شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
هذا المقال +18

هذا المقال +18

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والحريات الشخصية

الأربعاء 5 يونيو 202412:28 م

عندما كنت تقريباً في الصف الثاني الثانوي، أخبرتنا إحدى صديقاتنا أنها قد قرأت مؤخراً رواية "إحدى عشر دقيقة" لباولو كويلو، وأنها تمتلك نسخة منها لمن ترغب، ومع الكثير من الغمزات واللمزات فهمنا أنّ الرواية فيها محتوى جنسياً، جريئاً جداً بالنسبة لمراهقات يسكنّ في مدينة جبلية صغيرة في الشرق.

 أتذكر جيداً أننا جميعاً أظهرنا عدم المبالاة وعدم الاهتمام، حتى إننا بالغنا باستغراب وقاحتها، فيما بيننا، واتفقنا على التخفيف من علاقتنا بها للحدود الدنيا، لأن بنت "فلتانة" مثلها لا مكان لها بيننا نحن اللواتي "نمشي الحيط الحيط ونقول يا رب السترة". هذا في العلن، أما في السر فقد زحفنا إليها واحدة تلو الأخرى لنستعير منها الرواية، حتى أصبحت رواية "إحدى عشر دقيقة" أشهر رواية مرّت على تاريخ المدرسة، فحتى زينب التي لم تمسك كتاباً في حياتها أكثر من عشر دقائق، احتفظت بها أسبوعاً، على ذمة الراوية طبعاً.

الغريب أن هذا لا يحدث في مجتمع المراهقين فقط، ففي كثير من الأحيان لن يحتاج أحدهم لأكثر من عبارة + 18 للترويج لأي من أعماله، فقد يتصدّر كتاب قائمة المبيعات مثلاً إن قام صاحبه، بمحض الصدفة، بنشر مقاطع منه تحوي عبارات أو ايحاءات جنسية مهما تكن، وفي السياق عينه، لأن الجمهور ربما واحد، قد تجعل عبارة "شاهد هيفاء وهبة بملابس مثيرة" أو "في هذا الفيديو تشاهد ساقي نانسي عجرم" مقطعاً ما يحقق مشاهدات بأرقام خيالية. لكن مهلاً، فكما ستتصدر تلك المحتويات قائمة المشاهدات أو القراءات، ستتصدر أيضاً قائمة الشتائم والاستغفار والحلال والحرام والعيب، وستمتلئ قائمة التعليقات على الفيديو أو المنشور بعبارة "الحمد لله على نعمة الإسلام" التي لن تفهم أبداً سبب كتابتها، لكنّها ستكتب بأية حال.

قد تجعل عبارة "شاهد هيفاء وهبة بملابس مثيرة" أو "في هذا الفيديو تشاهد ساقي نانسي عجرم" مقطعاً ما يحقق مشاهدات بأرقام خيالية. لكن كما ستتصدر تلك المحتويات قائمة المشاهدات أو القراءات، ستتصدر أيضاً قائمة الشتائم والاستغفار والحلال والحرام والعيب

"عيني فيه وتفو عليه"

اللهاث لقراءة أو مشاهدة المحتوى الجنسي في الخفاء، وإعلان حرب مسعورة على صاحبه في العلن، يفضح في الواقع الازدواجية التي نعيشها في عالمنا العربي بما يخص الموضوعات الجنسية (للغرب حكاية أخرى مع المحتوى الجنسي لسنا في صدد الحديث عنها) ازدواجية ستكون النتيجة الطبيعية لحالة الكبت الجنسي التي تعيشها غالبية الشعوب العربية، فالكبت، كما يقول فرويد، التقنية الأساسية التي يستخدمها الناس لتخفيف القلق الناتج عن الصراعات، وعلى اعتبار أن الجنس هو أحد أهم الصراعات المثيرة للقلق في مجتمعاتنا، يتم السعي لكبتها، من خلال محاولة تناسيها أو الإلقاء بها خارجاً، ولكن في الحقيقة ما يحدث هو الإلقاء بها في الداخل، وبدلاً من التخلص من هذه الأفكار نهائياً كما هو الهدف من كبتها، نجدها قد تحولت إلى رغبات مكبوتة تحتاج الكثير من الطاقة والحيل النفسية للتعامل معها وضبطها، ضمن الحدود الأخلاقية والتحريمات المكتسبة في مرحلة الطفولة من قبل الأبوين، على اعتبارهما مصدر السلطة الأول ومصدر التحليل والتحريم الذي لن يكون أرحم من أي ديكتاتور عرفتموه، فيما يخصّ الجنس بالتأكيد. .

هبة نور في قفص الاتهام

تمّ منذ فترة قصيرة تداول فيديو جريء لفنانة سورية، وإثر ذلك تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى قاعة محكمة جماعية، مارس القاصي والداني فيها دور القاضي، وعلى الرغم من اختلاف الانتماءات الدينية والسياسية والمناطقية والحزبية والاجتماعية والفكرية، اتفقوا جميعاً هذه المرّة، على إدانة المتهمة التي فاجأت الجميع بتصرفها (غير الأخلاقي، غير المسبوق، غير المتناسب مع عاداتنا)، حتى أن الفنانة نفسها تعاملت وأقرّت، بشكل غير مباشر، على أنها متهمة ومخطئة أيضاً، وأن قضاءها لوقت خاص مع حبيبها أو صديقها أو رفيقها هو خروج عن العرف والعادات وخدش للحياء، وبدأت مع وكيلها القانوني بمحاولة اختلاق أعذار واهية.

الجنس هو القضية المركزية التي تقاس عليها حالة الانضباط الاجتماعي والأخلاقي داخل مجتمعاتنا

وبذلك نرى أنّ أي حالة تحرّر تعيشها أي فئة من فئات مجتمعاتنا العربية هي حالات من التحرّر الظاهري، الشكلي، المرتبط بشكل الملابس وأسلوب الحياة، وليس تحرّراً فكرياً قائماً على أساس متين، يجعل صاحبه قادراً على المواجهة أو الدفاع عن نفسه أمام هجوم قطيعي ببغائي. ولنكون أكثر وضوحاً ولنزيح الأصابع التي نختبئ وراءها جانباً، فالجميع ضمناً يعلم أن لكل شخص فينا، ليس للفنانين فقط، حياة شخصية وأوقاتاً خاصة، المشكلة التي تعاني منها مجتمعاتنا هي الإشهار فقط وظهور هذه الحياة إلى العلن، لأن في ذلك تحدياً لموروث ديني واجتماعي وجملة من العادات والتقاليد التي نرى أن الانصياع لها في الظاهر أسهل من محاولة إجراء أي تغيير مهما كان بسيطاً عليها. يبدو أننا جميعاً هنا، ذكوراً وإناثاً، مصابون بعقدة "مادونا العاهرة"، وأننا جميعاً نربط كل القيم الأخلاقية بالجنس، وهذا ما يسبب إسقاط كل الصفات الجيدة عن أي شخص، بمجرّد ارتكاب خطأ يتعلق بسلوك جنسي.

الهجوم كوسيلة للدفاع

بالعودة لمحاولة فهم حالة الإجماع التي نراها عند تسريب أي فضيحة جنسية لأي شخصية، سواء كانت مشهورة أم لا، فحتى في حالة الأشخاص العاديين، نجد أن أي شخص يريد فضح شخص آخر، يرتّب له فضيحة جنسية من أي نوع كانت: رسائل بذيئة، صور، مقاطع فيديو، أي شيء يظهر سلوكياته الجنسية للعلن.

يبدو أننا جميعاً هنا، ذكوراً وإناثاً، مصابون بعقدة "مادونا العاهرة"، وأننا جميعاً نربط كل القيم الأخلاقية بالجنس، وهذا ما يسبب إسقاط كل الصفات الجيدة عن أي شخص، بمجرّد ارتكاب خطأ يتعلّق بسلوك جنسي

من وجهة نظر فرويدية، إن أغلب مطالب الإنسان اللاشعورية هي مطالب غرائزية ورغبات مكبوتة يحاول قمعها بمحاولة للوصول إلى حالة من القبول والاتساق مع المجتمع، لذلك فإن أغلب الأشخاص الذين لا يدينون السلوكيات الجنسية، أو على الأقل لا يعتبرونها فضائح، لن يكونوا معنيين بإبداء أي رأي ولن يكون لديهم أي تحفظات على حياة الآخرين الخاصة، في حين أن أغلب الأشخاص الذين لديهم رغبات مكبوتة أو لديهم حياة جنسية صاخبة أو متورطين بعلاقات غير راضين عنها هم أكثر المستميتين في إعلان الحرب على من "يفتضح" أمره، وهذا ما يعرف في علم النفس بالآليات الدفاعية النفسية، والتي تظهر بأشكال عديدة كالتشكل الارتكاسي، وعندها نلاحظ قلباً للدوافع عند الأشخاص، فنراهم مقاتلين شرسين ضد الفضائح الجنسية، ضد المثلية الجنسية وحتى ضد الكحول والتدخين، وهم بذلك يحاولون التخفيف من حالة القلق التي تثيرها رغباتهم الحقيقية، فيقفون على الطرف الآخر منها ويرمونها بالحجارة، وبهذه الطريقة يتمكنون من ضبط مشاعرهم. وأيضاً الإسقاط واحدة من آليات الدفاعية النفسية التي يستخدمها الكثيرون للتخفيف من وطأة مشاعرهم عن طريق محاسبة الآخر بشدة، ولكن الحقيقة أن الشخص يحاسب نفسه وعن طريق لوم الآخرين ومحاسبتهم بعنف وشراسة.

بنظرة سريعة إلى معظم مشاكلنا الاجتماعية في العالم العربي، سنجد أن الجنس هو الأساس في أي مشكلة، فالجنس هو القضية المركزية التي تقاس عليها حالة الانضباط الاجتماعي والأخلاقي داخل مجتمعاتنا، حتى إني لا أبالغ إذا قلت إن حتى التيارات الفكرية تحمل في طياتها هدفاً جنسياً ما، وأيضاً  ينطبق الأمر على الدين، فما كتبه علماء المسلمين في الجنس كاف لإغراق مدينة صغيرة بالكتب، ولربما هذا كان أذكى ما فعلته الأديان للسيطرة على البشر، لأنها بذلك تفرض نوعاً من الرقابة الإلهية على الشخص حتى وهو في السرير، وهذا ما يجعل من الشخص أكثر ضعفاً وأكثر خوفاً، وبالتالي أكثر رضوخاً وخضوعاً.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard