عن حسرة تلاحقنا… لماذا علّمونا في المدارس مناهج منفصلة عن الواقع؟

الخميس 19 سبتمبر 201906:46 م

"ماذا تستنتج؟!"، هو السؤال الأزلي المرتبط بصورة المعلمة وهي تسألني عن استنتاجاتي الإجبارية لأحد نصوص كتاب "القراءة"، كل شيء معلّب وجاهز وأي جوابٍ خارج السرب سيعرضني للاستهجان، في مجتمعٍ أي شيء فيه غير جمعي مثير للريبة، لا يوجد ثقافة الاختلاف، وحتى الذين ينادون بها لا يؤمنون بها داخلياً.

تقضي طفولتك في مطالعة قصصٍ ساذجة عن عواقب الكذب والنهاية الأليمة لمن يقترفه، وستحصل على درجة الصفر عندما يكون لك رأي مغاير في الموضوع، لتبدأ هذه القيم بالتداعي عندما يبدأ المجتمع بتأنيبك وإدراج أي رأي صريح تقوله في إطار قلة الأدب أو الوقاحة الاجتماعية، والتي لا تملك بعد الوعي الكافي لفهم معناها أصلاً.

تبقى علوم "الموسيقا" و"الرسم" و"الرياضة" هي الأقل حظاً بالنسبة للمواد الأخرى، مع أنها الأوسع أثراً في تنمية الخيال والشخصية والجوانب الإنسانية

ومع بدء سنوات المراهقة ستكتشف أيضاً أن معظم معلماتك اللواتي لا يفرغن من الحديث عن أهمية العلم والتعليم للمرأة، وعن النساء المستقلات الملهمات في تاريخنا، هن أول من سيزوّجن بناتهن اللواتي لم يتجاوزن الثامنة عشر لأوّل "عريس" مقتدر مادياً يتقدّم لهن، دون النظر إلى تحصيله العلمي أو تقييمه الأخلاقي، في تجاهلٍ تام لما كرّرنه على مسامعنا عاماً تلو الآخر.

تطالعني هذه الأفكار مع قدوم أيلول وموسم العودة للمدارس في سوريا، لا ترتبط المدرسة بذكرياتٍ جميلةٍ باستثناء تلك المرتبطة بالأصدقاء، فأّول فكرة تراودني هي الطابور الصباحي المملّ واللباس المدرسي الكئيب والعقاب الذي ينتظرنا عند أي محاولة لإدخال لون بهيج عليه، رغم أنني بعد مرور كل هذه السنوات لم أفهم علاقة "بكلة" الشعر الملوّنة بالتسيّب والاستهتار، والبكلة السوداء بالالتزام والتربية السليمة.

أتذكر كرهي لدروس التاريخ، وعدم اقتناعي بضرورة فهم الأسباب البعيدة والقريبة لكل معركة أو حرب حدثت في البلاد المجاورة أو البعيدة، وجلوسي إلى جانب النافذة المطلة على حي "الشعلان" لمتابعة المارّة، وهو أمر أكثر تسلية من متابعة ما تقرؤه مدرّسة التاريخ  بأسلوبها الخالي من أي إحساس أو انفعال، قبل أن أكتشف لاحقاً أن معظم ما روته لنا أكاذيب أو رؤية أحادية الجانب لما حدث بالفعل.

كان جلوسي إلى جانب النافذة المطلة على الحي لمتابعة المارّة، أكثر تسلية مما تقرؤه مدرّسة التاريخ بأسلوبها الخالي من أي إحساس أو انفعال، قبل أن أكتشف لاحقاً أن معظم ما روته لنا أكاذيب أو رؤية أحادية الجانب لما حدث بالفعل
هذا النظام الدراسي القائم على تكريس الغباء والنمطية مع غيابٍ تام لمفهوم التحليل النقدي، ينتج أفراداً معلبين معتادين على التبعية، ليسوا على استعداد للتفكير أو النقاش أو تكوين رأي مختلف عن السائد

أما منهاج "علم الأحياء" فيتبحّر في دراسة التشريح المفصل للصرصار أو "هيدرية الماء العذب" وغيرهما الكثير من الكائنات الحية التي غالباً لن تحتك بها حتى لو ساقك القدر إلى العمل كدليلٍ سياحي في "مجاهل أفريقيا "أو "غابات الأمازون "، بينما يتجاهل المنهج تماماً "نظرية التطور" ودراسات داروين في هذا المجال والتي بنيت عليها الكثير من الاكتشافات الحديثة، وإن تطرّق لها المدرّس فهو غالباً ما يختزلها بجملة "أصل الإنسان قرد" بصيغةٍ تهكميةٍ طبعاً، وهو المدرّس ذاته الذي لم يقرأ كتاباً واحداً خارج المنهج على الأغلب.

طبعاً هذا لا ينفي وجود أساتذة لا ينساهم المرء مهما مضى الوقت، كمعلمة اللغة الإنكليزية في مرحلة دراستي الابتدائية، والمحسوبة على عصر ولّى دون رجعة، والتي حببتني بالمسرحيات والقصص الكلاسيكية العالمية، ولولاها ما كنت سأتقن اللكنة الصحيحة لتحميني في مراحل دراسية لاحقة من تأثيرات النطق الخاطئ لمعلمات اللغة الأخريات، والذي يشبه الإنكليزية التي يتهكم عليها "أحمد حلمي" في فيلمه الجميل "عسل أسود".

أما بالنسبة للمناهج فمعظم ما فيها أصبح منفصلاً تماماً عن الواقع الحالي، فما كنا ندرسه في "علم الجغرافيا" عن اعتدال المناخ في بلادنا وعن تنوع الفصول وميزاتها لم يعد موجوداً، مع تقلبات المناخ واقتصار فصل الربيع مثلاً على بضعة أيام في السنة، أما بالنسبة للهجرة الداخلية من الريف إلى المدينة والتي قضينا صفوفاً كثيرة نحفظ أسبابها وأضرارها وإخلالها بالتوازن البيئي والسكاني فقد أصبح لها مسميات ونتائج لا علاقة لها نهائياً بما أمضينا الكثير من المراحل بحفظه، كذلك الأمر بالنسبة لمصطلح "هجرة العقول" إلى الخارج أو أنواع المحاصيل التي تشتهر بها كل منطقة في البلاد.

ولكن بكل تأكيد تبقى علوم "الموسيقا" و"الرسم" و"الرياضة" هي الأقل حظاً بالنسبة للمواد الأخرى، مع أنها الأوسع أثراً في تنمية الخيال والشخصية والجوانب الإنسانية، لكنها كانت دوماً الحلقة الأضعف أمام مدرّسة الرياضيات مثلاً، والتي دائماً ما كانت تستعين بساعات هذه المواد "الثانوية" من وجهة نظرها، من أجل إكمال المنهج وإعطاء نظريات ومعادلات ستتبخر بسرعةٍ فور خروجنا من قاعة الامتحان.

هذا النظام الدراسي القائم على تكريس الغباء والنمطية مع غيابٍ تام لمفهوم التحليل النقدي، ينتج أفراداً معلبين معتادين على التبعية، ليسوا على استعداد للتفكير أو النقاش أو تكوين رأي مختلف عن السائد، وحتى مع وجود مساحة كبيرة للمعرفة عبر الإنترنت ومع سهولة الحصول على معلومات والاطلاع على الثقافات والحضارات الأخرى، نجد أن الغالبية تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي للدفاع عن الأفكار المتوارثة، مع تعصّبٍ أعمى ضد أي رأي قادر على زعزعة سلسلة المعتقدات التي كرستها المدرسة والمجتمع ورجال الدين، في امتثال كامل لمقولة "احفظ ولا داعي لأن تفهم"، وبالتالي لا تفكر والأهم ألّا تعترض وتخرج عن القطيع.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard