الكرة والامتحانات... سعد زغلول يتدخل لحل أزمة "التتش" وطائرة عسكرية لـ"حمادة إمام"

الثلاثاء 11 يناير 202212:35 م

 انطلقت مساء الأحد، 9 كانون الثاني/ يناير الجاري، منافسات دور المجموعات لبطولة كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم في نسختها الـ33 المنعقدة في الكاميرون، والتي ينافس المنتخب المصري في مجموعتها الرابعة نيجيريا وغينيا بيساو والسودان، بالتزامن مع امتحانات الفصل الدراسي الأول بالمدارس والجامعات المصرية.

في تاريخ كرة القدم المصرية، تزامنت مباريات وبطولات مع امتحانات بعض اللاعبين، وهذا ما جعلهم مخيرين بين أحد الأمرين، إما الخضوع للاختبارات الدراسية أو اختيار المشاركة في متعة الساحرة المستديرة، وحدث أن تدخل المسؤولون لحسم الأمر، وكان على رأسهم رئيس الوزراء المصري سعد زغلول (1858 - 1927)، والمشير عبد الحكيم عامر، وزير الحربية (1919 - 1967).

في سبيل الزمالك: عبدالحكيم عامر أرسل طائرة عسكرية لإحضار حمادة إمام من غزة أثناء الإعداد لامتحان الثانوية العامة 

سعد زغلول يحسم امتحان "التتش"

البداية كانت في صيف عام 1924، خلال مشاركة مصر في دورة الألعاب الأوليمبية الثامنة التي أقيمت في باريس، وواكب موعدها امتحان شهادة الكفاءة (المرحلة الأولى من الثانوية العامة آنذاك)، الأمر الذي استدعى تدخلاً من رئيس الوزراء سعد زغلول لحل أزمة اللاعب محمود مختار، الذي عُرف في ما بعد باسم "التتش"، أسطورة النادي الأهلي.

أشار الصحافي والناقد الرياضي حسن المستكاوي إلى هذه الواقعة في كتابه "النادي الأهلي"، ااذي جاء فيه: "تحرَّج الموقف أمام ناظر المعارف (وزير التربية والتعليم)، محمد سعيد باشا، بسبب التلميذ محمود مختار (التتش)، الذي كان عليه أن يختار بين التضحية بالشهادة حتى يتسنى له السفر مع فريق الكرة، أو يتخلف عن السفر"، مضيفاً: "ولم يتردد التتش إذ قرر التضحية بالشهادة، لكن والده الدكتور محمد رفاعي رفض أن يوافق على سفر ابنه حرصاً على مستقبله، ولهذا اضطر الوزير إلى عرض المشكلة على صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء سعد زغلول باشا".

وهكذا كان. ردّ زغلول باشا: "لقد كنت أول رئيس للنادي الأهلي للرياضة البدنية، وأنا أريد لأبنائنا أن يمارسوا الرياضة؛ فهي غذاء للعقل والجسم الروح، ولهذا فإني لا أقبل أن يضحي التلميذ بشهادته، ولا أقبل أن يحرم من رياضته، ولهذا فإني أوافق على سفر محمود مختار مع فريقه إلى باريس، وأن ترسل أوراق امتحانه إلى المفوضية المصرية لكي يمتحن هناك".

ويستنتج الناقد والصحافي الرياضي ياسر أيوب أن اهتمام الزعيم الوفدي بمستقبل التتش ومشاركته في المسابقات الاوليمبية باسم مصر هو دليل على الشعبية التي وصلت إليها كرة القدم في مصر في بداية القرن. يقول أيوب في كتابه "مصر وكرة القدم التاريخ الحقيقي.. أين وكيف بدأت الحكاية؟": "إلى هذا الحد باتت كرة القدم لعبة شديدة التأثير في مصر، بالنفوذ والشعبية التي تجعل رئيس الحكومة يتدخل بنفسه لحل إحدى أزماتها، إلى جانب الاهتمام الصحافي الذي لم تحظ به أية لعبة أخرى في مصر مهما كانت نجاحاتها وبطولاتها، وكان تفسير أو سبب ذلك هو أن كرة القدم باتت لعبة تملك اتحاداً يتحدث باسمها ويرعى شؤونها، ويحافظ على حقوقها واستقلالها".

حظيت كرة القدم باهتمام لم تحرزه أي لعبة أخرى، إذ أن هناك بطلات وأبطال مارسوا رياضات أخرى حاولوا أن يحظوا ببعض التدليل الذي يناله لاعبي الكرة من الدولة، إلا أنهم فشلوا في الحصول على أي اهتمام

طائرة عسكرية لـ"حمادة إمام"

في خمسينيات القرن الماضي، توهج نجم حمادة إمام لاعب نادي لزمالك، الملقب بـ"الثعلب الكبير". وفي هذه الأثناء؛ كانت هناك مباراة فاصلة بين الأبيض والغريم التقليدي "الأهلي"، واللاعب في غزة، رفقة والده - نائب الحكم العسكري آنذاك - يستعد لامتحانات الثانوية العامة. فأرسل المشير عبد الحكيم عامر – وزير الحربية (الدفاع حالياً)- الذي كان معروفاً بحبه للنادي الأبيض، طائرة عسكرية خاصة لإحضار إمام للمشاركة في لقاء قطبَي الكرة المصرية.

هذه الواقعة نقلتها الدكتورة ماجي الحلواني، في كتابها "إمبراطورية إمام الكروية"، الصادر عام 2021، عن زوجها الراحل حمادة إمام، الذي قال: "في ذلك الوقت كنت ألعب تحت 16 عاماً، وفي عام 1956 أو 1957، لا أتذكر بالضبط، لعبت في فريق تحت 18 سنة، وتحت 20 سنة في نفس الوقت، وأحرزت في [مرمى] الأهلي هدفين مع فريق 18، وحين حان موعد مباراتنا مع الأهلي لفريق تحت 21، كنت في غزة عند والدي نائب الحاكم العسكري، أتفرغ للمذاكرة من أجل اجتياز امتحانات الثانوية العامة".

ويستمر إمام في سرد تفاصيل الحادثة: "وعلم المسؤولون بوجودي في غزة، ولكنهم أصروا على حضوري. لأنها كانت مباراة فاصلة في نهائي الكأس، فقد تعادل الفريقان بدون أهداف في المباراة الأولى، وقتها لم يكن القانون الخاص بالاحتكام إلى الأشواط الإضافية ثم ضربات الترجيح، لذلك كان يجب أن يلعب الفريقان مباراة فاصلة، وأخذوا الإذن من المشير عبد الحكيم عامر، وهو زملكاوي كما هو معروف، وأُرسِلت طائرة عسكرية أخذتني من غزة إلى القاهرة لأصل قبل المباراة بأربع ساعات فقط [...] وأنا في غاية الإرهاق والقلق من المسؤولية التي ألقوها على عاتقي".

امتحان في الصباح ومباراة بعد الظهر

عام 1991، شارك منتخب مصر للشباب (تحت الـ20) في بطولة كأس العالم بالبرتغال، بين 14 و 30 حزيران/يونيو، بالتزامن مع امتحانات الثانوية العامة، وأوقعت القرعة منتخب الفراعنة في المجموعة الثالثة مع أستراليا والاتحاد السوفياتي (روسيا حالياً)، وجمهورية ترينيداد وتوباغو.

وكان في عداد بعثة المنتخب المصري لاعبون يخضعون لامتحانات الثانوية العامة، ويبدو أن الدولة تدخلت لحل أزمتهم بأن نقلت أوراق اختباراتهم إلى السفارة المصرية بالبرتغال.

هذه الوقائع أشار إليها مدرب منتخب مصر آنذاك، محمد أبو العز، في حوار مع جريدة "الفرسان" الرياضية، بعد انتهاء البطولة. قال: "إن مشاكل المنتخب المصري بدأت بمصادفة موعد كأس العالم مع امتحانات الثانوية العامة، التي سيتقدم لامتحاناتها ثمانية لاعبين (...) تقدم الثمانية لامتحانات الثانوية في الصباح، ولعبوا أمام روسيا في المساء، وخسر المنتخب المصري اللقاء بهدف من دون رد"، وودّع الفراعنة البطولة من الدور الأول.

"20 لاعب عندهم امتحانات"

وعام 1997 توافقت بطولة كأس الأمم الأفريقية للناشئين المقامة في بتسوانا مع امتحانات الثانوية العامة، فتدخل رئيس الوزارء الدكتور كمال الجنزوري والدكتور حسين كامل بهاء الدين - وزير التعليم آنذاك- لحل الأزمة، خاصة أن 20 لاعباً في المنتخب كان لديهم اختبارات في هذا التوقيت، وقد أداها اللاعبون داخل السفارة المصرية في العاصمة غابورون، وفقاً لما نقلت مجلة "أكتوبر" في العام ذاته.

وتمكن المنتخب المصري من حسم هذه البطولة لصالحه بعد انتصاره في المباراة النهائية على مالي بهدف من دون رد.

ركز في مذاكرتك يا رامي!

على خلاف الوقائع السابقة التي تدخل المسؤولون لحلها، كانت هناك وقائع أخرى قرر اللاعبون أنفسهم خلالها تأجيل امتحاناتهم من أجل المشاركة في المباريات، ومنهم رامي ربيعة، المدافع الحالي في النادي الأهلي، إذ فعل ذلك من أجل مباراة ودية خاضها مع منتخب مصر عام 2012.

يروي الكاتب محمد فتحي في كتابه "الحارة المزنوقة"، الصادر عام 2014، تفاصيل ما حدث: "رامي ربيعة 19 سنة (آنذاك)، لاعب وسط مدافع النادي الأهلي (مستمر إلى الآن)، وهو طالب في كلية التجارة، كان سيبدأ امتحاناته خلال أيام، لكن منتخب مصر الأول، ومديره الفني (وقتها) بوب برادلي، قررا استدعاءه للخدمة الوطنية في صفوف الفريق خلال مباراة ودية تافهة فنياً وغير مهمة مع المنتخب القطري في قطر، وكان الولد يفكر في الاعتذار بسبب الامتحانات، لكنه تراجع، وقرر أن يعتذر عن الامتحانات نفسها حتى يكون تحت أمر مصر، والمثير أن الجهاز الفني للمنتخب (اتبسط - فرح) من قرار الولد".

ويعلق المؤلف في كتابه الذي اعتمد على السخرية من الأوضاع السياسية والاجتماعية: "وهكذا نرسخ فكرة أن (اللعب الودي) أهم من الامتحانات حتى لو كانت مباراة تافهة، ولنضع عنواناً مثيراً للأمر بأن يقول رامي إنه: ‘تحت أمر مصر’. مصر بتقول لك ركز في مذاكرتك يا رامي، فلاعبي الكرة البصمجية أكثر من هؤلاء الذين تخرجوا في جامعات. المذاكرة يا ابني الله يكرمك أنا زي أخوك الكبير وبرادلي مش هينفعك".

المكافأة صفر

هكذا حظيت كرة القدم باهتمام لم تحرزه أي لعبة أخرى، إذ أن هناك بطلات وأبطال مارسوا رياضات أخرى حاولوا أن يحظوا ببعض التدليل الذي يناله لاعبي الكرة من الدولة، منهن لاعبة الرماية نورهان عامر التي قررت عام 2011 تأجيل خوض امتحانات الثانوية العامة لتأخر الدولة في التدخل لتسهيل امتحاناتها على غرار لاعبي الكرة، وذلك أثناء مشاركة نورهان في البطولة الأفريقية التي نظمتها مصر آنذاك، وتأهلت نورهان للمشاركة باسم مصر في أولمبياد لندن 2012. وقد تمكنت من الفوز آنذاك بذهبية البطولة، وتأهلت لأولمبياد لندن. وأكدت مجلة "صباح الخير" في تقرير لها عام 2011، أن نورهان "لم تتلق أي مكافأة مقابل فوزها، ولم تأخذ حقها من الدعاية الإعلامية والجماهيرية، برغم أنها أجلت دخولها امتحانات الثانوية العامة، العام الماضي، لتستعد للبطولة بمعاونة والدها الكابتن محمد عامر، مدرب المنتخب القومي".

يتضح من تلك الوقائع أن لكرة القدم التأثير الأكبر، وأن اللاعبين يتمتعون بنفوذ لم يبلغه غيرهم، إلى الحد الذي جعل الحكومات تتدخل من أجل حل مشكلاتهم ومشكلات اللعبة

وشاركت نورهان المتخصصة في فئة الرماية "10 أمتار، بندقية"، في منافسات دورة الألعاب الأولمبية بلندن، لكن ودعتها بعد فشلها في التأهل إلى المرحلة النهائية، خلال التصفيات التي أقيمت في 28 تموز/يوليو عام 2012، وجاءت في المركز الـ41.

"التعليم" ترفض طلب بطلة الأولمبياد

في مقابل العناية التي يحظى بها لاعبو كرة القدم، فاجأت وزارة التربية والتعليم سارة سمير بطلة مصر الأوليمبية عام 2016، برفض طلبها تأجيل امتحانات الثانوية العامة حتى تتمكن اللاعبة من التحضير للمشاركة في أولمبياد ريو دي جانيرو بين 5 و 21 آب/أغسطس من العام ذاته.

حينذاك أوضح الدكتور الهلالي الشربيني، وزير التربية والتعليم السابق، أن سارة سمير طلبت تأجيل الامتحان بخطاب رفعته إلى وزارة الشباب والرياضة، لكن قطاع التعليم رفض ذلك لأنها ستكون في مصر أثناء الامتحانات.

وأصدر الوزير الشربيني قراراً يسمح لسارة بدخول امتحانات الدور الثاني بالدرجات الفعلية من دون خفض أي نسبة. إلا أن اللاعبة لم تتقدم إلى الامتحانات، وهذا ما جعل البعض يطالب بعقد لجنة خاصة لها، بعدما نجحت في الفوز بالميدالية البرونزية في ريو دي جانيرو، لتصبح أصغر مصرية تتسلم هذه الميدالية على منصة التتويج الأولمبية.

وفي 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، ضاع العام الدراسي على البطلة إذ أيدت لجنة الفتوى بمجلس الدولة قرار الإدارة القانونية في وزارة التربية والتعليم، بعدم جواز عقد امتحان لسارة في موعد استثنائي باعتبار أن ذلك مخالف للقواعد الحاكمة والمنظِّمة لامتحانات الثانوية العامة، لكن مع عدم احتساب هذا العام ضمن عدد مرات الرسوب.

مملكة كرة القدم

يتضح من تلك الوقائع أن لكرة القدم التأثير الأكبر، وأن اللاعبين يتمتعون بنفوذ لم يبلغه غيرهم، إلى الحد الذي جعل الحكومات تتدخل من أجل حل مشكلاتهم ومشكلات اللعبة.

في دراسة عنوانها "الكرة والسياسة"، كتب الدكتور أحمد خميس، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان أن "رفع الروح الوطنية من عناصر كرة القدم السياسية"، موضحاً: "يرتبط هذا العنصر بالفرق الوطنية، سواء في أفريقيا أو آسيا، أو القارات أو العالم لأن إحراز المنتخب الوطني الكأس في اللعبة يسهم فى رفع الروح الوطنية للمواطنين، وبالتالي لا يفوت أي نظام حاكم حول العالم استثمار هذا الفوز لصالحه".

ويضيف خميس في دراسته التي نشرها مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن "الحصول على الشرعية الداخلية" من عناصر كرة القدم السياسية أيضاً، مشيراً إلى أن "أي نظام حاكم يسعى إلى حشد المواطنين خلفه، خاصة مع فرق نوادٍ ذات شعبية هادرة، من خلال حضور المباريات النهائية أو إعلان الانضمام وتأييد فريق ما، أو الجمع بين منصب رسمي وآخر رياضي/ كروي"، وهو ما ظهر في حالة عبد الحكيم عامر المشير رئيس اتحاد الكرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard