعشرين. على خلفيتها، استدعتني الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في بداية 2018 هاتفياً، كشاهدة ضد الصحافي توفيق بوعشرين.

وبعد الاستماع إليّ وخروج المحاضر، مارست حقي الذي خوّله لي المشرّع كأي مواطنة مغربية، ووضعت شكاية طعن بالزور لدى محكمة النقض بعدما اكتشفت أن الشرطة عمدت إلى تزوير أقوالي بشكل فاضح جعل مني ضحية إضافية لمدير يومية "أخبار اليوم".

"ما يحدث اليوم يجعلني أتساءل: هل هناك عاقل في هذا البلد يقول كفى لهذا العبث، وكفى للاستهتار بسمعة و’استقلالية القضاء’ وقتل ما تبقى من ‘الأمل’ في أن يكون مغربنا مغرباً يتسع الجميع، وأبناؤه سواسية أمام القضاء؟"

لكن للأسف، قبل البتّ في شكايتي التي حُفظت بدون مبرر وبسرعة قياسية، قُبلت شكاية الضابط ضدي وتمّت إدانتي بالسجن النافذ دون الاستماع إليّ، علماً أن إفادة الضابط في شكايته تدّعي أنه تضرر من موقع نشر شكايتي، وأنا لا دخل لي في النشر لأنّي قدمت الشكاية في جلسة علنية وبحضور مجموعة من المنابر الإعلامية وعدد من المراقبين والمحامين.

ويشار في هذا السياق إلى أن محاكم المملكة تشهد طعوناً يومية في محاضر الضابطة القضائية كإجراء روتيني يلجأ إليه المتقاضون لأجل كشف الحقيقة.

يبدو أن الهدف الرئيسي وراء إقحام الشهود في زاوية الاتهام، وخصوصاً عندما تكون شهاداتهم نافية لمزاعم السلطة ضد معارضين هو تجريد المتقاضي المستهدَف من آخر أمل له في إثبات براءته.

ويُشار إلى أن السلطة، وخلافاً للقانون، قد تحوّل كذلك المتّهَم المدان بالسجن النافذ في قضية ما إلى شاهد في نفس القضية إذا وافق ذلك هواها "السياسي"، كما حصل في قضية البرلماني عبد العالي حامي الدين.

ما يحدث اليوم يجعلني أتساءل: هل هناك عاقل في هذا البلد يقول كفى لهذا العبث، وكفى للاستهتار بسمعة و"استقلالية القضاء" وقتل ما تبقى من "الأمل" في أن يكون مغربنا مغرباً يتسع الجميع، وأبناؤه سواسية أمام القضاء؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard