"التعديل اللقيط" لقانون الانتخابات... العدالة والتنمية وحده ضد الجميع

البرلمان المغربي

السبت 6 مارس 202106:03 م

يوصف قانون الانتخابات الذي صوت له مجلس النواب المغربي الجمعة 5 آذار/مارس بالتعديل اللقيط من لدن حزب العدالة والتنمية. والسبب أن قانون الانتخابات يتضمن مادة حارقة قد تغير خريطة مجلس النواب في المستقبل لتجعل الأحزاب الصغيرة حاضرة بكثافة، وتقلص من هيمنة الأحزاب الأكثر تمثيلا وسط المجلس عبر احتساب الأصوات بشكل جديد.

بعد صراع مرير بدا حزب العدالة والتنمية المغربي، معزولا في مواجهة تعديل اقترحته أحزاب من المعارضة وحتى حلفاء للعدالة والتنمية داخل الأغلبية الحكومية، يغير هندسة العملية الانتخابية ويضعف من حظوظ الأحزاب الكبرى.  يحدث ذلك باحتساب نسبة الأصوات انطلاقا من المسجلين في القوائم الانتخابية للدوائر النيابية بدل الذين صوتوا فعليا خلال الانتخابات.

فريق العدالة والتنمية في مجلس النواب كان صارما في تقييمه للقانون واعتبره تعديلا "لقيطا يجازي الكسالى من الأحزاب التي لا يُرى لها أثر في المجتمع إلا بمناسبة الانتخابات"

تفاصيل التعديل المعروف "بالقاسم الانتخابي"، أربكت حسابات الحزب الإسلامي، ليعيش مجلس النواب جلسة تشريعية عصيبة تتبعها المغاربة على شاشات التلفزيون وانقطعت في البداية بعد حضور عدد كبير من نواب العدالة والتنمية إلى الجلسة، خلافا لتوافق برلماني ينص على تقليص عدد النواب الحاضرين إلى الجلسات بسبب الإجراءات الصحية المترتبة عن وباء كورونا. وهو ما دفع رئيس المجلس الحبيب المالكي (حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) إلى تعليق انطلاق الجلسة لمدة، لتنتهي في آخر المطاف بتصويت مجلس النواب لصالح تعديل "القاسم الانتخابي"، وهي المادة 84 من مشروع القانون التنظيمي للانتخابات، المثيرة للسجال بين نواب حزب العدالة والتنمية ونواب باقي الأحزاب السياسية.

حرب على العدالة والتنمية؟

ست ساعات من الشد والجذب لم تُسعف الفريق البرلماني لحزب العدالة والتنمية وكبحت حلمه بإسقاط مادة تحدد نمط احتساب "القاسم الانتخابي".  فريق الحزب في المجلس كان صارما في تقييمه للقانون واعتبره تعديلا "لقيطا يجازي الكسالى من الأحزاب التي لا يُرى لها أثر في المجتمع إلا بمناسبة الانتخابات وتوزيع التزكية بالمسائل المشبوهة التي يعرفها الجميع"، وتوعد باللجوء إلى المحكمة الدستورية للحسم فيه. فيما دافعت أحزاب أخرى عن المادة مؤكدة أنها تساهم في ترسيخ الديمقراطية.

بصوت غاضب واحتجاجي على "انقلاب" باقي أحزاب الأغلبية الحكومية على الحزب الإسلامي الذي يتزعمها، قال مصطفى إبراهيمي رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، إن "اختيار من صوتوا هو الذي يعطي الشرعية للتمثيلية ويُمكِّن من احتسابها وليس التسجيل في اللوائح فقط"، مشددا على انعكاس ذلك على "العملية الانتخابية بين الأحزاب بالتساوي بدون منافسة، مما يضرب أساس العملية الديمقراطية وهي التنافس".

وأضاف إبراهيمي، أمام وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، أن فريقه صُدِم بهذا "التراجع" الذي يؤثر على المشهد البرلماني عبر ضبط الخريطة الانتخابية بشكل مسبق. في إشارة إلى أن تغيير نمط احتساب الأصوات يُراد منه قطع الطريق على ما تسميه أحزاب المعارضة "هيمنة" تيار سياسي إسلامي تزعَّم الحكومة المغربية خلال ولايتين حكوميتين متعاقبتين.

النائب اعتبر التعديل مخالفا للفصل 30 من الدستور الذي يؤكد على أن "التصويت حق شخصي ووطني وهو الذي يعبر عن إرادة الأمة"، مؤكدا على أنه "انتكاسة وتمييع للمشهد الحزبي" ومعيارٌ "لا يحترم الإرادة الشعبية، ويعبثُ بالديمقراطية وبالمؤسسات الدستورية ويشجع الفساد".

قال محمد الحجيرة رئيس فريق حزب الأصالة والمعاصرة المُعارِض خلال الجلسة العاصفة، إن اعتماد المسجلين لاحتساب القاسم الانتخابي هو انعكاس للتعددية الحزبية وللديمقراطية

وفي هذا السياق، قالت الباحثة في العلوم السياسية شريفة لومير (وهي ناشطة في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض)، في تصريح لرصيف22  إن "على العدالة و التنمية الوعي بإلحاح التوافقات السياسية بين مكونات المشهد السياسي بالمغرب لأجل المصلحة العامة و دعم الخيار الديمقراطي وليس المصالح الحزبية"، مشددة على أنه "لا يمكن الانحياز إلى الموقف الرامي إلى أن التعديلات التي صادق عليها مجلس النواب تمس بالدستور خصوصا في شقه المتعلق بأن التصويت هو الذي يعبر عن إرادة الأمة".

وأضافت لومير أنه "إذا استحضرنا أن الفئة المهيمنة بين الذي يحق لهم التصويت هي فئة الشباب، فإن عدم انتشار التصويت في أوساط الشباب المغربي راجع إلى إدراك ووعي، ومن المنطقي في ظل الخيار الديمقراطي الذي انخرط فيه المغرب أخذه بعين الاعتبار".

موتى ومهاجرون وأخلاق

رفض احتساب القاسم الانتخابي على أساس المسجلين، مرده إلى أنه سيحتسبُ منهم المغاربة المتواجدون خارج البلاد ولا يستطيعون التصويت وحتى المقاطعون للانتخابات والموتى، وهو ما يعتبره العدالة والتنمية محاولة لمحاربته.  أما الأحزاب المدافعة عنه فترى فيه وسيلة ستسمح للأحزاب الصغيرة بولوج مجلس النواب وضمان تمثيليتها بشكل أكبر.

وفي هذا السياق، قال محمد الحجيرة رئيس فريق حزب الأصالة والمعاصرة المُعارِض خلال الجلسة العاصفة، إن اعتماد المسجلين لاحتساب القاسم الانتخابي هو انعكاس للتعددية الحزبية وللديمقراطية، رافضا ما أسماه "التحكم السياسي والهيمنة التشريعية والاستبداد الأغلبي"، في إشارة إلى حزب العدالة والتنمية، الممثل ب 125 عضوا في البرلمان ضمن 395 عضوا.

ورفض الحجيرة "الاتهامات والاتهامات المضادة" التي جاءت في مداخلة فريق الحزب الإسلامي، مشددا على أن "لا أحد يمكنه أن يعطينا الدروس في السياسة والأخلاق ولا أحد يمكن أن يختصر في ذاته الشرعية الدستورية والديمقراطية وحتى العذرية السياسية". واعتبر رئيس فريق الأصالة والمعاصرة أن الأهم هو "التداول وتحقيق التوازن والتعددية الفكرية لضمان الديمقراطية"، داخل المجلس.

النائب البرلماني دافع عن ضرورة تغيير طريقة الاقتراع السابقة لأن النمط الجديد يضمن "طابعا تعدديا سيسمح لأحزاب أخرى بولوج المؤسسات الدستورية خلافا للتوجه الذي يدعو إلى نمط اقتراع إقصائي يريد الهيمنة ويمنع مكونات حزبية أخرى من ولوج البرلمان"، ومشددا على أن النمط الجديد لا يمس بدستورية القانون.

 وبررت الفرق البرلمانية المصوتة على القاسم الانتخابي تقديمها لهذا المقترح بهدف تحقيق تمثيل موسع للناخبين داخل الدوائر المحلية، وأكدت في مداخلاتها في الجلسة على ضرورة فتح المجال أمام كافة القوى السياسية للمشاركة في القرار من خلال المؤسسة التشريعية.

لا حلّ غير الطعن الدستوري

مباشرة بعد تصويت 160 نائبا من فرق أحزاب المعارضة والأغلبية بالموافقة على تعديل القاسم، ومعارضة 104 عضوا من فريق العدالة والتنمية، جدد هذا الأخير اعتراضه على التعديل، معلنا قرار تقديم مذكرة لرئاسة مجلس النواب، تتضمن طعنا في المادة 84 لأنها بحسبه تتضمن مقتضيات غير دستورية.

 القانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب وباقي القوانين الانتخابية الأخرى التي تم تعديلها ستحال على المحكمة الدستورية للنظر في مدى مطابقتها للدستور.

هذا فيما مانَع الفريق الاشتراكي طلَب حزب العدالة والتنمية بمناقشة المادة من جديد، وقالت البرلمانية أمينة الطالبي "لا يمكن الآن أن نُضَمِّن شيئا في محضر الجلسة بعد التصويت لصالح المادة". والدليل بحسب النائبة هو أن قانون المجلس ينص على "أن مذكرة الطعن ينبغي أن توضع لدى رئاسة المجلس قبل المناقشة والتصويت".

في هذا السياق، قالت الباحثة لومير، إن "حزب العدالة والتنمية بحاجة إلى إدراك أن التحالفات الحزبية في النظام التعددي بطبيعة النظام الاقتراعي النسبي الذي يعتمده المغرب يجعل حجم الحزب وتأثيره هو الذي يحدد تحالفاته، فحصول العدالة والتنمية على 125 مقعدا في مجلس النواب لا يعني أن وزنه السياسي يعادل 3 مرات الحزب الذي حصل على 40 مقعدا، أو يعادل 6 مرات الحزب الذي حصل على 20 مقعدا".

وتعتبر الباحثة أن رفض حزب العدالة والتنمية لهذه التعديلات وتمسكه بموقفه يعني "أنه يدافع عن ديمقراطية المقاعد التمثيلية داخل المؤسسات التشريعية وليس عن المسار الديمقراطي الذي يتبناه المغرب، لأن العملية الديمقراطية تقتضي ترجمة إرادة الأمة" خاصة "بعد التئام فرق من الأغلبية مع موقف أحزاب المعارضة المدافعة عن هذه التعديلات".

وتجدرُ الإشارة إلى أن القانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب وباقي القوانين الانتخابية الأخرى التي تم تعديلها ستحال على المحكمة الدستورية للنظر في مدى مطابقتها للدستور.

 



إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard