تشكّلت صورة علي خامنئي في الإعلام العالمي بوصفه قائداً سياسياً ودينياً مؤثراً منذ تولّيه منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1989، بعد وفاة مؤسس الثورة الإسلامية وقائدها روح الله الخميني. غير أنّ هذه الصورة السياسية الصلبة تخفي وراءها مساراً ثقافياً وفكرياً طويلاً، بدأ قبل الثورة الإيرانية بسنوات، وتشكل في فضاء الأدب والموسيقى والنقاشات الفكرية، إلى جانب التجربة الثورية والسجن. فَهمُ هذه الجوانب يمنح معرفتنا عنه صورة أكثر تركيباً وعمقاً.
النشأة والتكوين العلمي
وُلد سيد علي حسيني خامنئي في 17 تموز/ يوليو 1939 في مدينة مشهد، شرق إيران، في أسرة دينية متواضعة. بدأ دراسته الحوزوية في سن مبكرة، متنقّلاً بين مشهد وقم، حيث تتلمذ على كبار علماء الشيعة، من بينهم روح الله الخميني.

في تلك السنوات، تشكّلت خلفيته الفقهية والعقدية، لكنها لم تمنعه من الاهتمام الواسع بالأدب والفكر الحديث.
الشعر الفارسي… ثقافة وهوية
الشعر في إيران ليس ترفاً ثقافياً، بل هو عنصر أساسي في تشكيل الهوية الوطنية. وقد عُرف عن خامنئي اهتمامه العميق بالشعر الكلاسيكي والمعاصر؛ فطالما استشهد في خطبه بأبيات لحافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي وفردوسي وشَهريار (1906-1988)

وكان يعقد منذ سنوات طويلة لقاءً سنوياً مع الشعراء الإيرانيين خلال شهر رمضان، يستمع فيه إلى قصائدهم ويقدّم ملاحظات نقدية تتعلّق بالصياغة والصورة واللغة.
قبل أن يكون مرشداً سياسياً، كان خامنئي قارئاً للأدب الروسي، ومحباً لحافظ، وعازفاً على السِّتار في شبابه
هذا الاهتمام ليس شكلياً، بل يعكس تكويناً أدبياً مبكراً. وقد أشار في أكثر من مناسبة إلى أهمية الأدب في مقاومة "الاغتراب الثقافي" والحفاظ على الهوية الإيرانية. هؤلاء الشعراء ليسوا أهم وأبرز شعراء إيران بالطبع، بل يعتبرون موالين للنظام، فمن جهة أخرى من المعروف عدائه للشعراء والكتاب البارزين في إيران من أمثال أحمد شاملو وأحمد محمود.
موقفه من جلال آل أحمد
ضمن حديثه عن الأدب الإيراني الحديث، عبّر خامنئي في مناسبات مختلفة عن تقديره للكاتب الإيراني جلال آل أحمد (1923-1969)، لا سيما لكتابه الشهير "غربزدگی" (الاستغراب أو التغريب). كان آل أحمد قد انتقد في ستينيات القرن العشرين ما اعتبره انبهاراً مفرطاً بالغرب على حساب الهوية المحلية.

وقد رأى خامنئي في أفكار آل أحمد تعبيراً مبكراً عن نقد ثقافي واجتماعي لما سمّاه لاحقاً "الهيمنة الثقافية الغربية". هذا التقدير لا يعني تطابقاً كاملاً في الرؤى، لكنه يعكس تأثره بالأدب النقدي الإيراني الذي جمع بين الحس الاجتماعي والبعد الثقافي. وبالنسبة لكثير من الباحثين، فإن الإشادة بآل أحمد تكشف عن جذور فكرية تعود إلى ما قبل الثورة، حين كان الجدل حول الهوية والحداثة في ذروته.
الأدب الروسي وتأثيره
إلى جانب الأدب الفارسي، اهتم خامنئي في شبابه بالأدب الروسي الذي كان مترجماً إلى الفارسية على نطاق واسع، فقد قرأ أعمال تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف، وذكر في أحاديثه أنّ بعض هذه الروايات أثّرت في نظرته إلى الإنسان والصراع الأخلاقي، مثل رواية "الدون الهادئ" للكاتب الروسي ميخائيل شولوخوف التي أوصى بقراءتها.
في سنواته الأولى، كان تدخين الغليون جزءاً من صورته كشاب منخرط في النقاشات الفكرية قبل أن يدخل معترك السياسة
كان الأدب الروسي في ستينيات القرن العشرين مصدر إلهام لكثير من المثقفين الإيرانيين، لما يحمله من عمق نفسي ونقد اجتماعي. واهتمامه به يدلّ على انفتاح ثقافي يتجاوز الإطار الديني التقليدي، ويظهر أنّ قراءاته شملت آداباً عالمية متعددة.
الموسيقى التقليدية وتجربة السّيتار
من الجوانب التي قد تفاجئكم ما يُروى عن اهتمامه في شبابه بالموسيقى التقليدية الإيرانية، وخصوصاً آلة السّيتار (سهتار). تُعدّ هذه الآلة رمزاً للروح التأملية في الموسيقى الفارسية التقليدية. وقد أشارت بعض الروايات إلى أنّه مارس العزف عليها في شبابه.
لاحقاً، في موقعه الديني والسياسي، ميّز بين الموسيقى "الملائمة" ثقافياً وتلك التي كان يراها "لهوية". إلا أنّ تجربته الشخصية المبكرة مع الموسيقى تكشف عن علاقة غير نمطية بين رجل الدين والفن.
الغليون في سنوات الشباب
من الصور النادرة التي تعود إلى ما قبل الثورة ظهور علي خامنئي شاباً وهو يدخّن الغليون (البيب). كانت هذه العادة منتشرة بين بعض المثقفين آنذاك، ولم تكن تُعدّ خروجًا عن الأعراف الاجتماعية. تخلّى عنها لاحقًا، لكن وجودها في تلك المرحلة يعكس مناخًا ثقافيًا متداخلًا بين الفكر والسياسة والأدب.

الترجمة والنشاط الفكري
في ستينيات القرن الماضي، ترجم علي خامنئي كتاب “المستقبل لهذا الدين” للمفكر المصري سيد قطب إلى الفارسية. هذه الخطوة تُظهر اهتمامه بالحركات الفكرية الإسلامية خارج إيران، وانخراطه في نقاشات أوسع حول الإصلاح الديني والسياسي. وقد أشار المفكر الإسلامي علي شريعتي إليه كشخصية مؤثرة قبل الثورة الإسلامية.
كما أقام خامنئي جلسات تفسير قرآن في مشهد، جمعت بين الطابع الديني والتحليل الاجتماعي، وأسهمت في تكوين شبكة من الشباب المتدينين قبل الثورة.
السجن والنفي
بين 1963 و1978، اعتُقل خامنئي عدة مرات ونُفي إلى مناطق بعيدة، وقد دوّن لاحقاً بعض هذه التجارب في مذكراته. شكّلت سنوات السجن والنفي محطة حاسمة في مسيرته، ورسّخت صورته كأحد رجال الثورة.

محاولة الاغتيال
في 27 حزيران/ يونيو 1981، تعرّض خامنئي لمحاولة اغتيال أُصيب فيها إصابة خطيرة في يده اليمنى، ما ترك أثراً دائماً. جاءت الحادثة في سياق اضطرابات سياسية حادة في السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية.
الجمع بين اهتمام خامنئي بالشعر الفارسي، وقراءاته في الأدب الروسي، وتجربته مع الموسيقى التقليدية، وصور الغليون في شبابه، إلى جانب مسيرته الثورية والسياسية، يرسم صورة شخصية متعددة الأبعاد. فهي شخصية تشكّلت في بيئة دينية محافظة، لكنها تفاعلت مع تيارات فكرية وأدبية متنوعة.
تساعد هذه التفاصيل على فهم الخلفية الثقافية لشخصية سياسية مؤثرة، بعيداً عن اختزالها في بعدها السياسي فقط. ففي مسيرته تتقاطع الثقافة بالدين، والأدب بالسلطة، والشباب المثقف بالرجل الذي أصبح أحد أبرز وجوه إيران المعاصرة، بل أهم شخص فيها لسنوات طويلة حتى انتهت حياته يوم 28 شباط/ فبراير 2026.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
