استهداف الصحافة المستقلة في المغرب.. خوف السلطة من الصوت المنتقد

السبت 31 أكتوبر 202012:53 م

تعتبر الاعتقالات الأخيرة في صفوف الصحافيين المستقلين آخر مسمار تدقه السلطة في نعش الصحافة المستقلة في المغرب. فمنذ عقدين من الزمن تعيش الصحف ذات الخط التحريري المستقل في حرب ضروس مع السلطة، على غرار le journal والصحيفة وdemain  ونيشان والجريدة الأخرى وغيرها من الصحف التي وجدت لنفسها موطئ قدم بين عهدَي الملك الراحل الحسن الثاني والملك محمد السادس، واستطاعت أن تتناول المواضيع الحساسة بكل جرأة مثل الملكة والدين الإسلامي وقضية الوحدة الترابية. ومع توالي السنين كلما زادت الجرأة في تناول المواضيع الحساسة انهالت عليها الدعاوى القضائية والغرامات المالية، مما ساهم في خنق هذه المؤسسات مالياً وانهيار نموذجها الاقتصادي.

وحسب الفاعلين في الحقل الإعلامي، تعد صحيفة أخبار اليوم من آخر الصحف المستقلة في المغرب، إذ تعاني منذ نحو سنتين متابعات قضائية في حق صحافييها، فضلاً عن منع "الإشهار" عنها مباشرة بعد اعتقال مؤسسها الصحافي توفيق بوعشرين المحكوم بـ15 عاماً في قضية "الاتجار بالبشر"، في حين أن الفريق الأممي الخاص بالاعتقال التعسفي اعتبر اعتقال بوعشرين تعسفياً، ودعا الدولة لإطلاق سراحه، فضلاً عن محاولات منعها من الدعم العمومي ومحاصرتها في التوزيع.

واحتل المغرب في آخر تصنيف لـ"مراسلون بلا حدود" لمؤشر حرية الصحافة العالمي لسنة 2020 المرتبة 133 من ضمن 180 بلداً، وأوضح التقرير أن "موجة الضغوط القضائية ضد الصحافيين" تتواصل في المغرب. فبالإضافة إلى "المحاكمات التي استمرت لسنوات ضد العديد من الفاعلين الإعلاميين، انهالت المتابعات القضائية على الصحافيين من جديد، إذ أصدرت أحكاماً مشددة في بعض الحالات، علماً بأن عدداً كبيراً من الصحافيين والصحافيين-المواطنين ما زالوا في السجن".

استهداف شامل

يعتبر يونس مسكين مدير نشر يومية "أخبار اليوم" أن "استهداف الصحافة المستقلة في المغرب هو جزء من استهداف شامل لمبدأ الاستقلالية، ويكفي أن ننتبه إلى ما يحدث في الحقلين السياسي والحزبي، وما أصاب استقلالية القرار الداخلي للهيئات السياسية، لنفهم هذا الاستهداف الشامل".

 وأوضح مسكين لرصيف22 أن "السلطة في المغرب في لحظة من اللحظات، باتت تتضايق من أي تعبير عن هذه الاستقلالية، وهو ما تمت ترجمته في مجال الصحافة تضييقاً واستهدافاً مباشريْن للصحافة المزعجة من خلال أساليب ووسائل متعددة، أقلها التحكم في مصادر التمويل، ولا سيما منها الإعلانات التجارية، ثم ما تابعناه في السنوات الأخيرة من ملاحقات قضائية لكثير من الأصوات الإعلامية، وجلّها ينتمي إلى ما يمكن أن نصفه بالصحافة المستقلة".

وأضاف أن "صعود الصحافة التي تنعت بالمستقلة يرتبط بشكل وثيق بمرحلة انفتاح سياسي جرى في بدايات الألفية الحالية، وبالتالي لا يمكن تفسير التراجع الذي تعرفه الصحافة حاليا، إلا بمرحلة الانغلاق والتراجع السياسي والحقوقي"، مشيرا إلى أن" المدافعين عن السلطة سيجتهدون في إيجاد الكثير من التفسيرات والمبررات للوضع الحالي لكن، رغم اجتهاداتهم لا يمكن حجب كم التراجعات السياسية والحقوقية التي يعرفها المغرب".

"استهداف الصحافة المستقلة في المغرب هو جزء من استهداف شامل لمبدأ الاستقلالية، ويكفي أن ننتبه إلى ما يحدث في الحقلين السياسي والحزبي، وما أصاب استقلالية القرار الداخلي للهيئات السياسية، لنفهم هذا الاستهداف الشامل"

واعتبر الصحافي علي أنوزلا في حوار سابق له على موقع معهد "كارنيجي" أن "استهداف الصحافيين المستقلين هو رسالة، ليس إلى باقي الصحافيين فحسب، إنما أيضاً إلى كل الأصوات الحرة التي تطالب بالديمقراطية والحرية والكرامة"، وتابع: "إذا كان الصحافيون المستقلون هم أكثر عرضة لاستهداف السلطة، فإن الظروف الموضوعية التي يعيشها المغرب هي التي وضعتهم في خط المواجهة الأولى مع السلطة بعد تراجع دور المعارضات الحزبية والنقابية. وهو موقع لم يختره الصحافيون المهنيون والمستقلون. إلا أن دور الصحافة كـ "سلطة مضادة" تجعل السلطة وكل من يمشي في ركابها تحاول تصوير الصحافيين "سلطة معارضة"، وهذه مغالطة كبيرة الهدف منها هو المس بصدقية رسالة الصحافة الشريفة وتشويه رسالتها النبيلة".

أما أحمد رضا بنمشي، مدير النشر مجلة "نيشان" سابقاً، فقال لرصيف22: "استهداف السلطات للصحافة المستقلة نابع من عدم تقبل النظام السياسي للرأي النقيض إذ ليس لديه طبيعة حقوقية، ولا يؤمن بحرية التعبير".

تراجع دور الصحافة المستقلة

رأى حسين المجدوبي، وهو صحافي ودكتور في علوم الإعلام، أن "استهداف الصحافة المستقلة يحدث عندما تكون هذه الصحافة متقدمة في خطابها الإعلامي على الطبقة السياسية بجرأتها في طرح مواضيع شائكة تمس ما يفترض أنه النواة الصلبة للحكم"، مضيفاً: "تعد الصحافة في المغرب منذ عشرين سنة، متقدمة في التعاطي السياسي والاعلامي، خصوصا بعد الفراغ الذي تركه التناوب السياسي".

وقال المجدوبي لرصيف22 إن "الصحافة في المغرب تنفلت من الإطار المرسوم المراد التحكم فيه، ومن ثم تتعرض للعقاب بشتى أنواعه مثل اعتقال الصحافيين ومنع الإشهار".

وأضاف: "في الوقت الراهن، فقدت حتى الصحافة المستقلة التأثير الكبير الذي مارسته طوال العقدين الأخيرين لمصلحة صحافة المواطن، إذ تسجل أشرطة فيديو لنشطاء في شبكات التواصل الاجتماعي يطرحون قضايا أجندة الصحافة المستقلة مئات الآلاف من الزيارات"، مشيراً إلى أنه "في بلد مثل المغرب ما زالت الأمية مرتفعة في صفوفه، يبقى هذا النوع الجديد من الصحافة "صحافة المواطن" التي تعتمد الصورة التي هي الصوت الأكثر تأثيراً في الشارع المغربي وصنعاً للرأي العام".

دور الصحافة كـ"سلطة مضادة" يجعل السلطة وكل من يمشي في ركابها تحاول تصوير الصحافيين "سلطة معارضة"، وهذه مغالطة كبيرة!

خط تحرير واحد

من جهة أخرى، قال الصحافي مصطفى بن الراضي: "كثيرون يتحدثون عن تراجع ملحوظ في عموم المشهد، وليس في ما يرتبط بالممارسة الصحافية، وإن كان التجلي الأكثر لهذا التراجع يبرز في مجال الإعلام، ما دامت الصحافةُ تقف عند خطوط التماس العالية التوتر مع السلطة. لذلك يكون الاصطدام دوماً أكثر قوة".

 وأضاف في حديثه لرصيف22: "شخصياً لا أميل إلى استعمال عبارة الصحافة المستقلة، لأن ذلك يفترض الجواب منطقياً عن سؤال "مستقلة عماذا؟"، وأجدني أكثر أريحية في مقاربة الموضوع من مدخل حرية التعبير وحرية الصحافة، كما أن مقاربة الموضوع من مدخل حرية التعبير يجعل الأمر أكثر يسراً لتبيّن خيوط اعتداء السلطة على الممارسة الصحافية من عدمها، لأننا نكون أمام وضعية بحث قيم كونية وحقوق كليّة، وليس التحيّز لتصنيفات قابلة للطعن، كالحديث عن الصحافة المستقلة أو غير المستقلة".

وتابع: "في المغرب، بقدر ما هنالك تضخّم لجهة تعدد المنابر الصحافية، هناك تراجع غير مريح وغير مبرّر للتعبيرات الصحافية"، موضحاً "نحن أمام تعدّد ووفرة في المنابر الإعلامية، لكننا للأسف لا نلمس تعدداً وتنوعاً لجهة خطوط التحرير. بل يمكن أن نقول إننا نتجه لخط تحريري واحد، وذلك سيكون نتيجة لما يراه البعض تضييقاً على نوع من الصحافة يقدم مساهمات أكثر توازناً في مقاربة قضايا الوطن، وأكثر جرأة في طرح الإشكالات".

وشدد بن الراضي على أن "الجديد في ما يجري أن هناك توجهاً لخلق حالة صدام من داخل الجسم الصحافي نفسه بصنع تناقضات من شأنها أن تدمّر كل التعاقدات الضمنية الناظمة للممارسة الصحافية بين المهنيين الصحافيين والمؤسسات الإعلامية، التي كانت تصون الحق في الاختلاف، مع حماية الحق في الوجود لكل التعبيرات. كما أن هناك جنوحاً لاستعمال أساليب أكثر خشونة خلال مسعى السلطة لضبط المشهد"، مضيفاً: "لهذا يدعو كثيرون الدولة إلى بعث إشارات قوية تفيد بأنها معنية فعلاً بتعزيز حرية التعبير وحرية الصحافة، لأن في الأمر مصلحة لا تخفى، ودور الصحافة مهم في عملية بناء الديمقراطية والتوجه إليها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard