"كأن رجولتي منقوصة"... مصريون لا يشجعون كرة القدم

الاثنين 28 فبراير 202203:33 م

قد لا تحتاج رياضة كرة القدم إلى ترويج، فعشاقها كُثر، بين مهووسين ومتابعين، ودائماً ما تظهر فئات متفاوتة الأعمار والثقافة من المشجعين والأنصار والمحبين، يشيعون أجواء الحماسة، وهم يتابعون بطولةً، أو يشاهدون مباراةً يرونها مهمةً.

الطريف أن غير المهتمين بكرة القدم، باتوا موصومين، ومتهمين بأنهم "خارجون عن النص"، تطاردهم مزاعم بعدم الانتماء، وعبارات أخرى تقلل من شأنهم، تصل إلى حد التنمر أحياناً، كأن يوصفوا بـ"اللي ملهمش فيها"، و"إنتو عايشين إزاي من غير تشجيع"، و"دول في الطراوة ومفسيين دماغهم"، ما يدفع بعضهم لادعاء الاهتمام برياضة لا يعرفون أبسط قوانينها، والتشجيع بحماسة مصطنعة، لأن قدرهم ساقهم للتواجد بين أصدقاء أصروا على أن يكونوا معهم في أثناء مباراة ما.

يروي حاتم ف. (34 عاماً)، وهو فني مونتاج في إحدى الفضائيات المصرية، حكايته لرصيف22: "لا أصدق أن مشكلتي في الحياة أنني لست مشجعاً. خطيبتي تستغرب ذلك، وكأن رجولتي منقوصة، وأشعر بأن جاذبيتي وسط النساء قليلة. عندما أجلس مع أصدقائي، أحسّ بالغربة وعدم الاهتمام، خاصةً وقت مشاهدة المباريات المهمة التي تشغل الجميع، وجلوسي بينهم مثل التمثال أمر محير لي ولهم".

أصدقائي يصفونني بالمعقد نفسياً، لأنني لا أحب مشاهدة مباريات كرة القدم.

يقول حاتم إنه فشل مراراً وتكراراً في تمثيل دور المهتم بمتابعة المباريات، وكثيراً ما سمع أصدقاءه يصفونه بعبارات جارحة، حتى وإن كانت من قبيل المداعبة، خاصةً لجهله بأسماء اللاعبين وجنسياتهم. "هل يعني ذلك أنني أعاني من خلل في التواصل الاجتماعي؟ فكرت في الذهاب إلى طبيب نفسي، ولكني دوماً أقول إن الأمر لا يستحق، وما يطمئنني على حالتي، أن شقيقتي الصغرى تتمنى لو كان زوجها يشبهني، ولا يهتم بالكرة، فهما على خلاف دائم، بسبب هوسه بالمباريات".

"معقد نفسياً"

ياسر أبو المجد، صيدلاني حديث التخرج، يقول: "أصدقائي يصفونني بالمعقد نفسياً، لأنني لا أحب مشاهدة مباريات كرة القدم، وعندما أعتذر عن مشاركتهم مشاهدة مباراة يكون طرفها المنتخب القومي، تحاصرني نظراتهم المشككة في وطنيتي، إذ يختصرون الوطنية في تشجيع مجموعة من اللاعبين من أصحاب الثروات الضخمة".

ويضيف في حديثه إلى رصيف22: "أنا أحتفي بوطني من خلال أمور أكثر أهميةً، مثل الحصول على تصنيف عالمي متقدم في جودة التعليم والبحث العلمي، أو الفنون الهادفة، أما فوز فريق أو حصول لاعب على جائزة فذلك يعود عليهم فحسب بالفائدة. هم يحققون الشهرة والمال، أما نحن فنغلق التلفاز بعد المباراة، لنعود إلى حياتنا الشاقة، ووظائفنا المرهقة، وأجورنا الضعيفة، وأوضاعنا البائسة في كل النواحي".

يشير ياسر إلى أنه أحياناً يشعر -رغماً عنه- بالحقد تجاه لاعبي كرة القدم، فهو على الرغم من عمله المرهق في الصيدلية حيث يجلس لساعات طويلة من دون تسلية أو ترفيه، لا يستطيع تحقيق ولو جزء بسيط من نجاحات لاعبي كرة القدم المادية والمعنوية، ولا يستطيع حتى التفكير في الزواج بسبب التكاليف الكبيرة.

لا أصدق أن مشكلتي في الحياة أنني لست مشجعاً. خطيبتي تستغرب ذلك، وكأن رجولتي منقوصة، وأشعر بأن جاذبيتي وسط النساء قليلة. عندما أجلس مع أصدقائي، أحسّ بالغربة وعدم الاهتمام، خاصةً وقت مشاهدة المباريات المهمة، وجلوسي بينهم مثل التمثال أمر محير لي ولهم

يشترك كارم إ.، مع سابقه في أنهما من خريجي كليات القمة في مصر، الطب والصيدلة، ويقول الطبيب الثلاثيني: "أنا أهلاوي لكني لا أفهم كثيراً قواعد اللعبة، ولا شغف لي بحضور المباريات، فأنا أقضي أغلب وقتي في مشفى حكومي، وفي الفترة الأخيرة شاهدت العديد من الحالات الطبية الصعبة والوفيات التي بلغت ذروتها بسبب فيروس كورونا".

يعاني كارم من تنمر الأصدقاء والأقارب. يحاول مشاركة زملائه مشاهدة المباريات، لكنه لا يستطيع الاندماج معهم، أو تقبل انفعالاتهم، وهو أمر يثير حفيظتهم. ولا يتوقف الأمر عند ذلك، فالعديد من الفتيات اللواتي ارتبط بهن أو صادقهن، كن يتعجبن من عدم اهتمامه بالمباريات، باستثناء واحدة أُعجبت بذلك، لأنها كانت في علاقة سابقة، لم تكتمل، بسبب هوس خطيبها الكروي.

"أمي قلقت علي"

أحمد خالد طالب في كلية الآداب في جامعة عين شمس، يقول: "مش لازم كلنا نحب كرة القدم. كل منا له ميوله، وأنا أفضل مشاهدة فيلم، أو قراءة كتاب مميز، على مشاهدة مباراة".

لحسن حظ أحمد، أن الأمر لا يؤثر على علاقاته سواء بأصدقائه أو بفتيات قد يُعجب بهن. "كل ما في الأمر أنهم يتعاملون معي على أني شخص له ميول ومزاج خاص، وتفهموا ذلك من دون أن يفرض أحد منا شيئاً على الآخر".

ويروى موقفاً مضحكاً عاشه، عندما دخلت عليه والدته في غرفته، في أثناء إذاعة مباراة نهائي كأس الأمم الإفريقية، بين مصر والسنغال، وسألته وعلى وجهها قلق واضح، وعلامات استفهام كثيرة: "حبيبي ليه مش بتتفرج مع صحابك على الماتش؟".

وفي السياق ذاته، يقول محمود يحيى: "في فترة الشباب وحتى سنوات ما بعد التخرج، لم أكن أهتم سوى بمشاهدة المباريات المهمة، خصوصاً بين الأهلي والزمالك، ومباريات المنتخب في الأمم الإفريقية وتصفيات كأس العالم، ولكنني بعد أن تزوجت وأنجبت، وخضت الحياة العملية، وجدتني أبتعد عن التشجيع تدريجياً، نتيجة انشغالي في توفير لقمة العيش لأسرتي، فأنا في الصباح أعمل في شركة عقارات، وفي المساء سائقاً في إحدى شركات التوصيل".

أريد أن يكون زوجي المستقبلي شخصاً مندمجاً مع الناس، وأفضّل أن يكون محباً لكرة القدم، وأهلاوياً.

ويتحدث الرجل الأربعيني عن "مشاعر ربما تثير حفيظة البعض"، إذ تراجع اهتمامه بكرة القدم، وأحياناً يشعر بالسعادة لخسارة أي منتخب يحظى باهتمام إعلامي، وينتظر الناس فوزه. "بالطبع لا أعلن عن مشاعري هذه، ولكن مجرد مشاهدة أشخاص يشجعون الكرة في الظروف الاقتصادية الحالية، يثير غيظي إلى حد كبير".

هذا التعجب لا يقتصر على الرجال. تقول مها هشام، وهي خريجة كلية الحقوق: "خطيبي السابق كان شخصاً غريب الأطوار، وانطوائياً، ولم تكن لديه أي اهتمامات أو هوايات، وليست لديه أي معرفة بفرق كرة القدم المعروفة، وهو أمر أثار تعجبي".

لا يعني ذلك كما تقول مها ذات الأعوام الثمانية والعشرين لرصيف22، أن تشجيع الكرة من عدمه هو معيار تقييمها لزوج المستقبل، "ولكنني أريده شخصاً مندمجاً مع الناس، وأفضّل أن يكون محباً لكرة القدم، وأهلاوياً، خاصةً وأنني أهتم بمشاهدة الدوري الإنكليزي، وأحب التنس والأسطورة نادال، واعتدت أنا وأمي وإخوتي مشاهدة مباريات النادي الأهلي، وتحضير الوجبات السريعة وأكل الفشار، في أثناء مشاهدة مباريات كأس العالم، وكأس الأمم الإفريقية".

عوامل عدة

والسؤال هنا: هل تشجيع الكرة أو رفضه فكرة لها مدلول اجتماعي؟

يجيب الدكتور جمال أبو شنب، أستاذ علم الاجتماع السياسي، بتأكيده على أن الأوضاع الاقتصادية والسياسية السيئة والانشغال بالهموم اليومية قد تكون سبباً في امتناع الناس عن تشجيع الألعاب الرياضية.

وأضاف لرصيف22: "الانصراف عن التشجيع حتى في المباريات المهمة، تحكمه عوامل عدة، منها مستوى الفريق وحالته الفنية، وثبات النتائج أو تذبذبها، هذا يؤثر أيضاً بشكل مباشر في مدى الثقة بالفريق والاهتمام بتشجيعه، وهو ما ينطبق على تشجيع الأندية. أما فكرة تشجيع المنتخب القومي فتحكمها عاطفة الانتماء، والجميع يقف وراءه لأنه يتبارى مع دول أخرى، وكثيرون من الناس يسافرون خلف الفريق، سواء حقق نجاحاً أو لا، وهنا من لا يشجعون الفريق قد يكونون مستهجنين من البعض، لأن سلوكهم يعكس عدم الانتماء إلى الوطن برأي من حولهم".

تراجع اهتمام يحيى بكرة القدم، وأحياناً يشعر بالسعادة لخسارة أي منتخب يحظى باهتمام إعلامي، وينتظر الناس فوزه. "بالطبع لا أعلن عن مشاعري هذه، ولكن مجرد مشاهدة أشخاص يشجعون الكرة في الظروف الاقتصادية الحالية، يثير غيظي إلى حد كبير"

نور البكري، وهي مدربة تقنيات العلاج الشعوري، تؤكد في حديثها إلى رصيف22، أن لدى البشر أنماطاً شخصيةً وميولاً مختلفةً تماماً، وتضيف: "البعض يمتلكون ذكاءً اجتماعياً، والبعض الآخر لديهم ذكاء عاطفي، وآخرون يمتلكون ذكاءً لغوياً، ومن ثم قد تتحكم أنواع الذكاء بالميول الشخصية، ونوع التربية وطريقتها منذ الصغر، أيضاً قد تحددان حجم الاهتمام بالرياضة، كما أن هناك مجتمعات تنظر إلى الكرة على أنها أمر تافه وغير ذي أهمية. خلاصة الأمر أن هناك أسباباً كثيرةً لاهتمام الذكور بكرة القدم، أبعد ما تكون عن الرجولة".

وتضيف الأخصائية عوامل أخرى مثل طبيعة الشخصية، والأفكار التي يستقيها الشخص خلال مراحل تربيته المختلفة، واهتمامات المحيطين به، خصوصاً في دائرة الأسرة.

الشعور بالانتماء

من جانبها، تفسر هدير زكريا، وهي أخصائية إرشاد نفسي وأسري، الأمر بأن الإنسان عادةً له مجموعة احتياجات، منها النفسية، والفسيولوجية، مثل الطعام والشراب، والحاجة إلى الانتماء والشعور بالأمان والتقدير. وفي كل مرحلة عمرية ينتهج الإنسان طرقاً معيّنة لإشباع هذه الاحتياجات، فقد يهتم بشيء ما، وفي مرحلة عمرية أخرى لا يعطيه القدر نفسه من الاهتمام، فيتغير ترتيب أولوياته.

تشجيع الكرة يأتي ضمن احتياجات الانتماء.

وتصف زكريا تشجيع الكرة بأنه يأتي ضمن احتياجات الانتماء، فالشعور بالانتماء إلى جماعة معيّنة أو جمهور فريق معيّن يحقق هذه الحاجة. "الشباب غالباً يهتمون بتشجيع الكرة، وإذا كان أحدهم لا يفضّل ذلك، لكنه لا يستطيع مفارقة أصدقائه، لأنه يحتاج إلى الإحساس بالانتماء، سيشعر بأنه غير مقبول، والحل أن يتطبع بطباعهم". وتضيف أن البعض قد يعدّ الكرة وسيلةً للهروب من أوضاعه الصعبة، كأن يرى نفسه في اللاعبين الناجحين، ممن يمتلكون الثروات ويحظون بالشهرة والتقدير، "وفي النهاية لا توجد طريقة واحدة ثابتة في هذا الأمر".

وعن تحول شخص من حب الكرة بجنون وتشجيعها بشكل متطرف، خصوصاً في مرحلة المراهقة، إلى عدم الاهتمام التام، تؤكد زكريا أنه تحول لا يدعو إلى الريبة أو التساؤل، وتعزوه إلى الانتقال إلى مرحلة عمرية أعلى، فيها أفكار وأولويات جديدة، كالأسرة والأطفال والعمل، والانشغال في توفير متطلبات الحياة الأساسية، وهي أمور بالتأكيد أهم من كرة القدم التي لا تعطي سوى شعور مؤقت بالسعادة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard