"نحتاج إلى مجال سينمائي مفتوح أكثر للفلسطينيين"... حوار مع الممثل الشاب أحمد المنيراوي

الثلاثاء 22 فبراير 202204:17 م

احتاج إلى ثلاث سنوات مع ثلاث تأشيرات ومحاولات عدة لدخول دول مختلفة، حتى استطاع السفر خارج قطاع غزة. تحمّل مأساة الانتظار والقصف الاسرائيلي من أجل حلمه بأن يكون ممثلاً سينمائياً، وبعد خمس سنوات خارج غزة حظي بدور بطولةٍ في فيلمٍ سينمائي عربي، ليكون أحمد المنيراوي (28 عاماً)، أول ممثل فلسطيني من غزة يشارك في دور أساسي في فيلم عربي مشترك.

بملامحه المميزة، وتجربته في الحياة ضمن بيئة سجن كبير في قطاع غزة، وجد المخرج المصري-الألماني قبل نحو عامين، وبعد فترة من البحث، ضالته في المنيراوي، ليكون بطل فيم "شرف" المقتبس من رواية الكاتب صنع الله إبراهيم، والذي يحاكي بتفاصيل حياتية ونفسية وبتفاعل بين شخصيات عدة، واقع المجتمعات العربية، والحياة وراء القضبان في السجون العربية.

واجه المنيراوي الكثير من العقبات في حياته، انطلاقاً من غزة، وصولاً إلى العاصمة التونسية، إلى أن وصل إلى محل إقامته الحالي في برلين في ألمانيا. وقد عُرض فيلم "شرف" في كانون الأول/ ديسمبر نهاية العام الماضي، في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في جدة، وسط إشادة كبيرة من الحاضرين والمخرجين والممثلين، وإبداء إعجابهم بأداء أحمد في أول تجربة سينمائيّة له.

ناجٍ من الحرب وسجن غزة

شارك المنيراوي خلال سنواته المدرسية في عروض مسرحية وأدوار سينمائية وكتابة نصوص أدبية وإلقائها، وبعد أن أنهى دراسته عام 2013، رغب في السفر خارج قطاع غزة، لكنه اصطدم بإغلاق معبر رفح الحدودي مع مصر في تلك الفترة، ثم جاء العدوان الإسرائيلي صيف 2014، ونجا مرتين خلاله من الموت، خصوصاً في مجزرة "الجمعة السوداء" التي وقعت في الأول من آب/ أغسطس من ذلك العام.

يروي من ذاكرته عن الحادثة، في بداية حواره مع رصيف22: "في المرة الأولى قُصف منزل جيراننا، وأخلينا منزلنا، وعدت مسرعاً لإغلاق الغاز حتى لا يحدث دمار مضاعف، لكن القصف لم يؤذِ المنزل لحسن الحظ. وفي المرة الثانية كنت نائماً، وخاطر أخي بالقدوم وسحبي من الفراش، وكنت على بعد أمتار بسيطة من تفجير الصاروخ التحذيري، ثم جاء الدمار الكبير ودُمّر منزلنا جزئياً، كما أذكر عندما صعدنا تسعة أفراد في سيارة واحدة للهروب... هذه الأحداث كلها صقلت شخصيتي وصنعت مني شخصاً آخر".

أحمد المنيراوي أول ممثل فلسطيني من غزة يشارك في دور أساسي في فيلم عربي مشترك هو فيلم "شرف".

خاض المنيراوي أكثر من عشر محاولات على مدار ثلاث سنوات للخروج من معبر رفح الحدودي بين صيف 2013 ومنتصف عام 2016، من أجل السفر للدراسة، ففي تلك الفترة كان المعبر يُفتح لثلاثة أيام كل شهرين أو ثلاثة. حصل على قبول في جامعات ومعاهد عدة، مثل المعهد العالي للسينما في مصر، وقسم الأدب العربي في جامعة القاهرة، وقبولات جامعية من جامعات في أوكرانيا وبيلاروسيا والصين، لكن تلك الأحلام كلها كانت تسقط أمام إغلاق المعبر.

وعن نجاحه في الخروج أخيراً، يقول: "في آخر محاولة للسفر إلى تونس، شعرت بإمكانية فتح المعبر في وقتٍ مبكر، وبصعوبة جددت جواز سفري في اللحظة الأخيرة بمساعدة صديقة في رام الله، وعندما وصلت إلى رفح بعد معاناة وانتظار لمدة يومين، أُغلق المعبر، مع العلم أنّ تأشيرة دخولي إلى تونس كانت ستنتهي بعد أسبوعين. شعرت بالانهيار، وبعد لحظات جاء خبر أن المصريين مستمرون في العمل يوماً إضافياً، فقضينا يوماً في الباص، وسافرت".

البداية: تونس

حصل المنيراوي على درجة البكالوريوس في تخصص تكنولوجيا المعلومات في معهد الدراسات في تونس. قضى هناك خمس سنوات بين الدراسة والعمل مسؤولاً للتواصل الإعلامي في مركز "مدافع لحقوق الإنسان"، ومصوراً فوتوغرافياً لبعض الصحف والمهرجانات الفنية الدولية.

بالتوازي مع كل ذلك، حاول خوض تجربة التمثيل السينمائي الذي يحبه كثيراً، لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة. تقدّم لعرض لكنه لم ينجح فيه، وفي عام 2019 شارك في تجربة أداء أمام مخرج يبحث عن ممثلين لأدوار قصيرة. "سجلت دوراً بسيطاً وأرسلته إلى مساعدة المخرج، فحصلت على قبول مبدئي، وفي يوم أداء التجارب أتذكر أنني انتظرت طويلاً، ثم كلفني المخرج سمير نصر بأداء دور من أربعة مشاهد، بعد ذلك شاءت الظروف أن تراجَعَ الممثل المكلف بدور البطولة عن التمثيل، وبعد يومين منحني المخرج هذا الدور".

هذا القرار لم يكن نابعاً كما يقول المنيراوي من موهبته وأدائه فحسب، وإنما من معرفة المخرج بالتجارب التي عاشها في غزة، فرأى أنه أكثر كفاءةً لأداء دور شخصية عاشت في حياتها تفاصيل تجربة حقيقية مشابهة لتلك السينمائية، كما أن المخرج كان يبحث عن شاب يشبه الممثل المصري الراحل أحمد زكي في شبابه، ووجد شكل المنيراوي قريباً منه بعد حلق الشعر والذقن.

انطلاقة قوية

يتحدث فيلم "شرف" عن صعوبة الحياة وراء القضبان، من خلال رواية قصة الشاب "شرف"، الذي يدخل السجن بعد جريمة دفاع عن النفس، ويتعرض للمظلومية والمعاملة السيئة إلى جانب السجناء الآخرين، وهم من جنسيات عربية مختلفة، مصرية وتونسية وجزائرية ولبنانية وليبية وسورية، بالإضافة إلى الفلسطينية، والفيلم بحبكته هذه يكشف طبيعة المجتمع العربي بأكمله من خلال عالم السجن الذي يصوره.

واجهت نظرات تخبرني أنني خارق، بعد معرفتهم بأنني ممثل قادم من قطاع غزة المحاصر، هذا بسبب جهل العالم الذي لا يتوقع وجود ممثلين وفنانين ومبدعين من فلسطين، لأن الاحتلال الإسرائيلي وآلته الدعائية دوماً يصدّران صورةً عنا بأننا ضحايا ولدينا مشكلات وعنف

لم يكن العمل في الفيلم سهلاً كما يبيّن المنيراوي، سواء من حيث الصعوبات اللوجستية، أو ضغط الوقت على الممثلين والمخرج وطاقم العمل، "لكننا تناسينا كل تلك الظروف عندما نجح الفيلم في العرض الأول في مهرجان البحر الأحمر الدولي في السعودية، وحصل على إشادة كبيرة من لجنة التحكيم". وبعد انتهاء فترة عروضه في بقية المهرجانات، يوضح المنيراوي أن الفيلم سينتقل إلى العرض السينمائي في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا، وفي طريقه إلى بقية الدول الأوروبية والأمريكية.

وعن تلك الإشادة والنجاح يقول الممثل الشاب: "نحن لسنا ضحايا، نحن نعيش ألماً من احتلال نواجهه كل يوم وكل لحظة. لدينا الكثير من المشاعر لنصوّرها ونشاركها مع العالم، وقد واجهت نظرات تخبرني أنني خارق، بعد معرفتهم بأنني ممثل قادم من قطاع غزة المحاصر، هذا بسبب جهل العالم الذي لا يتوقع وجود ممثلين وفنانين ومبدعين من فلسطين، لأن الاحتلال الإسرائيلي وآلته الدعائية دوماً يصدّران صورةً عنا بأننا ضحايا ولدينا مشكلات وعنف، وهي الصورة التي باتت اليوم ملتصقةً بنا مع الأسف، لكننا نسعى إلى تغييرها على الأصعدة كلها".

تحديات يومية لفلسطيني في أوروبا

بعد فيلم "شرف" والنجاح الكبير الذي رافقه، رفض أحمد المنيراوي أربعة عروض لمشاريع سينمائيّة من شركات إنتاج إسرائيلية، ويبرر ذلك بالقول: "تتطلع إسرائيل اليوم إلى التطبيع من بوابة السلام الناعم، وأنا أرفض العمل مع منتجين وممثلين ومخرجين لا يؤمنون بحرية الشعب الفلسطيني، ويفرضون الاعتراف بالجرائم الواقعة في حقه".

ويرى الشاب أن جزءاً لا يستهان به من الإنتاج السينمائي الأوروبي يسعى إلى تحسين صورة "الرجل الأبيض"، وتصديره على أنه داعم لقضايا اللاجئين والمهاجرين، من دون الحرص على إظهار معاناة شريحة كبيرة منهم عنصرية وطبقيّة، ويعبر عن انزعاجه من أن ألمانيا لا تعترف بوجود دولة فلسطين، وهو ما يزيد من تحدياته اليومية، إذ إن الوجود الإسرائيلي وروايته أقوى حيث يعيش اليوم.

سينمائياً نحتاج إلى أن يكون هناك مجال مفتوح للفلسطيني حتى يصوّر قضيته بالطريقة التي يراها، والتي يسعى إلى إظهارها من وجهة نظره للحقيقة وجوانبها، من دون محددات وقيود وحذف للمشاهد التي قد تراها جهات معيّنة غير ملائمة لوجهة نظرها وتوجهاتها

"على الرغم من دعم الاتحاد الأوروبي للشؤون الفلسطينية والمؤسساتية في الأعوام الأخيرة، والتضامن الأوروبي مع الفلسطينيين بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة في أيار/ مايو 2021، وأحداث الشيخ جرّاح في القدس، إلا أن الدول الأوروبية لا تزال تقدّم دعماً عسكرياً ولوجستياً وإعلامياً لإسرائيل، ويتجلى هذا الدعم بشكل واضح في السينما، خصوصاً مع تقدم السينما الإسرائيليّة في الظهور بشكلٍ أسرع في السنوات الأخيرة"، يقول.

وفي مواجهة ذلك كله، يرى المنيراوي أن القضية الفلسطينية بحاجة إلى سرد روايتها بحقيقتها، خصوصاً من مصادر إعلاميّة تجيد التحدث باللغات الأوروبية، ويضيف: "سينمائياً نحتاج إلى أن يكون هناك مجال مفتوح للفلسطيني حتى يصوّر قضيته بالطريقة التي يراها، والتي يسعى إلى إظهارها من وجهة نظره للحقيقة وجوانبها، من دون محددات وقيود وحذف للمشاهد التي قد تراها جهات معيّنة غير ملائمة لوجهة نظرها وتوجهاتها".

ويتطلع إلى أن يمثل ويخرج أفلاماً تلامس واقع الفلسطينيين من دون مبالغة، مع سعيه إلى إقحام نفسه في تجارب عربيّة وعالميّة، في السينما الفلسطينية والمصرية وحتى في هوليوود، مع التركيز على القضايا الأهم بالنسبة إليه، مثل قضية الأسرى، ومعاناة الفلسطينيين على الحدود، "فكثيرون من الناس لا يعلمون شيئاً عن فلسطين، وتحديداً عن هذه القضايا".

ويختم حديثه بالقول: "كفنان فلسطيني دخل الساحة الفنية مؤخراً، ويحاول الاطّلاع على تفاصيلها كلها، أعتقد أن الفن الفلسطيني وهويّته وأبناءه وممثليه وفنانينه بجميع توجهاتهم وهوياتهم، ينتصرون في أماكن عدة في الفترة الأخيرة. وجود العديد من الفنانين الفلسطينيين في أفلام سينمائية، وإخراج أفلام أخرى من قبل مخرجين فلسطينيين في الداخل أو في المهجر وعرضها في الخارج، ما هو إلا مؤشر على التزام حقيقي من الفنانين الفلسطينيين ووعيهم بحجم المسؤولية المترتبة على وجودهم خارج الديار، في أماكن لا تعرف شيئاً عن فلسطين وأهلها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard