معرض "نثر من الجذور" في عمّان... إعادة تفكير في علاقتنا بالأرض والزراعة

الأربعاء 23 مارس 202201:40 م

باتت البذور الزراعية وأدوات الزراعة في العقود الأخيرة في الأردن، عبارةً عن إكسسوارات تزيّن البيوت، خصوصاً لمن يحبّون الطابع الكلاسيكي مثل الأثاث الخشبي المزين ببذور نباتية توضع داخل مزهريات كبذور البندورة، ومثل سنابل قمح منتقاة بعناية تزيّن مدخل المنزل، كذلك أطباق القش التي تُعلّق على الجدران. هذا الطابع الكلاسيكي في بعض المنازل يتماشى مع صورة الأردن الفقير في الموارد الزراعية والطبيعية، وعلاقته بالبذور وبالزراعة التي أصبحت علاقةً "إكسسواراتية".

هذه هي الصورة التي يحاول معرض "نثر من الجذور"، في دارة الفنون في العاصمة الأردنية عمّان، أن يفندها، فالمعرض الذي أعدّته مجموعة من الفنانين وأصحاب المبادرات المجتمعية الأردنيين، ينذر بأن في الأردن الفقير بالموارد و"التابع" لإملاءات صندوق النقد الدولي الذي حرمه من حقه الطبيعي في إنتاج بعض المزروعات، ما يزال هناك مخلصون لمهنة الزراعة وقيمها، ولإرث الأردن في الزراعة والاكتفاء الذاتي كما كان الأمر عليه في مراحل زمنية سابقة، كما وينذر بأن فكرة كون الأردن شحيح المصادر، هي أكاذيب آيلة إلى الزوال بفعل المخصلين للأرض وللتربة.

يقدّم معرض "نثر من الجذور"، والذي جال رصيف22 هذا الأسبوع في أرجائه، أعمالاً فنية تتعدد بين الصور والفيديوهات واللوحات والأدوات، خصوصاً التي تُستخدم للزراعة، كالمنجل الذي تصادفه في واحدة من أروقة المعرض، وأطباق القش وغيرها، مما يحفز ذاكرة الزائر الأردني للمعرض، بأن بلده كان يوماً ما بلد "خير"، وكان يترجم مقولة: "من بذر بلادك عبي غلالك"، أي من أرضك تستطيع أن ترزع وتعيش.

الروابط بين الأردنيين وتربتهم

من الأشياء اللافتة لمن يزور المعرض، أنه لا يعرض الأعمال الفنية التي تتحدث عن الإرث الأردني في الزراعة والحصاد على أنها إرث من ماضٍ ولّى ولم يعد، بل على العكس، يجعل المتجول بين الصور المعروضة التي تصاحبها أنغام أغانٍ أردنية تراثية خاصة بالحصاد، يدرك أن ذلك الإرث قادر على العودة من جديد في حال آمن المواطن الأردني بقدرة تربته، وبأنها قادرة على الإنتاج، وكل ما تحتاجه هو الصبر.

لما رجعت أتواصل مع الأرض عرفت قيمة البذرة وقدرتها على إعادة إنماء نفسها.

في إحدى زوايا المعرض، وتحمل اسم "تربة وتعلم"، وأعدتها كل من دينا بطاينة وريف فاخوري، يتعرف الزوار على مبادرة "تغميس"، لدعم المطبخ الاجتماعي الأردني من خلال زراعة منتجات من التربة الأردنية والمطبخ المحلي، وتسعى من خلال "نثر من الجذور" إلى عرض أعمال فنية متعددة الوسائط تجمع ما بين الأفلام والصور والأصوات والأعمال الفنية الورقية، للبحث عما هو "أبعد من السردية المهيمنة والسائدة المتمثلة في المناهج المقررة على مدار أكثر من مئة عام، والتساؤل عن سبب بعدنا عن الأرض"، حسب ما جاء في تعريف المعرض.

وفي زاوية أخرى تعرض الفنانة روان بيبرس، زجاجات وأتربةً وصخوراً ونباتات ونفايات صلبةً، ويقترح هذا العمل التفكير في التربة والنظر إليها ككائن حي دائم التغيير والنمو بإيقاع بطيء، بدلاً من كونها مجرد مكب للنفايات الصلبة، كما يحفز تساؤلات حول الروابط التي تجمع بين الشخص وتربته.

تحاول زاوية "تربة وتعلم"، "تعرية" أخطر أنواع الاحتلال، وهو احتلال العقول الذي أباح احتلال الأرض والأكل والعلاقات والمعرفة، وفق رأي القائمين عليها، وتعرض الزاوية أفلاماً قصيرةً للمخرجة حلا الديب، تتناول طرق التعليم المرتبطة بالمرح والمتجذرة في الأرض، والتي تركز على منطق الوفرة، والفعل الذي يناقض الفكر المهيمن الذي يركز على العجز والضعف.

وتقول ريف فاخوري في لقاء مع رصيف22: "كبرنا على جملة أن الأردن فقير في المصادر والموارد، وكبرت معنا هذه الجملة وتُرجمت إلى طريقة تفكير في علاقتنا بأرضنا، كما شكلت طبيعة العلاقة مع الأرض التي نعيش عليها وماذا يمكن أن تعطينا". وتضيف حول إيمانها بأن "كذبة الحداثة التي نعيش فيها، حول محدودية المصادر في الأردن، ليست كذبةً فحسب بل وهم أيضاً، ناهيك عن حجج واهية بأن هناك جهات خارجيةً ‘بتدير بالها علينا’".

وتقول دينا بطاينة في أحد الأفلام التي عرضتها زاوية "تربة وتعلم": "لما رجعت أتواصل مع الأرض عرفت قيمة البذرة وقدرتها على إعادة إنماء نفسها. لا أريد أن أكون بذرة معدلة جينياً بل أريد أن أكون بذرة محلية، وأؤمن بأن الأرض تشفي، وهي متسامحة، إذا ما زبط هذه المرة تصلح المرة الجاي، المهم الصبر".

"كل واحد فينا بذرة، وكانت هناك محاولات لكي يدفنونا ونسوا أننا في الأصل عبارة عن بذور، ونعود لننمو"، تقول بطاينة.

هدفنا في المعرض ليس عرض المشكلات البيئية التي يعاني منها الأردن بل عرض الحلول، فمثلاً نتناول قصص الأردن عندما كان في مرحلة من الاكتفاء الذاتي، ومنتجاً للقمح وحتى مصدّراً له، ونعرض سبلاً بسيطةً للعودة إلى ذلك الزمان

تحفيز وحلول

تحدث رصيف22، مع منسقة معرض "نثر من الجذور"، رنا بيروتي، وسألناها ما إذا كان الفن وسيلةً لعكس الهم البيئي؟ وقالت: "هدفنا في المعرض من الأساس ليس عرض المشكلات البيئية التي يعاني منها الأردن بل عرض الحلول، فمثلاً نتناول قصص الأردن عندما كان في مرحلة من الاكتفاء الذاتي، ومنتجاً للقمح وحتى مصدّراً له، ونعرض سبلاً بسيطةً للعودة إلى ذلك الزمان".

وأضافت: "حتى الموسيقى وأغاني الحصاد، وكذلك أدوات الزراعة كالمنجل التي أصبحت إكسسوارات في بيوتنا، نعرضها ليس لأنها إكسسوارات أو أغانٍ تعيدنا إلى حنين الماضي، بل من أجل تحفيزنا على إعادة إحيائها في الواقع من جديد".

"شبعنا مقالات تتحدث عن المشكلات البيئية"، تقول بيروتي في ختام حديثها، وتؤكد على أن الفن قادر على حل المشكلات وليس سردها فحسب.

الفن وقضايا الأرض

"الفن طوال عمره يحترم الناس. الفن متغلغل في الأرض وليس بعيداً عنها"، تقول لمى الخطيب في سياق الحديث عن دور الفن في الدفاع عن الهم البيئي. والخطيب هي واحدة من مؤسسي مبادرة "ذكرى" للتعلم الشعبي، والتي تتخذ مكاناً في معرض "نثر من الجذور" من خلال زاوية "قمح البركة".

وتضيف الخطيب خلال لقاء مع رصيف22: "الفن لم يكن يوماً منفصلاً عن الأرض أو يعمل بشكل نخبوي، فهو حق للجميع لأنه على احتكاك مباشر مع الحياة وكل تفاصيلها وهمومها، وهذا ما نحاول إيصاله في المعرض".

وأشارت إلى أن زاوية "قمح البركة" استعانت بأشخاص ليس لهم باع سابق في الفن، من بينهم أطفال، لأن الجميع في نهاية المطاف "فنانون"، كما تقول.

ومبادرة "قمح البركة" عمل يُعنى بإعادة القمح البلدي إلى الواجهة، واستعادة "البركة" كبوصلة للتفكير والبناء والعمل، بهدف تحرير الغذاء وإعادة بناء العلاقة مع الأرض والمجتمع، ويعمل المشروع كما بيّنت الخطيب على إعادة تشكيل علاقة الناس بالمساحات الزراعية داخل المدينة، عبر زراعتها بالقمح، ودعوة العائلات والمدارس للعمل والمشاركة في العمل الجماعي بناءً على علاقة مع مزارعي الحبوب، وإعادة استخدامها كغذاء من طحين وجريشة وغيرها، بهدف تحقيق السيادة المنزلية على القمح.

الفن لم يكن يوماً منفصلاً عن الأرض أو يعمل بشكل نخبوي، فهو حق للجميع لأنه على احتكاك مباشر مع الحياة وكل تفاصيلها وهمومها، وهذا ما نحاول إيصاله في المعرض

وتشير تقارير إلى تراجع المساحات المزروعة في الأردن خلال العقود السابقة بنسبة تصل إلى 60 في المئة من مجمل الأراضي القابلة للزراعة، كما تفيد تقديرات البنك الدولي بأن الأردن يحقق 50 إلى 60 في المئة فقط من إمكاناته التصديرية للفواكه والخضروات، ولديه إمكانات تصديرية غير مستغلة تزيد قيمتها على المليار دولار سنوياً.

والفنون وفق حديث الخطيب، "ليست بعيدةً أو منفصلةً عن حياة الناس، بل لطالما انبثقت من العمل في الأرض ومن علاقة الناس بها، ويمكن التأمل على سبيل المثال في رقصات الدبكة بعد موسم حصاد القمح، إذ يقفز الأفراد لساعات طويلة فوق البيدر لفصل الحبوب عن قشورها، وتقابلهم مجموعات من الشباب يعزفون الموسيقى بالشبابة واليرغول والناي، وترافقهم أغانٍ وإيقاعات لضربات الأرجل على الأرض".

ومن الجدير ذكره أن الأغاني و"الهجيني" والموسيقى ورقصات الدبكة كانت رفيقاً دائماً للمزراعين والحصادين الأردنيين في الماضي، واشتهرت كثير من أغاني الحصاد التي أعيد توزيعها في العقود الأخيرة على شكل أغانٍ بديلة، ومن بين هذه الأغاني تلك التي تخاطب المنجل مثل:

منجلي يا من جلاه... رايح للصايغ جلاه

ما جلاه إلا بعلبة... ريت هالعلبة عزاه

منجلي يا بو الخراخش... منجلي بالزرع طافس

ونختم التقرير بأهزوجة عرضها معرض "نثر من الجذور"، كان الحصادون الأردنيون يستهلون بها حصادهم قبل ساعات بزوغ الفجر:

رمينا الحب وتوكلنا على الرب

يا رب تطعمنا وتطعم منا

يا مطعم الطير في ظلام الليل

ومطعم الهاجم والناجم

واللي على جنبه نايم

يا رب أنا العازق وانت يا رب الحي الرازق

يا رب أنا بضيّع

وإنت يا رب ما بتضيع

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard