جليل السقايطي... بطل غوص حلمه حماية الشواطئ المغربية من التلوث

الأحد 28 نوفمبر 202105:16 م

في مدينة "سلا" الساحلية، قرب العاصمة المغربية الرباط، وُلِد حلمه، وباتت عيون الغد تغازل روحه مع كل موجة تتكسر على شواطئ المدينة. يحمل على عاتقه مستقبل الشباب الذين يخاف عليهم من الوقوع في بؤر التطرف والإدمان، وخِشْيَةٌ أخرى تحذّره من غدر الأمواج التي تبتلع الصغار متى كانوا لا يجيدون السباحة، ومخاوف أكبر على مدينته العريقة من أضرار التلوث.

حبه للمدينة ولناسها ولنهر أبي رقراق الذي يجد مصبّه في المحيط الأطلسي أمام أسوار قلعة "قصبة شالّة"، ألهمه فكرة استغلال موهبته في الغوص الحرّ الثابت، لخدمة البيئة الساحلية المغربية والمجتمع المغربي. من هنا قرر بطل المغرب في الغوص عبد الجليل السقايطي (1979) تأسيس جمعية المرجان للغوص والرياضات المائية لكي تبدأ معها الرحلة إلى الشهرة والاعتراف "المَلكيّ".

غوص آمن...

"بحكم أني ابن مدينة ساحلية تمكّنت من أن أكون سباحاً ماهراً" بهذه العبارة بدأ السقايطي، حديثه لرصيف 22، حول رحلته في عالم الغوص الحر وجهوده لتنظيف الشواطئ المغربية التي بدأت منذ 15 عام، من خلال الصيد الرياضي. بحكم أنها رياضة خطيرة حاول بخطوات بسيطة نشر الوعي بين الشباب المقبل عليها حتى يمارسها في أمن وأمان، والسبب الذي دفعه إلى ذلك هو وقوع الكثير من الحوادث المميتة التي تحدث بسبب الصيد المائي أو الغوص الحر، ولكي يجعل هذه النصائح حقاً للجميع قرر تأسيس منظمة غير مدنية. هكذا خرجت فكرة تأسيس جمعية المرجان للغوص والرياضات المائية، إلى النور مطلع عام 2014.

"بحكم أني ابن مدينة ساحلية تمكّنت من أن أكون سباحاً ماهراً" بطل الغطس المغربي جليل سقايطي  يدافع عبر الرياضة والعمل المدني على الحفاظ على البيئة، ليحصل على "درع أميري"

إذ كان هدف السقايطي، من تأسيس الجمعية استثمارَ طاقةِ الشباب في خدمة البيئة حتى يزرع بداخلهم هاجس الحفاظ عليها من تهديدات التلوث، فإن الشق الآخر من عمله هو التشجيع على ممارسة رياضة الغوص المائية: "كنت أُدِيرُ الجمعية في البداية بجهود بسيطة لتسليط الضوء على هذا الوسط البيئي الذي يحتاج تعاملاً آخر من المترددين عليه"، يقول المدرب الدوليّ في الغوص.

أدرك جليل، وهذا اسم شهرته وسط الغواصين، أن واجبه الإنساني يحتّم عليه أن يقدم خدماته البيئية إلى مدينته ويشجع كل المواطنين المغاربة على العمل التطوعي للحفاظ على البيئة: "وجدت إقبالا من سكان سلا، وقمت بتنظيم حملة بيئية لرياضة الغوص الحر، للتخلص من النفايات العالقة في قاع نهر أبي رقراق، ومراسي قوارب السمك". كان لهذه الأنشطة أثر واضح على سكان المناطق المحيطة بأبي رقراق، ولاقت ترحيب الأهالي واندماج الشباب والشابات الذين تحمسوا لخدمة مجتمعهم وبيئتهم.

يقول: "كانت المحافظة على وجود النشاط الرياضي هدفاً لابد من العمل عليه". ولهذا اختار، أن يكرس وقته لصالح خدمة الأعمال البيئية والبيئة نفسها، فهو يرى أن هذا النوع من الأنشطة ويقصد "الغوص الحر" لا يقوم به إلاًّ الغواصون المحترفون، وليس بإمكان أي غواص أو سباح عادي أن يخرج النفايات من قيعان البحر.

مرجان للجميع...

استطاع السقايطي، أن يستفيد من حب الشباب المغربي، للرياضات البحرية فقام بدمجه مع حب البيئة وخدمتها داخل نفوسهم، مما جعل الصغار والكبار يقبلون على الانضمام إلى جمعية "المرجان" متطوعين لخدمة البيئة الساحلية المغربية.

وفي هذا الصدد يشرح: " لا تقتصر الجمعية على الصغار فقط بل تفتح بابها للجميع من نساء ورجال وأطفال كما تضم فئات من أصحاب ذوي القدرات الخاصة لتدريبهم على رياضة الغوص". تركز جمعية المرجان للغوص والرياضات المائية، على ثلاثة مجالات رئيسية. يهتم الأول بالرياضات تحت المائية كاملة، كالغوص الحرّ والغوص بالمعدات والسباحة بالزعانف بينما المجال الثاني هو خدمة البيئة الساحلية في المغرب وتنظيف السواحل المغربية وعن هذا يقول جليل: "قدَّمَتِ الجمعية جهوداً واسعة في تنظيف قاع وادي ابي رقراق أو المارينا أو الميناء"، أما الجانب الثالث فهو الإنقاذ كما يشرح لنا: "تنظم الجمعية دورات تستطيع من خلالها تدريب منقذين جدد لحماية الأهالي من الغرق".

ولأن الجمعية منفتحة على جميع الفئات فإنها تساعد الفتيات على دخولِ عالم حكرٍ على الرجال. يقول عن ذلك: "السبب الأول لتعليم الفتياتِ السّباحة والغوص هو حمايتهن من الغرق. وقد حظيت العديد من الفتيات والشابات بالدعم والاهتمام، من قبل المرجان، ليشاركن زملائهنَّ الذكور في إنقاذ أي شخص يتعرض للخطر على السواحل المغربية، وفيما بعد يمكن للجمعية أن تكتشف بينهن المواهب البحرية التي يتم إدخالها في المحافل الرياضية المحلية والدولية ويتمكنّ بذلك من تعزيز وجودهنّ وتمكين أنفسهنّ ورفعة المغرب".

إطلاق جليل للعديد من المبادرات المبتكرة التي تجمع ما بين التربية على رياضة الغوص وحماية البيئة، من مدينته سلا، نجحت في لفت أنظار الإعلام المغربي، الذي حرص على متابعة نشاط جمعية المرجان. أمر جعل الشباب، ذكورا وإناثاً، يقبلون من كافة المدن المغربية لينضموا إلى الدورات التدريبية ومنها إلى العمل التطوعي. هذه الحماسة الجماعية وصل صداها إلى "القصر الملكي"، فاستفادت الجمعية من دعم "مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة"، وهي مؤسسة رسمية تعنى بدعم الأنشطة والتجارب المدنية الخاصة بالبيئة. يقول جليل عن هذه الدفعة: "كجمعية انخرطنا مع مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة في تنظيم ورشات عمل ميدانية على الشواطئ المغربية".

وفي الجانب الرياضي نجحت جمعية "المرجان" في المشاركة في مسابقات وطنية ودولية وعالمية عديدة وتحقيق التتويج.

بفضل جمعية "المرجان" يبحث المغربي جليلي سقايطي عن أهم الثروات: الحفاظ على بيئة مدينة سلا المغربية العريقة

يقول بطل الغوص: "فزنا ببطولات وطنية وشاركنا في مسابقات عالمية، ومن قلب الجمعية خرَجَت مواهبُ بحرية. ففي مجال السباحة بالزعانف والغوص مثَّلَتْ جمعيتنا المغرب في بطولة العالم الأخيرة التي نظمت في روسيا، وحصل أشبالها على مراكز متقدمة في مسابقة الغوص بالمسابح المغربية عام 2019، أما في 2020، فحصدت فتياتنا المركز الثاني في بطولة السباحة بالزعانف المغربية، وعلى صعيد الفرق نحتل المركز الثالث في السباحة بالزعانف في المياه المفتوحة".

مسيرة من التميز

حصل السقايطي، بفضل نشاطه الرياضي والبيئي الدائم، على درع الأميرة حسناء للساحل المستدام، لحماية البيئة موسم 2018، وفي عام 2016، فاز ببطولة العرش في رياضة الغوص الحر. هذا الاعتراف نتيجة مسيرة سنوات طويلة راكم فيها التجارب ليصبح مدرباً دوليا في الإنقاذ المائي، ورئيس لجنة الغوص الحرّ في الجامعة الملكية للغوص. ويرى جليل أن الاعتراف الوطني بتجربته نتيجة عمل جماعي. إذ يقول: "مساهمتي الشخصية هي مساهمة الجمعية بأكملها، وقد أصبحت إلزامية بعد تتويجي بالدرع الأميري".

وإن كانت محاربة التلوث البيئي هي رأسمال بطل الغواص، إلا أنه يحاول جاهداً اقتسامه مع الشباب في مجموعات تطوعية تدعم العمل الجماعي، الذي يعتبره خطوة مثاليةً للحصول على شواطئ نظيفة وبيئة خالية من التلوث على مستوى المملكة المغربية.

كما لا يكتفي المدرّب الدولي بالعمل في مدينته بل يقوم بالتنقل دوريا إلى المدن الساحلية من الجنوب والشمال من أجل تعليم ونشر الفكر البيئي على مستوى المغرب. كما دشن جملة من الدورات التدريبية التي استفاد خلالها الشباب من تعليم السباحة والتنوع البيولوجي وسبل حماية الكائنات البحرية من التلوث وتدوير النفايات، ويرى أن "هذه الدورات التدريبية تركت الأثر المراد حسب استطلاعات الرأي التي تقام بعد كل دورة كما تؤثِّر خاصةً في الأطفال الذين أصبحوا بدورهم خير سفراء للبيئة في مدارسهم وعلى مستوى عائلاتهم".

نقطة في واد؟

يرى المدافع عن البيئة أن الأهم هو نشر ثقافة البيئة وإلا فإن كل مجهود يتحول إلى نقطة في واد. ويقول عن ذلك: "أعتبر أن الشواطئ التي تعاني من التلوث ترتبط بمسألة ثقافة المواطن الذي لم يسلط له الضوء على حركات البسيطة لحماية البيئة".

ويرى السقايطي، أن مؤسسة محمد السادس الراعي للقطاع البيئي تقوم بعمل جبار بين العلمي والأكاديمي، يرتكز على أسس علمية. إذ تنظم المؤسسة عملها بين شركات خاصة برعاية البيئة بالإضافة إلى قطاعات حكومية مسؤولة عن الشواطئ، وهذه المجهودات نجحت في رفع "اللواء الأزرق" في العديد من الشواطئ، الذي يعتبر علامة على جودة رمالها ومياهها.

ويعتبر المدرب الدولي أن حجم التلوث المائي يعود إلى قلة وعي المواطن بأهمية الحفاظ على البيئة قائلا: "لا نراهن على كميّة النفايات المستخرجة من البحر لتؤثر في حجم تلوث البيئة بل نحاول أن نسوّق لهذه الأنشطة من ناحية الإعلام والتركيز على النشاط البيئي ليصل إلى الملايين ويكون هناك انتشار للوعي البيئي".

كل هذا التفوق الذي حققه جليل، معتمدا على الإرادة الفردية التي دعمت فيما بعد من قبل المؤسسات الرسمية والمجتمع المغربي بشكل عام، لا يوقف طموحاته. فهو يحلم اليوم بتنظيم مهرجان يبدأ من مدينة سلا، باحثاً وداعماً للمواهب الرياضية خاصة والأنشطة البيئية والاجتماعية والثقافية عامة. يحشد المهرجان ضيوفه من كل أطياف الأرض، ومن خلاله يتمكن من غرس التنافس الخدمي والتطوعي بين الجميع ويقيس مردود هذا التأثير على البيئة برّاً وبحراً. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard