الأغنية والإيقاع اللغوي… من اكتساب اللغة إلى التراند

الأغنية والإيقاع اللغوي… من اكتساب اللغة إلى التراند

رأي نحن والتنوّع

الأربعاء 25 فبراير 20266 دقائق للقراءة

لطالما شكّلت الأغنية وسيطاً فنّياً قادراً على النفاذ إلى الذاكرة السمعية الجماعية. وبرغم اختلاف الأذواق والأنماط الموسيقية، إلا أنّ ظاهرة سرعة حفظ الأغاني بسهولة تبقى ثابتةً ومثيرةً للاهتمام من منظور لساني ومعرفي وموسيقي.

يتطرق هذا المقال إلى فهم دور الإيقاع اللغوي -لا بوصفه عنصراً صوتياً فحسب، بل بوصفه آليةً إدراكيةً جوهريةً- في تسهيل حفظ الأغنية وانتشارها، وذلك استناداً إلى ما أثبته بيار هالي (Pierre Hallé)، من أنّ الأطفال يميّزون لغتهم الأمّ من غيرها عبر الإيقاع وحده، بالإضافة إلى الأبحاث النفسية والموسيقية حول آليات الحفظ السمعي.

الإيقاع اللغوي ووظيفته الإدراكية

الإيقاع اللغوي Le Rythme Linguistique، هو البنية الزمنية التي ينظّم بها المتكلم وحدات اللغة في السياق المنطوق. يشمل هذا التوزيع الزمني للمقاطع، طولها أو قصرها، النبرة، مواضع التوقفات، وسرعة النطق، حسب كتاب "علم الأصوات العروضي" لإيرين فوغل وومارينا نيسبر.

تعتمد الفرنسية نمطاً مقطعياً في حين تميل العربية والإنكليزية إلى النمط التفعيلي المعتمد على النبرة والوزن، مما يُسهّل عملية تعلّم اللغة وحفظها، وحتى إنتاج الكلام... كيف؟

وتُظهر دراسات أبرزها دراسة تحت عنوان "نزعة الانتظام الدوري" لآن كاتلر وجاك ميلر منشورة في مجلة علم الأصوات (1993)، أنّ الدماغ البشري يعالج الكلام وفق هذا التنظيم الإيقاعي لتقطيعه إلى وحدات قابلة للإدراك والحفظ.

يتميّز هذا الإيقاع بكونه خاصّاً بكلّ لغة: فالفرنسية مثلاً تعتمد نمطاً مقطعياً (syllable-timed)، في حين تميل العربية والإنكليزية إلى النمط التفعيلي أو المعتمد على النبرة والوزن (stress-timed)، ويُسهم هذا الإيقاع في توجيه الانتباه نحو الحدود بين الكلمات أو المقاطع، مما يُسهل عملية التعلّم، والحفظ، وحتى إنتاج الكلام.

الأطفال واللغة والإيقاع

أظهرت أبحاث الباحث اللساني الفرنسي بيار هالي، خاصةً بحثه المشترك مع كلّ من لودوفيك فيرير وخوان سيغوي والمنشور في مجلة الذاكرة واللغة (1998)، أنّ الرُضّع قادرون منذ الأسابيع الأولى بعد الولادة على تمييز لغتهم الأمّ من لغات أخرى اعتماداً على الإيقاع وحده، دون الحاجة إلى معرفة المفردات، والنحو والتركيب. فمثلاً، الرضيع الفرنسي يتجاوب بشكل مختلف مع الفرنسية مقارنةً بالإسبانية أو الروسية، لمجرد اختلاف النمط الإيقاعي العام.

يُفسَّر هذا بوجود آليات عصبية فطرية -وهذا ما دعمه أيضاً نوام تشومسكي في نظريته حول اكتساب اللغة- تُمكّن الطفل من التقاط البنية الإيقاعية العامة للغة الأمّ، ما يجعل الإيقاع أوّل عنصر لغوي تتمّ معالجته إدراكياً.

ووفق بيار هالي، فإنّ هذه "البصمة الإيقاعية" هي التي تؤسس لاحقاً لبناء المعجم النطقي لدى الطفل، ولتمييز الكلمات في السلسلة الكلامية.

تفاعل الإيقاعَين اللغوي والموسيقي

عند غناء الكلمات، يحدث تفاعل بين إيقاعَين، الإيقاع اللغوي المنبثق من بنية اللغة، والإيقاع الموسيقي المنظّم عبر الزمن واللحن. وعندما يكون هناك انسجام بين هذين الإيقاعين، فإننا نلاحظ سهولةً في التلقّي والفهم، قدرةً أسرع على التكرار، وتثبيتاً أفضل للمقاطع في الذاكرة.

وتشير أبحاث علم الأعصاب المعرفي إلى أنّ الإيقاع الموسيقي المنظّم يُفعّل مناطق في الدماغ شبيهةً بتلك المستخدمة في معالجة اللغة، مثل القشرة السمعية والدوائر الحركية، مما يُعزز فعالية التخزين السمعي للمادة اللغوية عندما تكون مغناة. فـ"الموسيقى واللغة هما من أكثر السمات تميزاً في العقل البشري، والتفاعل بينهما يكشف الكثير عن كيفية تنظيم أدمغتنا لمعالجة سمعية معقدة وهرمية البنية"، كما يذكر أنيترود دي باتل في كتابه "الموسيقى واللغة والدماغ".

لماذا نحفظ اللحن قبل الكلمات؟

دراسات عدة منها دراسة لواندا تي. والاس تحت عنوان "الذاكرة والموسيقى: أثر اللحن على استرجاع" والمنشورة في مجلة "علم النفس التجريبي: التعلم والذاكرة والإدراك" (1994)، بيّنت أنّ اللحن يُشكّل البنية الأولى التي يلتقطها الدماغ عند سماع الأغنية، حيث يُخزّن نمطه في الذاكرة السمعية الإجرائية بسرعة، بينما تُكتسب الكلمات لاحقاً من خلال التكرار.

أظهرت أبحاث بيار هالي، أنّ الرُضّع قادرون منذ الأسابيع الأولى بعد الولادة على تمييز لغتهم الأمّ من لغات أخرى اعتماداً على الإيقاع وحده

يرجع ذلك إلى نمطية اللحن المنتظمة وسهولة تكراره، وتنشيطه لنظام المكافأة العصبي، مما يولّد متعةً سمعيةً تزيد من فرص إعادة الاستماع.

لهذا، نجد أنّ معظم البشر قادرون على ترداد لحن أغنية بدقّة حتى إن لم يتذكروا إلا كلمات قليلة منها.

الأغنية من وجهة نظر التحليل الإدراكي

عندما يتطابق الإيقاع الموسيقي مع الإيقاع اللغوي، تتكون وحدة صوتية منسجمة تحفّز التنبؤ السمعي (anticipation)، وسهولة التكرار والتأثير العاطفي.

هذا ما يفسّر جزئياً كيف أنّ بعض الأغاني تتحوّل إلى "تراند" في وسائل التواصل الاجتماعي: الأغنية التي تملك لحناً بسيطاً قابلاً للترداد، وإيقاعاً لغوياً مألوفاً وسهل الحفظ، تصبح قابلةً للانتقال بين الأفراد بسرعة، وتُحدث ما يُعرف في علم النفس الموسيقي بـ "الدودة السمعية" (earworm)؛ أيّ مقطع موسيقي يعلق في الذهن ويدور دون وعي.

في هذا السياق، يمكننَا القول إنّ الإيقاع ليس فقط مدخلاً لغوياً مبكراً كما بيّن هالي، بل هو أيضاً عامل حاسم في نشر الأغنية جماهيرياً، نظراً إلى ارتباطه بالاستجابة العاطفية والذاكرة السمعية.

حجر الأساس

يكشف هذا التحليل أنّ الإيقاع اللغوي، إلى جانب الإيقاع الموسيقي، يُشكّلان حجر الأساس في فعالية الأغنية كوسيط صوتي يُحفَظ بسرعة ويُعاد إنتاجه بسهولة. فدراسات بيار هالي تؤكد أنّ الإيقاع هو أوّل مفتاح لغوي يتعامل معه الدماغ منذ الولادة، وهو ما يُفسر قابلية الأغنية، خاصةً في اللغة الأمّ، لأن تُخزَّن بسرعة وتُسترجَع بكفاءة. وعندما يحدث تفاعل متوازن بين اللحن والكلام، تكون النتيجة منتجاً صوتياً متكاملاً يجتاح السمع، ويغدو أحياناً ظاهرةً اجتماعيةً واسعة الانتشار.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image