"مشروع ليلى" ساندت مجتمع الميم-عين العربي... كيف سيؤثر علينا غيابها؟

السبت 17 سبتمبر 202202:51 م

"ليلى" التي رافقتنا على مدار 14 عاماً، أطفأت موسيقاها قبل أيام. في إحدى ليالي العام 2008، انطلق المشروع في الجامعة الأمريكية في بيروت. قرّر أعضاء "مشروع ليلى" في حينها، أن يحوّلوا ليلةً إلى مسمّى "ليلى". فقد مجتمع الميم-عين اليوم "ليلاهم" التي عانقوها لفترة طويلة، وسط زخم التراشق الهوموفوبي الذي لاحق الفرقة ومحبّيها. أن يخرج إلى العلن مؤسّس الفرقة حامد سنّو، ليعلن مثليّته، وأن تخرج فرقة بأكملها لتكون لسان هذا المجتمع في حينها، هما ما جعلاها "مساحةً آمنةً" لهم، بل لنا جميعاً.

فقد مجتمع الميم-عين اليوم "ليلاهم" التي عانقوها لفترة طويلة، وسط زخم التراشق الهوموفوبي الذي لاحق الفرقة ومحبّيها.

2008 تختلف كثيراً عن اليوم، ربّما في 2022 لا تزال تجتاح الصور النمطية والعبارات المسيئة، كل أفراد مجتمع الميم-عين. إلّا أنّ جرأة الفرقة وتفصيلها لهذا المجتمع، كان لهما الصدى الأكبر في مسيرتها المسانِدة. "أنا مثلي"، لم يكن لأحد أن يتخيّل أن ينطق أي شخص بهذه العبارة قبل 14 سنةً. في مشروع ليلى، استطاع هؤلاء أن يُسمعوا كلماتهم وغزلهم اللذين أحبّوا تبادلهما بين بعضهم البعض. ساند هذا مسار مجتمع الميم- عين، "فخر بيروت"، في العام 2017، الذي خرج في أول مسيرة فخر داعمة للمثليين في العالم العربي. 

لسنواتٍ طويلة حاول بعض مستمعي "مشروع ليلى"، أن يسمعوهم في عزلتهم وعلى فراشهم. ومن كان يسمعهم بصوت مرتفع وصاخب كان سببه المُعلن أنّه "يحبّ موسيقاهم"، لكنّه يتحفّظ عن "معالجتهم للهويّة الجندرية". حقيقةً، رافقت الفرقة أفراد الميم-عين في مراهقتهم، وأفسحت لهم مجالاً للشعور بالحريّة. وهم فعلاً فقدوها في مجتمعٍ لم يسمح لهم بالإفصاح عن هويّتهم والتعايش معها. "قلهن لسّا واقفين، قلهن لسّا صامدين"، في أغنية "ونعيد"، جسّدت الفرقة كل الصّعاب التي يمرّون بها. وكأنّ مشروع ليلى يقول لهم "قوموا بما تريدون":

"فينا ننطر الفجر لنخلّص عدّ النجوم ونعيد ونعيد ونعيد

فينا نحمل الصخر فوق الجبل ونرميه ونعيد ونعيد ونعيد

فينا نفتح عينينا لما يرموا فيها تراب قل لهم لسا شايفين".

لسنواتٍ طويلة حاول بعض مستمعي "مشروع ليلى"، أن يسمعوهم في عزلتهم وعلى فراشهم. ومن كان يسمعهم بصوت مرتفع وصاخب كان سببه المُعلن أنّه "يحبّ موسيقاهم"، لكنّه يتحفّظ عن "معالجتهم للهويّة الجندرية"

"الفرقة تطرح أفكاراً غريبةً على مجتمعاتنا وتروّج لأفكار عبدة الشيطان"، بهذه العبارة تقدّم النائب الأردني بسام البطوش بشكوى ضد "مشروع ليلى"، بعد منع حفلتهم في العام 2016. وجُدّد المنع في العام التالي بعدما عدّها وزير الداخلية غالب الزعبي، "تستفز المشاعر العامة". هي حلقة من الهجمات التي تعرّض لها من يملكون الحريّة في سماع الفرقة أو عدمه. أن "تستفز"، يعني أنّ عروش الهوموفوبيين اهتزّت. وهو سيناريو أخطر، إن كان المنع هذا أتى عنوةً لإغلاق آذان محبّيهم في الأردن. موسيقى "الروك" لها محبّوها، فكيف إن كانت كلمات الأغاني أيضاً تلمس أوجاع أفراد مجتمع الميم-عين في الأردن كمجتمع محافظ بأغلبه؟


الانفجار الأكبر كان في حفلتهم في مصر، نتيجةً لما حصل خلال الحفل؛ فأن يُرفَع علم قوس القزح في ظلّ نظام قمعيّ، يعني أن الجمهور (حضر نحو 35 ألفاً يومها)، يقف أمام حامد سنّو، بقلبٍ مليء بالطمأنينة. لكن أعقب ذلك الحكم بالسجن على كثيرين، ونُفي بعضهم إلى الخارج، وكانت من ضمنهم الناشطة الكويرية سارة حجازي.

"قوم نحرق هالمدينة ونعمّر وحدة أشرف"... تردد صديقتي. ربّما اتّخذت هي الجانب اليائس من أغانيهم، استندت عليهم قليلاً، لكنّها تنتفض في نفسها على مجتمعها.

كانت سارة من اللواتي حملن العلم في أجواء القاهرة، قبل تعرّضها للتوقيف والتعذيب ومن ثم هاجرت إلى كندا. وبخطّ يدها، توجّهت إلى "العالم القاسي": "التجربة قاسية وأنا أضعف من أن أقاومها، سامحوني"، لكنّها سامحت في آخر الرسالة وانتحرت من بعدها. سارة وغيرها كثُر، يعيشون في ضياعٍ مستمرّ، وترحيل قمعيّ مستمر.

صادفت مثيلاتها كثيراً. في الجامعة حيث أتعلّم، هناك صديقتي في اختصاص علم النفس، وهي منزوية دائماً. تردّد في كل جلسة معي سعيها إلى مغادرة لبنان هرباً من التضييقات، وليس بسبب الأوضاع الاقتصادية بشكل خاص. "قوم نحرق هالمدينة ونعمّر وحدة أشرف"... تتبنّاها على لسان "مشروع ليلى". ربّما اتّخذت صديقتي الجانب اليائس من أغانيهم، استندت عليهم قليلاً، لكنّها تنتفض في نفسها على مجتمعها.

حاولت فرقة "مشروع ليلى"، تجسيد هذه المعاناة، وهي في الواقع لم تحصر نفسها في نقل الصورة الوردية لمجتمع الميم-عين في أغانيها بشكل مطلق. من خلالها، فهم كثيرون روتين هذا المجتمع، وحياته، بعيداً عن الأضاليل التي لطالما حاول الإعلام تكريسها في عقولنا. وهو جانب جديد حاولت فيه "مشروع ليلى" إيضاح الصورة الحقيقيّة لمجتمع الميم-عين.

حاولت فرقة "مشروع ليلى"، تجسيد هذه المعاناة، وهي في الواقع لم تحصر نفسها في نقل الصورة الوردية لمجتمع الميم-عين في أغانيها 

في العام 2019، أُعيدت الكرّة في جبيل، بعد إلغاء حفل الفرقة بسبب "صيحات" رجال دين متشدّدين. "المساس بالقيم الدينية المسيحية"، هو الاتهام الذي وُجّه إليهم. "جبيل مدينة التعايش والثقافة، لا يليق بها استقبال حفلات مماثلة على أرضها"، قالت أبرشية جبيل المارونية. الأبرشية، المعنيّة بالشّق الديني، صنّفت نفسها خبيرةً فنيةً وأخرجت مشروع ليلى عن الإطار الثقافي. حينها سألت نفسي: "من هي الأبرشية في الأساس؟"، و"لماذا مجرّد حفل يستفزّ هذه الفئة إلى هذا الحدّ؟". "لماذا عليهم أن يمنعوني من سماع أغنية مدتها 3 دقايق في المباشر، وأنا في انتظرتها طوال صيف العام 2019؟".

يومئذٍ، قرّر أفراد مجتمع الميم-عين في لبنان، ردّ الجميل إلى الفرقة، وقرّرت مساندتهم بالطّرق المقدور عليها. أذكر الشوارع التي امتلأت بموسيقاهم، وبصوت حامد سنّو، "وبس تتجرأ بسؤال عن تدهور الأحوال... بيسكتوك بشعارات عن كل المؤامرات".

أخافت كلمات "مشروع ليلى"، كثيرين من الذين "اشمأزّوا منها"؛ "كيف لشاب أن يوجّه إلى شاب من نفس جنسه هذه الكلمات؟"

أخافت كلمات "مشروع ليلى"، كثيرين من الذين "اشمأزّوا منها"؛ "كيف لشاب أن يوجّه إلى شاب من نفس جنسه هذه الكلمات؟". "يا حبيبي يا نصيبي، كان بودّي خلّيك بقربي. عرفك عأهلي وتتوجلي قلبي"، وجد مجتمع الميم-عين نفسه في "مشروع ليلى"، وكسر من خلال الفرقة حاجز الخوف: "هناك من يفكّر مثلنا ويشعر مثلنا". المفارقة أنّ الأغنية نفسها ربّما كانت قد وُجّهت من امرأة إلى شاب، أو العكس، إلّا أنّ كون القضيّة التي رفعتها "مشروع ليلى" هي قضيّة مجتمع الميم-عين، فهذا يجعلها محطّ غرابة تصويب على أغانيها.


ناهضت "مشروع ليلى" بأغنيتها "معاليك" Cavalry  الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما أظهر اهتمامها بهذه القضية أيضاً، "جيشك ومعاليه مش حيقدرلي". هذا إلى جانب تمرّده على الأنظمة العربية القمعية، "خوّنوك القطيع كل ما طالبت بتغيير الوطن، يأسوك حتى تبيع حرياتك لما يضيع الوطن". وفي أثناء اندلاع الثورات العربية، التي حملت في طيّاتها سلسلة تحرّر من سلطات القمع، بعضهم حمل مطالبات جندريّةً أيضاً. 

قضيّة مجتمع الميم-عين، حملها حامد سنّو بثقلها، وأفصح عنها بفمٍ ملآن، ما جعله سنداً لهذا المجتمع. في الواقع، انتهاء ليلى ومشروعها يعني انطفاء جزء كبير من تمرّد الميم-عين، طوال هذه السنوات. شاركت الفرقة أوجاع هذه الفئات، ولفظت كلماتها وعبّرت عن علاقاتها مع أجساد أعضائها وشركائها.

قضيّة مجتمع الميم-عين، حملها حامد سنّو بثقلها، وأفصح عنها بفمٍ ملآن، ما جعله سنداً لهذا المجتمع

"مشروع ليلى" هي سلسلة من المشهد الاضطهادي الذي يتعرّض له أفراد مجتمع الميم-عين. المشهد نفسه نلاحظه في حالاتٍ أخرى مشابهة. رفع علم قوس القزح لا يزال وحده ذا غرابة، في مجتمع يغضّ النظر عن حقوق الأقليّات ومساعيها المتتالية للاستمرار في الحياة.

"قوم ننسى هالزمان ونحلم بزمن ألطف"، بحث هؤلاء عن زمن لطيف وأناس متقبّلين، ومجتمع مبالٍ بهم. اليوم، طُمِس المشروع تحت اضطهادات متتالية لا تزال تطاول مجتمعهم في البلدان العربية. فلنحيي "رقصة ليلى" في كل الشوارع، ولترتفع موسيقاها وليصل صداها إلى كافّة المساحات العربية "غير الآمنة" والمقموعة. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard