هل نضحي بأولوياتنا لمجرد البقاء مع الشريك/ة؟

الثلاثاء 5 أبريل 202204:00 م

كيف أعرف أنني وجدت الشخص "المناسب" الذي يشاطرني الأيام ويتقاسم معي اللحظات الجميلة وهموم الحياة؟ هل يتعيّن عليّ أن أتنازل عن أولوياتي وأضحّي بقناعاتي حتى تستمر العلاقة بيني وبين شريكي؟

يعتبر العثور على شريك الحياة علامة فارقة رئيسية، تتطلب التشاور مع الذات والتقييم الدقيق، فنحن في نهاية المطاف نريد شخصاً ننجذب إليه ونشعر بالراحة لفكرة العيش معه تحت سقف واحد.

وكوننا نختار أن يكون هذا الشخص بالتحديد من نطلق عليه عبارة "شريك حياتنا"، فبطبيعة الحال نفترض أننا أسياد قرار الارتباط، لكن اتضح أننا قد نكون أقل انتقائية بشأن من نقضي حياتنا معه.

تظهر الأبحاث أن "التحيّزات الخفية" تعني أننا نمنح الناس فرصة ما، حتى لو لم يستوفوا معاييرنا تماماً، وعندما نختار شريكاً، فإننا نندفع بميل نفسي يُسمى "تحيّز التقدم" للبقاء في العلاقة، بدلاً من إنهائها. بعبارة أخرى، قد نكون مبرمجين على فكرة الانخراط في علاقة رومانسية، كما يقول علماء النفس، على الرغم من الاتجاهات السائدة اليوم بين الشباب لجهة تجنب الزواج وتفضيل حياة العزوبية.

ومع ذلك، حتى عندما تقودنا الغرائز التطورية وضغوط المجتمع نحو الحياة الزوجية، فإن إدراكنا لتحيّز التقدم لدينا يمكن أن يساعدنا في فهم سبب اختيارنا للشركاء وسبب البقاء معهم.

مهمة شاقة

نقوم في الغالب بوضع قائمة بالصفات التي نحرص أن تكون موجودة لدى الشريك/ة، وما لا ندركه في الكثير من الأحيان هو ما تعنيه هذه الأشياء في قائمتنا حقاً، وإلى أي درجة تهمنا بالفعل.

في الواقع، نحن مبرمجون على التفكير في المواعدة كعملية تدقيق صارمة وشاقة، إذ أظهرت دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث في العام 2020، أن 75% من الأميركيين يصفون العثور على أشخاص لمواعدتهم بأنه أمر صعب، كما يحتاج الشباب وقتاً أطول للاستقرار: بالإضافة إلى إعطاء الأولوية للاستقرار المالي، فإنهم يستغرقون وقتاً أطول للتعرف على بعضهم البعض قبل الزواج أكثر من الفئات العمرية الأخرى.

via GIPHY

غير أن الأستاذة المساعدة في علم النفس في جامعة ويسترن، كندا، سامانثا جويل، وأستاذ علم النفس في جامعة تورنتو، جيف ماكدونالد، اعتبرا أن الأفراد ليسوا انتقائيين بشأن شركائهم كما يخال لهم.

كيف أعرف أنني وجدت الشخص "المناسب" الذي يشاطرني الأيام ويتقاسم معي اللحظات الجميلة وهموم الحياة؟ هل يتعيّن عليّ أن أتنازل عن أولوياتي وأضحّي بقناعاتي حتى تستمر العلاقة بيني وبين شريكي؟

ففي يوليو 2020، قام الباحثان بنشر ورقة المراجعة النظرية الخاصة بهما والتي تلخص الطرق التي يدفع بها تحيّز التقدم الناس إلى الانخراط في العلاقات العاطفية والحفاظ عليها.

وجاءت النتائج على الشكل التالي: أولاً، هناك أدلة قوية مستقاة من دراسات متعددة تشير إلى أن الأشخاص أقل انتقائية بكثير عند اختيار شركائهم. ينجذب الناس إلى نطاق أوسع بكثير من الشركاء المحتملين، وهم على استعداد لتعديل معاييرهم والتغاضي عن عيوب الشركاء المحتملين، وينتهي بهم الأمر أيضاً بالتعلق بهؤلاء الشركاء، حتى لو لم يكن الطرف الآخر بالضرورة "الشريك/ المثالي/ة" من وجهة نظرهم.

ثانياً، اتضح أن الأفراد يميلون إلى البقاء في العلاقات وبذل محاولات عديد من أجل تطويرها بدلاً من إنهائها.

في هذا الصدد، تظهر العديد من الدراسات أن إنهاء العلاقة يكون أكثر إيلاماً كلما طالت فترة الارتباط العاطفي، هذا وقد يكون الانفصال معقداً من الناحية اللوجستية، من خلال عوامل مثل الزواج وإدارة الشؤون المالية، لا سيما وأن المتزوجين، في بعض البلدان، يحصلون على بعض المزايا، كسهولة استئجار العقارات، مقارنة بغيرهم.

أوضحت سامانثا جويل أن التحيّز في التقدم مشابه للنزعة النفسية التي يظهرها الناس في المجالات الأخرى غير المرتبطة بالعلاقة: عدم الرغبة في التخلص من شيء استثمرنا فيه بالفعل بكثافة، التحيّز للوضع الراهن (اختيار الحفاظ على الوضع الحالي بدلاً من تعطيله والتسبب في عدم الراحة)، والاكتفاء بالأمور واعتبارها "جيّدة بما فيه الكفاية" بدلاً من التمسك بالمثل العليا.

هذا ومن المحتمل أن يكون التحيّز نحو اختيار الشريك مدفوعاً بعاملين: التطور والأعراف الثقافية.

إنجاز ومؤشر على النضوج

منذ ملايين السنين، كان الناس يعتبرون أن البقاء مع الشريك/ة على المدى الطويل مفيد من الناحية التطورية، بحيث يكون لدى الأطفال أب وأم، ما يزيد من فرص بقاء الأبناء على قيد الحياة.

لا يزال من الممكن العثور على هذه السلوكيات اليوم، كما يقول أليك بيل، باحث في جامعة كولومبيا البريطانية، والذي يدرس التطور وعلم النفس في المواعدة والجاذبية: "على الرغم من أن بعض مزايا العلاقات الرومانسية طويلة الأمد ليست حرجة اليوم كما كانت في ماضينا ما قبل التاريخ، إلا أن ضغوط الاختيار هذه لا تزال تملك تأثيراً دائماً على سلوكنا الحديث".

هناك أيضاً الشق الثقافي الذي يلعب دوراً مهماً، بحسب تأكيد سامانثا جويل: "في بعض الثقافات يتم النظر إلى الزواج على أساس أنه أهم أنواع العلاقات الوثيقة، حيث يتم التعامل معه على أنه إنجاز شخصي أو مؤشر على النضوج"، مشيرة إلى أن هناك وضعاً اجتماعياً يصاحب الزواج، وقد يحفز الناس على الاستقرار بغض النظر عن الشريك/ة أو نوعية هذه العلاقة.

"العلاقة مع الآخر لا تنجح من دون أن يمر الشخص في مرحلة التصالح مع النواقص النفسية والعاطفية التي كان يعاني منها، وإلا لا تكون علاقة حب، بل علاقة تنازلات وتعويض متبادل"

قد تلعب الأفكار المتعلقة بالرومانسية أيضاً دوراً في سلوكياتنا: وجد استطلاع أجرته YouGov في العام 2021 على 15000 أميركي، أن 60% من البالغين يؤمنون بشركاء الروح. هذه العقلية التي تبحر في العالم الخيالي، يمكن أن تكون ضارة للغاية، وفق سامانثا جويل، موضحة أن الباحثين يطلقون على هذا الخط من التفكير "معتقدات القدر"، ويمكن أن يكون جزءاً من السبب الذي يجعل الكثير من الأفراد يميلون نحو تحيّز التقدم: "لا يكون من الصعب إقناع نفسك بأن الشخص الذي تواعده حالياً هو في الواقع توأم روحك".

لا توافق الأخصائية في علم النفس العيادي، ستيفاني غانم، على عبارة: "رحلة البحث عن الشريك/ة المثالي"، شارحة بأن المدارس التحليلية تشير إلى أننا في العادة نختار الأشخاص الذين يشبهوننا، وهو ليس بالضرورة أمراً إيجابياً، على حدّ قولها: "قد يشبهوننا بنواقصنا وبالأمور الموجودة في داخلنا والتي لم نعثر على حل لها".

وتابعت ستيفاني لرصيف22: "عندما نعثر على هؤلاء الأشخاص ونكون في مرحلة لم نشبع فيها بعد من حب الذات، ولم نتوصل بعد لمعرفة ما نريده منهم على وجه التحديد عوضاً عن النظر إليهم كمصدر للتعويض عن النقص، حينها قد نقدم تنازلات قد يفهمها الطرف الآخر بشكل خاطىء، وهنا تكثر الطلبات ونبدأ في تقديم المزيد والمزيد من التنازلات".

واعتبرت غانم أن التنازل في العلاقة هو دليل على أن المرء لا يحب نفسه وأنه يريد من الشريك/ة أن يعوض له عن الأمور التي لا يستطيع إشباعها بنفسه، وعليه نصحت بضرورة أن يكون كل شخص مدركاً للتنازلات التي يقدمها في سبيل إنجاح العلاقة، وأن يتراجع خطوة إلى الوراء، ويقوم بفحص ذاتي لمعرفة مدى جهوزيته في الانخراط في العلاقة: "العلاقة مع الآخر لا تنجح من دون أن يمر الشخص في مرحلة التصالح مع النواقص النفسية والعاطفية التي كان يعاني منها، وإلا لا تكون علاقة حب، بل علاقة تنازلات وتعويض متبادل".

via GIPHY

تحقيق التوازن

قد يكون ميلنا الفطري للاستمرار في العلاقات مفيداً، لأنه يعني الالتزام بشريك واحد والاتحاد معاً من أجل معالجة أي مشكلة في الحياة.

يقول روبرت ليفنسون، أستاذ علم النفس في جامعة كاليفورنيا: "مع مرور الوقت، تبدأ في تطوير تاريخ العلاقة، ذلك السرد حول الأشياء التي فعلتماها معاً، وخاصة الأشياء التي تغلبتما عليها". وتابع بالقول: "هذا أمر إيجابي ويبقيكما في العلاقة حتى عندما تصبح الأمور متوترة قليلاً".

لا يعني هذا بأنه يجب أن نرضى بأي شخص نصادفه في مشوار حياتنا، ولكن لا ينبغي أن نقضي عمرنا بأكمله في انتظار العثور على ذلك "الشخص المثالي" الذي يستوفي كل الشروط التي وضعناها على القائمة

ولكن في المقابل، يمكن أن يؤدي عدم الوعي بتحيّز التقدم إلى السير في المسار الخطأ، ما يجعل الفرد يبقى مرتبطاً بشخص لا يناسبه. بمعنى آخر، فإن الجانب المظلم يتمثل في بقاء بعض الناس في علاقات سامة تسيئ إليهم وتؤذيهم.

ونظراً لكوننا نعيش في عصر حديث يتسم بالخيارات اللامحدودة، فإنه من المهم إيجاد توازن. لا يعني هذا بأنه يجب أن نرضى بأي شخص نصادفه في مشوار حياتنا، ولكن لا ينبغي أن نقضي عمرنا بأكمله في انتظار العثور على ذلك "الشخص المثالي" الذي يستوفي كل الشروط التي وضعناها على القائمة.

في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر فقط بالشريك/ة الذي نختاره، ولكن بالشراكة التي نبنيها معه/ا. ربما لا يكون من المفيد البحث عن شريك/ة يبدو جيداً فقط على الورق، ولكن بمجرد مواعدة شخص ما، من المهم البحث عن العلامات المبكرة التي تشير إلى أن العلاقة صحية وداعمة وتساهم في تطويرنا. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard