"دعستْ على قلبي ومشيت"... عن المشاعر التي "ندفنها" قبل أن تقتلنا

الخميس 28 أبريل 202204:10 م

"دعستْ على قلبي ومشيت"، هذا ما قالته لي صديقتي، عندما لاحظت أن الشخص الذي تكنّ له المشاعر غارق في تفاصيله اليومية، لدرجة تمنعه من مبادلتها الحب الصادق والحياة السعيدة التي لطالما حلمت بها، وبدلاً من إضاعة المزيد من الوقت والجهد، قررت أن تدير ظهرها و"تدفن" مشاعرها وتنسحب من حياته إلى الأبد.

لا شك أن الحياة اليومية مليئة بالتحديات العاطفية، فالضغط الدائم لتحقيق النجاح، الخوف من فقدان الفرص والرغبة في إقامة علاقات جيّدة، كلها عوامل يمكن أن تثير كتلة من المشاعر المتقلبة، ومع ذلك، فإن ما نتعلمه في مجتمعنا لا يدور حول طريقة التعامل مع مشاعرنا، بل كيفية منعها وتجنبها وتجاهلها.

في بعض الأحيان، قد نشعر بالحاجة الملحة لكبت مشاعرنا، حبس دموعنا والزعم أن كل شيء يجري على خير ما يرام، في حين أن داخلنا أشبه ببركان يشتعل، غير أن كبت الأحاسيس والمشاعر لفترة طويلة قد يأتي بتكلفة باهظة للغاية: صحتنا النفسية والجسدية.

تجنب المشاعر المؤلمة

لنفترض أن شريكك كشف شيئاً ما أثناء عشاء عائلي، وكنت قد طلبت منه الحفاظ على خصوصية الموضوع وعدم التحدث به في العلن. بالرغم من شعورك بالاستياء والإحراج، غير أنك تتظاهر أمام الموجودين بأن كل شيء على ما يرام لحين الوصول إلى المنزل، حيث يمكنك التحدث براحة أكبر وبشفافية. أنت ببساطة لا تهرب من المواجهة، إنما لا تريد أن تجادل أمام عائلتك الكبيرة وتجعل النزاع أسوأ.

عموماً، لا يتسبب الكبت العاطفي العرضي في حدوث مشاكل، طالما يقوم الشخص المعني في نهاية المطاف بالبوح عن الأمور التي تزعجه ويتمكن من معالجتها بطرق صحية، ومع ذلك، يمكن أن يتحول "دفن المشاعر" إلى مشكلة في حال أصبح مترسخاً في سلوكية المرء، وبات يؤثر على كيفية تواصله مع الآخرين.

في بعض الأحيان، قد نشعر بالحاجة الملحة لكبت مشاعرنا، حبس دموعنا والزعم أن كل شيء يجري على خير ما يرام، في حين أن داخلنا أشبه ببركان يشتعل، غير أن كبت الأحاسيس والمشاعر لفترة طويلة قد يأتي بتكلفة باهظة للغاية: صحتنا النفسية والجسدية

والحقيقة أن هناك مشاعر مكبوتة نتجنبها دون وعي، وهناك في المقابل مشاعر وأحاسيس أخرى ندفعها عنّا بكامل إرادتنا: في حين، يعبّر بعض الناس بأريحية تامة عن مشاعرهم، يميل البعض الآخر لتجنب الإفصاح عمّا يدور في داخلهم، لكن إخفاء الأحاسيس لا يعني بالضرورة قمعها، هناك الكثير من الجدل حول المشاعر المكبوتة، كما نجد أيضاً العديد من التعريفات.

يشير القمع عادةً إلى الميل إلى تجنب المشاعر غير المريحة، بحيث ندفع دون وعي المشاعر أو الأفكار أو الذكريات المؤلمة من وعينا، ما قد يتيح لنا نسيانها، وذلك قد يكون من باب الخوف من الإساءة لصورتنا الذاتية الإيجابية، غير أن هذه المشاعر التي لم نعالجها بشكل جيّد قد تؤثر على أفعالنا.

تُعرّف الأخصائية في علم النفس، غنوة يونس، الكبت بأنه "آلية دفاعية غير واعية، يستخدمها الإنسان لتجنب المواقف الصعبة أو المشاعر المؤلمة التي يمر بها".

وأوضحت يونس، لرصيف22، أنه من خلال الكبت، يتم إخفاء المشاعر والذكريات غير المرغوب بها، حتى لا تصل إلى مستوى الوعي، مستدركة بالقول: "مع العلم أنه في بعض الأحيان، تمرّ هذه الذكريات على الوعي بطريقة مقنّعة وملتوية من خلال سلوكيات معيّنة".

لماذا يقوم البعض بدفن مشاعره؟

"توقف أن تكون حساساً للغاية. تقبّل الأمر وامض قدماً"، هذه النصيحة قد تتردد كثيراً على مسامعنا، وكأن الآخر يحاول بطريقة ما إرغامنا على وأد مشاعرنا وعدم البوح بها، وللأسف فإن الحياة الصاخبة التي نعيشها قد تعزز من فكرة قمع المشاعر: فكروا/ن في عدد المرات التي حاولتم/نّ فيها التخلص من شعور الحزن أو الغضب، عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، الإفراط في استخدام نتفلكس أو اللجوء إلى الطعام أو الكحول أو المواد المسببة للإدمان لتجنب المشاعر.

ففي عالم مليء بالإلهاءات، من السهل معرفة سبب خوف الكثير من الناس من الانكباب على شعورهم الداخلي.

يتعلم الناس قمع المشاعر لعدة أسباب رئيسية، أبرزها:

تجنب إظهار "الضعف": قد يعتبر البعض أن التعبير عن المشاعر هو دليل ضعف، ومن الطبيعي عندها أن يرغب الشخص في تجنب كشف نقاط ضعفه أمام للآخرين، والخشية من الحكم عليه، ونتيجة لذلك، فإنه يخفي حزنه وخوفه وإحباطه وغيرها من المشاعر السلبية.

قد يكون لديه أيضاً بعض المخاوف بشأن استخدام الآخرين لهذه المشاعر ضده، خاصةً إذا كان هذا قد حدث له من قبل.

تجنب الجرح النفسي: غالباً ما يخفي الناس عواطفهم لحماية علاقاتهم.

عندما يفعل شخص ما نهتم لأمره شيئاً مزعجاً، فقد نختار إخفاء انزعاجنا، وذلك لعدم إثارة نزاع أكثر إيلاماً.

غالباً ما تنبع الرغبة في تجنب الألم من الافتقار الكامن للثقة في النفس وبالآخرين.

إذا تلاعب الناس بمشاعرنا في الماضي، فقد نخشى الوثوق مجدداً بشخص آخر، وقد نفتقر أيضاً إلى الثقة في قدرتنا على التعامل مع الصراع بطريقة إيجابية ومثمرة.

هذا ويمكن أن تكون المشاعر المكبوتة وسيلة لحماية عقلنا من المواقف المؤلمة. قد يحدث هذا لطفل يتعرض مثلاً للإيذاء الجسدي من قبل أحد الوالدين، فيقمع ذكريات الإساءة ثم يصبح غير مدرك لها بشكل كامل أو جزئي، ومع ذلك، فإن الإساءة لا تزال تؤثر عليه بشكل أو بآخر، وقد تسبب له مشاكل في العلاقات العاطفية في مرحلة البلوغ.

علاوة على ذلك، يميل بعض الأفراد للتحكم الدائم في مشاعرهم، ويحاولون تجنب المحادثات التي يتحدث فيها الناس عن مشاكلهم. هذه ميول قمعية، قد يقوم بها الفرد دون وعي حتى لا يشعر بالحزن أو القلق، وهي مشاعر يمكن أن تجعله يشعر وكأنه فقد السيطرة.

كيف ينعكس ذلك على صحتنا النفسية والجسدية؟

"المشاعر غير المعبّر عنها لا تموت، إنها تُدفن حيّة، وستظهر لاحقاً بطرق أبشع". (سيغموند فرويد).

تمتلك العواطف طاقة كبيرة، ما يدفعنا للتعبير عنها، وبهدف كبحها، تستخدم عقولنا وأجسادنا أساليب إبداعية، بما في ذلك التقلص العضلي وحبس الأنفاس.

يمكن لأعراض مثل القلق والاكتئاب أن تنبع من الطريقة التي نتعامل بها مع المشاعر الكامنة في داخلنا، وعندما يحبط العقل باستمرار، تدفق المشاعر لأنها ساحقة أو متضاربة للغاية، فإنه يضع ضغطاً كبيراً على العقل والجسم، ما يخلق اضطرابات نفسية وعوارض نفس-جسدية.

"المشاعر غير المعبّر عنها لا تموت، إنها تُدفن حيّة، وستظهر لاحقاً بطرق أبشع"

وبحسب غنوة يونس، فإن الإجهاد العاطفي الناتج عن العواطف المكبوتة، لا يرتبط فقط بالأمراض النفسية، ولكن أيضاً بظهور المشاكل الجسدية مثل أمراض القلب، المشاكل المعوية، الصداع، الأرق واضطرابات المناعة الذاتية: "تشير العديد من الدراسات إلى أن معدلات الوفاة في عمر مبكر ترتفع لدى الأفراد الذين يستخدمون الكبت بطريقة منتظمة، لأن مستوى التوتر والقلق الذي يختبرونه يكون كبيراً".

وأضافت يونس: "بسبب الكبت المستمرّ وتطور الأعراض العصبية، قد يُقدم المرء على القيام بسلوكيات غير منطقية ومدمرة للذات، وكأن الشخص، بطريقة لاواعية، ينتقم من ذاته التي تمنعه من تفريغ الشحنات السلبية الموجودة داخله".

هذا واعتبرت غنوة أن الكبت قد يكون وليد التربية القاسية والتنشئة الاجتماعية التي لا تجعل الولد يعبر عن أفكاره ومشاعره، وقد لا يكترث الأهل لأهمية هذه المشاعر، ما يؤدي الى اضطرابات عديدة وسلوكيات قهرية في سن الرشد.

via GIPHY

التخلص من المشاعر المكبوتة

في البداية، قد لا يدرك المرء أنه يقوم بقمع عواطفه، ولكن مع الوقت إذا لاحظ أنه لم يكن مرتاحاً لفكرة التعبير عن المشاعر السلبية، فقد تكون هذه علامات على أنه يميل إلى تجنبها دون وعي.

إن اللجوء إلى المعالج/ة النفسي يساعدنا على فهم مشاعرنا، كما يمكنه تعليمنا طرقاً لإدارة الصراع والتواصل بشكل أفضل.

إنكار المشاعر لا يلغيها، بل تبقى نارها متأججة وقادرة على إحراقنا ودفننا أحياء

هذا ويمكننا التدرب على التعبير عن نفسنا بنفسنا، كأن نجرب هذه النصائح بمفردنا في البداية ثم مع شخص نثق به.

عندما نشعر بمشاعر إيجابية أو سلبية:

-يجب أن نقول ما نشعر به بصوت عالٍ في الوقت الحالي.

-استخدام كلمة "أنا" التي تساعدنا على امتلاك مشاعرنا ("أشعر بالحزن" أو "أشعر بالغضب").

-التدرب مع الأصدقاء والمعارف في لحظات الصراع.

-التحدث عن تجربتنا عندما نعبر عن مشاعرنا. لا يجب أن نلوم الشخص الآخر بل يجب الاستماع إلى وجهة نظره.

باختصار، في بعض الأحيان يكون إخفاء المشاعر أمراً طبيعياً، لا بل يبدو أنه الخيار الأفضل في المواقف المتوترة، لكن عندما نقاوم مشاعرنا لأننا نخشى من رد فعل الآخرين وألسنتهم الجارحة، ينتهي بنا الأمر إلى حدّ إنكار تجربتنا الخاصة والدوس على قلبنا. قد يبدو هذا خياراً مقبولاً لتجنب الصراع والألم العاطفي، لكن المشاكل سرعان ما تطفو على السطح، بخاصة وأننا نقوم بدفن مشاعرنا مع جزء من روحنا.

إن تعلم التعبير عن المشاعر بشكل صادق وصريح ليس بالأمر السهل دائماً، ولكن يمكن اللجوء إلى طرق عديدة تمكّننا من التواصل مع أنفسنا بشكل أكثر انفتاحاً، دون ترك الخوف من العواقب المحتملة يعيقنا، لا سيّما وأن إنكار المشاعر لا يلغيها، بل تبقى نارها متأججة وقادرة على إحراقنا ودفننا أحياء. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard