"تتباين بين بلد وآخر"... عن علاقة واشنطن مع جماعات الإسلام السياسي

السبت 20 مارس 202110:15 ص

"الديموقراطية (النيوليبرالية) مغرية لكن ليس عندما يفوز المحافظون الإسلاميون، عدم التوسع هو الرادع لإيران والعراق لكن الاستيطان حق لإسرائيل... حقوق الإنسان هي مشكلة مع الصين لكن ليس مع السعودية، الاعتداء على الحقوق النفطية مدان بالنسبة للكويت لكن شأن داخلي بين الصرب والبوسنيين".

هذا مما كتبه المنظر السياسي الأمريكي صامويل هنتنغتون في نصّه الشهير "صراع الحضارات"، مشيراً إلى أن "النفاق، الكيل بمكيالين، والـ‘لكن’ هي مكوّنات الخبز اليومي للكونيين (دعاة الحقوق الإنسان الكونية)"، وأن "ممارسة الكيل بمكيالين هي الثمن الباهظ لمبدأ المعايير الكونية".

تركة ثقيلة ورثها الرئيس الأمريكي الديمقراطي جو بايدن عن سلفه الجمهوري دونالد ترامب. "بايدن لديه استراتيجية للشرق الأوسط، وليس فقط حساب تويتر"، عنون المؤرخ ماكس بوت مقالاً له في "واشنطن بوست"، مشيراً إلى الفترة السابقة، وما تخللها من أحداث كتعليق الاتفاق النووي الإيراني وما انجرّ عنه من استفزازات من الميليشيات المدعومة من إيران في المنطقة، والكارثة اليمنية (أو فيتنام السعودية)، واغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وما يجري من أحداث أخرى مرتبطة بالربيع الذي تحول إلى شتاء عربي.

وإنْ كان التعامل واضحاً مع ما سبق، يبقى ملف التعامل مع حركات الإسلام السياسي مفتوحاً وقابلاً لكل الاحتمالات حسب الحالة والسياق.

2000-2010: اعتراف حسب الطلب

ظلت الجماعات الإسلامية/ الأحزاب العقائدية تظهر على رادارات واشنطن السياسية ثم تختفي عنها طيلة سنوات، وخاصة مع الثورة الإيرانية وفوز جبهة الإنقاذ في الانتخابات التشريعية الجزائرية عام 1991 ومن ثم الحرب الأهلية، وكذلك مع تحوّل المقاومة الأفغانية إلى الفعل السياسي مع حركة طالبان، إضافة إلى مشتقات ذلك كانبعاث الجماعات الجهادية في ليبيا، مصر، الجزائر...

شهدت فترة التسعينيات من القرن الماضي أيضاً تطوراً في الوعي السياسي للحركات الإسلامية التي انتشرت على الضفاف الجنوبية والشرقية للمتوسط منذ العشرينيات. فقد عرفت تلك الفترة بداية تحزب هذه الحركات، على غرار المثال المصري، وبرزت عدة أحزاب إسلامية في المنطقة: حركة النهضة (1989)، جبهة العمل الإسلامي في الأردن (1992)، والعدالة والتنمية في المغرب (1998)…

تمثل المعايير الأمريكية لتصنيف المنظمات الإرهابية الخط الفصل بين الحركات الإسلامية السياسية والعسكرية، كما تحدد أسس التعامل الأمريكي مع هذه الحركات والأحزاب، وتعامل المجتمع الدولي إلى حد ما.

بقيت الولايات المتحدة تنظر بعين الريبة والحذر تجاه الإسلاميين. في الكتاب المشترك "Rethinking political islam" الذي صدر سنة 2017 بإشراف الباحث في الإسلام العسكري ويليام ماكانتس، يتحدث الباحث بيتر ماندافيل عن العلاقات الأمريكية مع الحركات الإسلامية القائمة على ما يشبه توازن معادلة رياضية عواملها الأمن، المصالح، حقوق الإنسان.

سنة 1995، أعلنت الولايات المتحدة مقاطعتها لحركة الإخوان المسلمين استجابة لطلبات النظام المصري. لكن ستتعامل لاحقاً مع حليفها في الناتو، تركيا، بقيادة حزب العدالة والتنمية سنة 2002.

لم تعترف الولايات المتحدة بفوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية في فلسطين سنة 2006، إرضاء لحليفتها إسرائيل. من جهة أخرى، تقيم علاقات ديبلوماسية واسعة، برلمانياً، مع نواب وأعضاء الحركات الإسلامية في كل من الأردن، الكويت، المغرب، باكستان، إندونيسيا، حيث ستفادت هذه الأحزاب من برامج دعم الديمقراطية الأميركية كالـNED وUSAID.

إلى حدود عام 2010، تعاملت الولايات المتحدة "حسب الحالة" مع الإسلاميين. وعندما كان مجلس الأمن القومي يناقش، بأمر رئاسي من الرئيس الأسبق باراك أوباما، فكرة دفعة إصلاحية سياسية في الشرق الأوسط، بما في ذلك إشراك الأحزاب الإسلامية، هلّت نسائم الربيع العربي عام 2011، لتعيد بقوة "المعضلة الإسلامية" إلى التداول على طاولة المكتب البيضاوي في البيت الأبيض.

2010-2016: ماذا نفعل يا بايدن؟ ما رأيك يا هيلاري؟

في مذكراته عن فترته الرئاسية، يتحدث باراك أوباما عن تفاعل إدراته مع أحداث الربيع العربي. يروي أن جغرافيا الربيع العربي وضعت الإدارة الأمريكية في ما يشبه المأزق: بين دعم الحركة التحررية وحق الشعوب في تقرير المصير، بما في ذلك المكون الإسلامي، أو مساندة حلفاء واشنطن القدامى والذين كان لهم أثر بالغ في تأمين وتحقيق المصالح الأميركية، والغربية، في المنطقة.

يقول إرنست هيمنغواي في إحدى رسائله: "الطريقة المثلى لجعل الناس يستحقون الثقة هي الثقة بهم". ربما هذا أبرز ما يمكن قوله حول المزاج الأميركي نحو الإسلاميين السياسيين، في انتظار ما قد يخالف ذلك

انقسم فريق أوباما بين مساند للأنظمة "العلمانية"، وهم فريق جو بايدن وهيلاري كلينتون، أي فريق الجيل القديم، وبين فريق الشباب المساند للحق الكوني للشعوب في تقرير مصيرها، وفيه سوزان رايس وأنتوني بلينكن.

مسايرةً للأوضاع واكتفاءً بمحاولة إدراة الأمر الواقع، بارك أوباما حينها الحركات التحررية في المنطقة، في تونس ومصر، رغم تحذيرات من فريقه بصعود الإسلاميين إذا ما انهارت الأنظمة "العلمانية" الحليفة لها. ورأى بقية القادة العرب هذا التصرف "خذلاناً"، وهو ما يفسر استعار حماهم تجاه رياح التمرد والثورة واشتعال الحروب الأهلية في كل من ليبيا، سوريا، واليمن... والقمع الوحشي للاحتجاجات في البحرين.

حسب ورقة بحثية أصدرها مركز الدراسات راند Rand عام 2012، لم يكن السؤال حينها هل ستتعامل الإدارة الأمريكية مع الإسلاميين، لكن كيف سيكون ذلك؟ وفعلاً كان الجواب في زيارتين متتاليتين، عامي 2011 و2012، لوزيرة الخارجية حينذاك هيلاري كلينتون لكل من تونس ومصر ودول أخرى في المنطقة.

التقت كلينتون بمختلف المكونات السياسية، بما فيها الإسلاميين، مواصلةً خطاب المباركة والدعم الذي كان الرئيس أوباما قد بدأه منذ كانون الثاني/ يناير 2011. إضافة إلى ذلك، اشترطت في القاهرة الالتزام باتفاقيات السلام بين مصر وإسرائيل واشترطت في تونس استمرار جهود مكافحة الإرهاب، كقواعد أساسية للعلاقات المتبادلة بين الطرفين.

جرى ذلك رغم الخطاب الإسلامي المعادي للولايات المتحدة الذي تبنته الحركات الإسلامية بألوانها طيلة عقود.

يقول بيتر ماندافيل: "أصوب وصف للسياسة الأميركية تجاه الإسلاميين، إبان الربيع العربي، هي أنها لم تصغ سياسة خاصة ومميزة مع الأحزاب السياسية الإسلامية، إذ تتباين وتتمايز ألوان هذه الأطياف بين بلد وآخر، ولا يمكن فهمها وإحاطتها من منطلق نصوص ‘الآباء المؤسسين كالبنا وغيره’".

ويضيف: "عاملت الإدارة الأمريكية هذه الأحزاب كأحزاب منتصف اليمين، الأحزاب الخضر، ولم يكن من المعقول اتّباع غير ذلك. وبالتالي اتجه السياسيون في البيت الأبيض والكابيتول نحو ‘التطبيع’ مع الإسلاميين".

وبالتالي، واصلت الولايات المتحدة سياستها، بمبادئها المكيافيلية الأنغلو-ساكسونية Realpolitik، والمتمثلة في مساندة ودعم مَن في سلطة شرط ضمان مصالحها الاستراتيجية.

2016-2020: إرهاب حسب الطلب

لم تدم ألوان الربيع العربي طويلاً، إذ هبت رياح خريف العرب مع الانقلاب العسكري في مصر في صيف عام 2013، وحملة التطهير ضد الإخوان، وصعود داعش، وتعثر التجربة العراقية، وثقل الملف النووي الإيراني، والحرب في ليبيا...

"ممارسة الكيل بمكيالين هي الثمن الباهظ لمبدأ المعايير الكونية"، يقول المنظر السياسي الأمريكي صامويل هنتنغتون في نصّه الشهير "صراع الحضارات"... ولعلّ هذا ما ينطبق على تعاطي واشنطن مع جماعات الإسلام السياسي

كل هذه العوامل بعثرت الأوراق الأمريكية. وانقسمت المنطقة إلى محاور بين داعم للإسلاميين كقطر وتركيا، ورافض لهم كمصر والإمارات والسعودية. وكل هؤلاء هم حلفاء تاريخيون للولايات المتحدة.

ومنذ بداية 2014، بدأ الضغط الخليجي-المصري على مواقع صنع القرار الأمريكية لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابيةً. ومع الصورة التي نشرها أحد قادة الإخوان (وليد الشرابي) رافعاً شعار رابعة، في إحدى غرف وزارة الخارجية الأمريكية، أنهت الإدارة الأمريكية أي لقاءات رسمية ديبلوماسية بينها وبين أفراد من المنظمة الإخوانية.

ومع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، عام 2016، عاد سؤال تصنيف منظمة الإخوان منظمة إرهابية إلى التداول في أروقة الإدارة الأمريكية، على خطى تصنيف حركة حماس سابقاً.

وطرحت القضية رسمياً، في كانون الثاني/ يناير، في إطار التسويات المصرية-الأمريكية، بين ترامب و"دكتاتوره المفضل"، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

سترفض الإدارة الأمريكية تصنيف المنظمة إرهابية، ليعيد ترامب طلبه، في نيسان/ أبريل 2019، بعد تغيير مَن رفضوا ذلك مثل الوزير ريكس تيليرسون، بأفراد مطيعين، أو بـ"رجال النَعَم"، على حد ما جاء في مقال دانيال بنجامين وجايسون بلازيكس مع "فوراين أفيرز". ولكن ترامب رحل وبقي ما بقي من ملفات.

2021: بايدن والشتاء العربي

سبق للرئيس جو بايدن أن عايش أحداث تشكل الربيع العربي. وشاءت الصدف أن يعود ليعايش زوابع "الشتاء العربي" حسب عنوان كتاب أستاذ القانون في جامعة هارفارد نواه فيلدمان. لكن على عكس ما كان، صار الإسلام السياسي حاضراً بقوة، كعامل مؤثر، في الخارطة الجيو-سياسية للعالم العربي.

يبدو أن جو بايدن تعب من مسلسلات الشرق الأوسط التي لا تنتهي. هذا ما خلص إليه تقرير نشرته مجلة "بوليتوكو"، تضمن إفادات لمقربين من الدائرة الاستشارية للرئيس الأمريكي، وكذلك قراءات استشرافية للمحطات الديبلوماسية المقبلة.

سبق للسيناتور بايدن أن صوّت ضد التدخل الأمريكي في حرب الخليج عام 1991، والتي ربحتها الولايات المتحدة، في حين صوت مع اجتياح العراق عام 2003، وندم لاحقاً.

وفي حملة ترشحه للرئاسية، عام 2007، أشار بايدن إلى تبنيه مشروع تقسيم للعراق. وحين اندلعت ثورات الربيع العربي عام 2011، وكان وقتها نائباً للرئيس، لم يكن متحمساً لدعمها. وعام 2014، في محاضرة أمام طلبة هارفارد، لام حلفاء الولايات المتحدة، مصر، تركيا، الإمارت، على الحرب الأهلية في سوريا، ما استوجب اعتذاره لاحقاً.

ربما هذا الماضي المقلق يفسر تراجع أولوية الشرق الأوسط في سلم أولويات إدارة بايدن في الفترة المقبلة. تواصله المباشر مع قادة المنطقة نادر حتى اللحظة. ويبدو واضحاً توجّه أنظار البيت الأبيض نحو المحيط الهادئ وجنوب آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء والضفة الشمالية للمتوسط.

رغم ذلك، انعكست ألوان الديمقراطيين على المنطقة فور إعلان فوزهم في الانتخابات الرئاسية. متعهداً بمراجعة "تركة" ترامب، بادر بايدن إلى تعليق صفقات السلاح إلى السعودية والإمارات، وسحب الدعم الأمريكي للتدخل العسكري السعودي في اليمن.

كذلك، سارعت السعودية إلى تخفيض إنتاجها النفطي، ما أدى إلى ارتفاع أسعار البترول وانتعاش الخزائن الأمريكية، علاوة على إطلاق سراح الناشطة الحقوقية لجين الهاذول.

متغيرات كثيرة أخرى حصلت منها إبرام المصالحة الخليجية قبل وصول بايدن إلى البيت الأبيض بأيام قليلة، والتقارب المصري والفرنسي مع الجانب التركي، مروراً بتسوية الملف الليبي واحترام أطراف النزاع لحظر الأسلحة الأممي حتى الآن وأيضاً احترام القرار الليبي المدعوم أممياً، وأخيرا السعي الأمريكي لإعادة تفعيل الاتفاق النووي الإيراني والمضي قدماً في التسوية السياسية الأمريكية-الطالبانية التي ترعاها قطر.

وفي شمال إفريقيا، تدعم السفارة الأمريكية في ليبيا جهود عبد الحميد الدبيبة، المحسوب على المحور القطري-التركي، في توحيد ليبيا.

ويمكن أيضاً قراءة لقاء السفير الأمريكي في تونس دونالد بلوم مع رئيس البرلمان، ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، في 23 شباط/ فبراير 2021 وتأكيده له على مواصلة الدعم الأمريكي للتجربة الديمقراطية التونسية، كدلالة على استمرار السياسة الأميركية في التعامل مع أصحاب الإسلام السياسي، على منوال ما يجري مع الإسلاميين في كل من المغرب، الأردن، الكويت، تركيا، ماليزيا، وإيران...

بعد تركة ترامب، قد تكون الفترة المقبلة فرصة لإعادة ترتيب الأوراق وأخذ النفس. يقول إرنست هيمنغواي في إحدى رسائله: "الطريقة المثلى لجعل الناس يستحقون الثقة هي الثقة بهم". ربما هذا أبرز ما يمكن قوله حول المزاج الأميركي نحو الإسلاميين السياسيين، في انتظار ما قد يخالف ذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard