"أتحدث إليها وأشعر بآلامها"... المصريّة التي كرّست حياتها لإنقاذ الحيوانات البرية

السبت 26 فبراير 202202:24 م
Read in English:

“I Feel Their Pain”... Dedicating her life to save animals in Egypt

حين ترى "صديقاً" لها في الشارع تجري إليه، وتلمسه برفق وكأنها تعطيه حفنة أمان يفتقدها، وتطعمه وتكتشف آلامه، وتتحسس شكواه من دون أن ينطق، ثم تأخذه إلى منزلها ليجد الراحة التي يستحق، وتعالجه إن كان مصاباً، وتعيد إليه ثقته بالناس والحياة، قبل أن تطلقه إلى بيئته الأصلية، أو تودعه في المأوى الذي يناسبه.

لا شيء في هذا العالم يدفعها إلى حب تلك الحيوانات، ومساعدتها، غير الإنسانية التي تتحلى بها، ومن الحب بدأت رحلة مي جواد حمادة في عالم الحيوان، حتى لقّبها كثيرون بـ"متحدثة السلاحف"، وكأنها فعلاً تتحدث إليهم، أو باسمهم.

منذ نعومة أظافرها تعلقت حبال قلبها بالحيوانات الأليفة، إذ تعودت على رؤيتهم في حديقة الحيوان، حتى أصبحوا أصدقاء لها، حين تراهم على جوانب الشوارع ونواصيها تلعب معهم، وتساعدهم متى شعرت بأن حيواناً منهم بحاجة إلى المساعدة. توسعت دائرة الشغف في قلبها، وبدأت تمارسه على شكل خدمات تطوعية لحماية الحيوانات ومساعدتهم، وهي جهود بدأتها منذ أكثر من أربعة عشر عاماً وما زالت مستمرةً حتى اليوم.

متحدثة السلاحف مي حمادة

لماذا الحيوانات البرية؟

هذا الشغف الذي امتلكته الفتاة الثلاثينية برعاية أصدقائها الحيوانات، لم يكن كافياً بالنسبة إليها كي تعتمد عليه، بل اهتمت بتمكين نفسها أكثر لتكون جديرةً بخدمة تلك الأرواح البريئة ورعايتها، وحصلت على العديد من البرامج التدريبية، وحرصت على القراءة المستمرة في هذا المجال، بالإضافة إلى متابعة المجهودات المقدَّمة في البلاد المجاورة. "تم اختياري من قِبل سفارة الولايات المتحدة للمشاركة في برنامج يتعلق بحماية الحيوانات، وسافرت وزرت أماكن كثيرةً واكتسبت خبرةً ومعلومات ومعارف أعدّها معينةً لي حتى اليوم".

من الحب بدأت رحلة مي في عالم الحيوان، حتى لقّبها كثيرون بـ"متحدثة السلاحف"، وكأنها تتحدث إليهم، أو باسمهم.

في عام 2014، قررت مي، وهي خريجة كلية التربية للطفولة المبكرة، أن توسع دائرة عملها التطوعي في مجال حماية الحيوانات البرية وإنقاذها، فأسست فريقاً يشمل 20 متطوعاً، اشتهر باسم "فريق الإسكندرية لحماية السلاحف والحياة البرية".

"أحاول بمساعدة الفريق أن نعيد الحيوانات إلى بيئتها الطبيعية، ونحافظ عليها من الانقراض، ونعطيها فرصةً جديدةً لزيادة عددها، بسبب مخاطر الانقراض التي تحصل نتيجة الصيد الجائر وسوء المعاملة". هذا ما يدفع مي إلى تكثيف جهودها لحماية الحيوانات، وقد اختارت تلك البرية على وجه التحديد، لأنها لا تجد الاهتمام المطلوب من قبل الناس الذين يهتمون عادةً بالحيوانات الأليفة فحسب، مثل الكلاب والقطط والخيل.

متحدثة السلاحف مي حمادة

تقدّم مي مع فريقها خدماتٍ لإنقاذ الحيوانات البرية ورعايتها، ويحصلون على مساعدات مجانية من قبل الكثير من الأطباء في مصر للتعامل مع الحيوانات المصابة، كما تتواصل الفتاة مع أطباء خارج مصر لمساعدتها في تأهيل الحيوانات وعلاجها. "في مصر لا نمتلك خبرةً بيطريةً كافيةً في مجال رعاية الحيوانات البرية، لذلك أراسل جمعيات ومستشفيات خارج البلاد، متخصصةً في العلاج والتأهيل، وأتابع معهم بمساعدة الأطباء هنا".

تحاول مي وفريقها علاج الحيوانات من الأضرار التي تتعرض لها، والمتمثلة في التلوث، والصيد الجائر، وسوء المعاملة في الصيد والبيع والنقل، وهذا ما دفعها إلى تأسيس مركز تأهيلي في منزلها في الإسكندرية، في داخله تعمل على علاج الحيوانات المصابة وإعادة تأهيلها من جديد قبل إطلاق سراحها. "أحاول أن أوفر لهم بيئةً مشابهةً لبيئتهم وطبعاً مساحةً ودرجة حرارة مناسبة".

تعمل مي بشكل أساسي مع فريقها الخاص، وإذا ما وجدت شخصاً يملك معلومات مهمة يمكن أن تفيد الفريق والأهالي عند التعامل مع الحيوانات، سواء من ناحية الإنقاذ أو التأهيل، تستضيفه ضمن الحملات التوعوية. كما تلجأ إلى التعاون مع "الصقارة"، وهم الأشخاص الذين يربّون الصقور والنسور ومختلف أنواع الطيور الجارحة، عندما يحتاج فريقها إلى علاج الطيور الجارحة وتأهيلها، لأنهم يمتلكون الكثير من الخبرات في هذا الشأن، لكنها في المقابل لا تتقبل سلوكهم التجاري مع هذه الطيور، وتقول: "أنا مع القانون ومع أن يعيش الحيوان في مكانه الطبيعي وليس في الأسر".

متحدثة السلاحف مي حمادة

"متحدثة السلاحف"

تشير مي إلى وجود أنواع كثيرة من الحيوانات البرية المهددة بالانقراض في مصر، سواء الطيور الجارحة أو السلاحف، وهنا تشرح مي حول أنواع السلاحف المختلفة الموجودة في البلاد حالياً، وكيف تغيرت مع مرور السنوات.

"السلحفاة المصرية هي ذلك النوع الذي يعيش في الصحراء، وتُعدّ شبه منقرضة هنا بسبب الصيد الجائر، إذ يتم تهريبها بشكل أساسي عن طريق ليبيا. أما بالنسبة إلى السلاحف البحرية، فمع بداية عملنا، كنا نعثر بشكل أساسي على النوع المسمى ‘السلاحف الخضراء’ ونساعده، وحالياً قلّ هذا النوع لحساب نوع أكثر انتشاراً هو الذي يُطلَق عليه اسم ‘كبيرة الرأس’، كما أننا نجد سلاحف كثيرةً ذات حجم صغير".

بغض النظر عن الأنواع، ما تهتم به مي هو الحفاظ على السلاحف من الانقراض، ومن الأسر، لأن أشخاصاً كثيرين يعرضون السلاحف للذبح، أو يضعونها في صناديق للزينة. "من الرحمة أن تعيش السلاحف في بيئتها"، وفق تعبيرها، وتضيف أن الاهتمام بالسلحفاة المصرية التي تعيش في الصحارى على وجه التحديد يشكّل هاجساً لها، لأن هذه السلحفاة تُعدّ ثاني أصغر سلحفاة في العالم، إذ لا يزيد حجمها عن حجم كف اليد، وأعداد هذه السلاحف تتناقص بالتدريج، ووجودها ضروري لمصر بشكل خاص، لأنها تحمل اسمها.

"أحاول بمساعدة الفريق أن نعيد الحيوانات إلى بيئتها الطبيعية، ونحافظ عليها من الانقراض، ونعطيها فرصةً جديدةً لزيادة عددها، بسبب مخاطر الانقراض التي تحصل نتيجة الصيد الجائر وسوء المعاملة"

أما عن السلاحف البحرية فتقول: "هي مهمة لأن زيادتها تقلل أعداد قناديل البحر، ولأنها الكائن الوحيد الذي يتغذى على الإسفنج الذي يعيش في البحر الأحمر، ووجوده المتزايد يغطّي على الشعب المرجانية وتالياً يؤثر على السياحة".

كل الجهود التي تقدمها مي لخدمة السلاحف، كانت السر وراء إطلاق الإعلام عليها اسم "متحدثة السلاحف"، في إشارة إلى أنها تجيد التحدث إلى هذه الحيوانات، وتم تقديمها بهذا الاسم خلال أحد ملتقيات وحدة مكافحة الاتّجار بالحياة البرية في برنامج الشباب القيادي العالمي الذي ينظّمه مجلس سان دييجو الدبلوماسي، بالإضافة إلى صورها التي تبدو فيها واضحةً علاقتها القوية بالسلاحف.

حملات وبلاغات

اتسع نشاط فريق إنقاذ الحيوانات، حتى تمكّن من لفت أنظار وزارة البيئة، التي كثّفت جهودها في رعاية السلاحف، "هذا إلى جانب دورنا في توعية الشرطة، وتعاوننا معهم، حتى يهتموا بالسلاحف بعد أن سلطنا الضوء على الموضوع".

إلى جانب السلاحف، ساهم الفريق بجهود وفيرة في إنقاذ الكثير من الحيوانات النادرة، ومنها ثعالب وذئاب وزواحف وبومات وغيرها من الأنواع.

كما بلغ عدد الحملات التوعوية وورش العمل التطوعية التي نفذتها مي 250 حملةً، استهدفت نشر الوعي بين الأهالي لحماية الحيوانات ورعايتها، لا سيما تلك المهددة بالانقراض. "الورش والتوعية أثّرت كثيراً، وغرست روح التعاون بيننا وبين الأهالي من أجل إعادة الترويج لثقافة الرفق بالحيوان، وكان لهذه المبادرات مردودها وتأثيرها القوي، حتى الأطفال أصبح لديهم وعي واهتمام أكثر، وصاروا يرغبون في المشاركة في الفعاليات وعمليات الإنقاذ، وكذلك تبنّي حيوانات الشارع ورعايتها وإطعامها".

متحدثة السلاحف مي حمادة

هذا التأثير وصل أيضاً إلى مواقع التواصل، إذ أصبح الفريق يتلقى الكثير من البلاغات عن حيوانات تحتاج إلى الإنقاذ، بعد أن تمكن من نشر مفاهيم ربما كانت غائبةً عن الشارع المصري، وهي عدم جواز الاتّجار بجميع الحيوانات أو الطيور، بخلاف الكلاب والقطط وعصافير الزينة.

بذلك، يتعاون سكان من مختلف مدن مصر في الإبلاغ عن الحيوانات المصابة، أو تلك التي تُعرض للبيع، فيسارع الفريق إلى شرائها أو أخذها من دون مقابل، ونقلها إلى مقرّه في الإسكندرية، وعلاجها وتأهيلها وإعادتها إلى بيئتها من جديد، إذ يتم إيداعها في حديقة الحيوان أو المحميات الطبيعية مثل محمية العميد بالنسبة إلى الثعالب، أو إطلاقها في الهواء إن كانت من الطيور الجارحة، أو إعادتها إلى البحر إن كانت من السلاحف البحرية. وتشير مي إلى أن "الأهالي يساعدوننا من ناحية البلاغات، ويضعونني على تواصل مع أماكن الحيوانات المطلوب إنقاذها، ونجد كثيرين يدعون لنا عندما ننقذها، وتكون لحظة إيداع الحيوان هي لحظة وداع، إذ من الممكن ألا نرى هؤلاء الأصدقاء مرةً أخرى".

الاهتمام بالسلحفاة المصرية التي تعيش في الصحارى على وجه التحديد يشكّل هاجساً لها، لأن هذه السلحفاة تُعدّ ثاني أصغر سلحفاة في العالم، إذ لا يزيد حجمها عن حجم كف اليد، وأعداد هذه السلاحف تتناقص بالتدريج، ووجودها ضروري لمصر بشكل خاص، لأنها تحمل اسمها

"أحلام كبيرة"

في عام 2018، اختيرت مي سفيرة اليوم العالمي للحيوان في مصر، لكن هذا ليس النجاح الذي تريده. "كل حالة إنقاذ أعدّها إنجازاً"، تقول، وتشير إلى أن إنجازاتها تتمثل في عدد الحيوانات التي تم إنقاذها، والثقة التي اكتسبتها من قبل الأهالي الذين يسارعون إلى الإبلاغ عن أي حيوان مصاب أو عرضة للخطر، إلى جانب نجاحها في صناعة سمعة طيبة لها وللفريق. "أصبحنا معروفين على المستويين المحلي والدولي".

متحدثة السلاحف مي حمادة

أحلام كثيرة تراود مي، جميعها ترتبط بالمفاهيم الإنسانية التي يستوجب على كل فرد أن يكون مؤمناً بها. "هو الحلم مش ليا، للحيوانات، نفسي يبقى في قوانين بعقوبات غليظة تعاقب الأشخاص اللي بيتاجروا في الحيوانات غير المسموح بالتجارة فيها، وتعاقب اللي بيعذب الحيوانات".

كما تطمح مي إلى وجود بروتوكولات بين البلاد تسمح بعودة الحيوانات على اختلاف أنواعها إلى موطنها الأصلي، حال العثور عليها في مكان خارجها، بالإضافة إلى تدريس مادة الرفق بالحيوان في المناهج المصرية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard