قضية سليمان الريسوني: قراءة في عنجهية الدولة المغربية

السبت 31 أكتوبر 202012:53 م

مع قدوم قيادات جديدة وترؤسها المؤسسات الأمنية في السنوات الأخيرة بالمغرب،  تغيرت المعادلة. فمن الدور المحايد نسبياً في الصراعات السياسية تحولت الأجهزة الأمنية إلى لاعب أساسي وفاعل في الصراع القائم. 

هذا الصراع دفعها إلى صنع ماكينة بأذرع متعددة تضم المؤسسات القضائية والسجنية والإعلامية، بالإضافة إلى الجمعيات "الحقوقية" بهدف التأثير على الرأي العام والنيل من الأصوات المعارضة والزج بها في غياهب السجون.

هذه المنهجية المعتمدة على تلفيق التهم الجنسية للمعارضين بالمنطق النفعي، قد تكون ناجحة في المرتين الأولى والثانية، لكن التكرار بوتيرة متقاربة كشف معالمها وأفقدها النجاعة باعتبار أنها أسلوب انتقامي مستهلك.

أضف أن كبريات المنظمات الحقوقية نددت بالانتهاكات الجسيمة التي طالت أخيراً العديد من الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، عبر تقارير أصدرتها تطالب فيها السلطات المغربية بالتوقف عن تلفيق التهم الأخلاقية، وهي القضايا التي شغلت الرأي العام المحلي والدولي، وأجمع عدد كبير من الحقوقيين داخل المغرب وخارجه على عدالتها.

من هذه القضايا قضية الصحافي سليمان الريسوني رئيس تحرير يومية "أخبار اليوم"، التي شابتها جملة من الخروق، بداية من طريقة اعتقاله التعسفية وكيفية إلقاء القبض عليه، من أمام بيته من قبل عدد من عناصر القوات الأمنية بزي مدني، دون أن يتوصل باستدعاء الاستماع إليه في النازلة.

"أصبحت الأجهزة الأمنية تتعامل مع المغاربة من منطلق 'أنتم لستم مطالبين بتصديق روايتي لكنكم مطالبون بالخوف مني'"... عفاف برناني تكتب عن سجن كبير اسمه #المغرب

في حين أن الاعتقال كإجراء يتم في حالة التلبس أو لدى وجود أدلة تدينه مثل الخبرة الطبية أو شهود، وهذا غير متوفر في حالة الريسوني، فضلاً عن عدم توفر شكاية ضده من المدعي.

هذا الاعتقال جاء بعد أسبوعين من حملة تشهير "قذرة"  شنتها مواقع مقربة من السلطة على الريسوني وعائلته، وقد أدانته وتوعدته بالاعتقال بل حددت تاريخاً له، والأنكى من ذلك أنها كانت حاضرة في مكان اعتقاله وعملت على تصوير ما جرى ونشر الفيديو على موقعها، وهذا ما يدفعنا للتساؤل عن الجهة التي أخبرت تلك المواقع عن مكان الريسوني وموعد اعتقاله.

هذه القضية "الغريبة" حرّكتها النيابة العامة بناء على رصد خلية اليقظة التابعة لها، تدوينة شاب مثلي باسم وحساب وهميين يزعم أنه تعرض لمحاولة الاعتداء تعود لسنة 2018 من دون ذكره اسم المعتدي، في حين كانت خلية اليقظة هذه نائمة أثناء التشهير بالريسوني وعائلته نحو سنتين، واستيقظت عندما بات المستهدف صحافياً انتقد عبر افتتاحيته "النارية" تغول النيابة العامة وتواطؤها مع الأجهزة الأمنية لإعدام الأصوات الحرة والتهمة: "هتك العرض بالعنف والاحتجاز".

إحالة الوكيل العام الريسوني على قاضي التحقيق بعد الاستماع إليه أثناء الحراسة النظرية، له تفسير وحيد هو أن الملف خالٍ من قرائن تدين هذا الأخير، وأنه بحاجة إلى الوقت للبحث عن الأدلة. ولمَ لا عن ضحايا لـ"تغراق الشقف" للمستهدف كما حصل مع زميله توفيق بو عشرين.

وهو ما حدث فعلاً، إذ فوجئنا بعد أسبوع من اعتقال الريسوني بتدوينة لشابة تتكلم عن أن محامية المدعي تتصل بها من أجل تقديم شكاية ضد الريسوني بالاعتداء الجنسي في الوقت الذي قالت الشابة أنها لا تعرفه أساساً.

 حتى مديرية السجون وضعت "يدها فوق أيديهم" ضد مواطن أعزل عندما امتنعت عن إحضار الريسوني للجلسة المقررة للاستنطاق التفصيلي التي حددها قاضي التحقيق، متحججة بالتدابير الاحترازية المرتبطة بالحالة الوبائية التي تعيشها البلاد، متجاوزة بذلك القانون، وهذا ليس من صلاحياتها، لأن الهدف من القرار إطالة مدته السجنية لقتله رمزياً وكسب المزيد من الوقت لطبخ سيناريو يغيّبه سنين طويلة داخل السجن.

"المنهجية المرتكزة على تلفيق التهم الجنسية للمعارضين وفق المنطق النفعي، قد تكون ناجحة في المرتين الأولى والثانية، لكن تكرارها بوتيرة متقاربة كشف معالمها وأفقدها النجاعة باعتبار أنها أسلوب انتقامي مستهلك..."

فكيف لسلطة قضائية ذات سيادة حسب القانون أن تخضع لقرارات إدارية في خرق سافر للقانون؟

في قضية الريسوني الحرية هي الأصل لكن النيابة العامة اختارت الاستثناء وهو الاعتقال الاحتياطي برغم أن سليمان حرص على حضور جلسات التحقيق والمحاكمة اذا قرر قاضي التحقيق متابعته. فمنذ شهر أيار/مايو الماضي وسليمان الريسوني في زنزانة انفرادية وهي الزنزانة نفسها التي وضع فيها ناصر الزفزافي قائد حراك الريف طيلة فترة وجوده في السجن المركزي عين السبع بالدار البيضاء، من دون تهم ولا قرائن تدينه، وهذا ما يؤكد أن اعتقاله هو انتقام من صحافي غرد خارج السرب.

كل هذا يختزل المستوى العالي من العنجهية الذي وصلت إليه الأجهزة الأمنية حتى  أصبحت تتعامل مع المغاربة من منطلق "أنتم لستم مطالبين بتصديق روايتي لكنكم مطالبون بالخوف مني".

منطق يبرر الإفلاس الأخلاقي للأجهزة، ويكشف أننا لم نعد في وطن. بل أصبحنا نعيش في سجن كبير، و"محمية" كل سكانها مدانون حتى إشعار آخر، يتحكم حراسها (الاجهزة الأمنية) في مصائرهم وأقدارهم والمطلوب منهم الإذعان والقبول بالأمر الواقع للنجاة بأرواحهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard