شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!

"رفضتُ أن يتواجد معي في أثناء الجراحة"... لماذا يفضّل البعض الممرضة على الممرض؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الخميس 18 نوفمبر 202103:01 م

بدأت مهنة التمريض في القرن التاسع عشر، كمهنة نسائية بشكل عام، لمساعدة الجرحى والمرضى في الحروب، ثم بدأ الذكور مع مرور السنوات يدخلونها، ولكنهم لم يحصلوا على المكانة نفسها التي للنساء، وما زالت للممرضة الأنثى المكانة الأفضل في هذا المجال، في الكثير من بلدان العالم.

تفضيل الممرضة الأنثى لا يتعلق بالمرضى فحسب، ولكنه يكون أيضاً من خلال مؤسسات طبية تطلب ممرضات حصراً، كما يفضّل بعض الأطباء التعامل مع الإناث من دون الذكور.

"أرتاح لوجود الممرضة"

قمر محمد (40 سنة)، من محافظة كفر الشيخ، قالت لرصيف22: "من المتعارف لدى العدد الأكبر من الناس، أن التمريض مهنة خاصة بالسيدات فحسب. منذ سنوات، كنت عند طبيب الأسنان لإجراء جراحة، وفوجئت بممرضٍ في الغرفة. وقتها شعرت بريبةٍ وفزع، وسألت الطبيب عن هذا الشخص، فأخبرني بأنه ممرض".

"زوجي كان معي في العيادة، وعندما شعر بقلقي، طلب من الطبيب أن يُخرِج الممرض، ووقتها اعترض، لكنه استجاب لرغبتي. وعلى الرغم من أني لم أكن أعرّي جزءاً حساساً من جسدي، لكني شعرت بغرابةٍ كبيرة، ولو حدث الأمر مرةً ثانيةً، سيكون لي رد الفعل نفسه، فالتمريض من الأفضل أن يكون خاصاً بالنساء فحسب".

تفضيل الممرضة الأنثى لا يتعلق بالمرضى فحسب، ولكنه يكون أيضاً من خلال مؤسسات طبية تطلب ممرضات حصراً.

"في رأيي، يجب أن يكون الممرض أنثى. ما الذي يجعلني مضطراً إلى أن أترك الممرض الرجل يعطيني حقنةً مثلاً، بينما هناك سيدة يمكن أن تهتم بي، ويدها ألطف من يد الرجل، وأخفّ؟ الأمر بالنسبة إليّ راحة نفسية". هكذا قال سيد حسين (60 سنة)، من محافظة الجيزة.

وأضاف الرجل ضاحكاً: "الست ست، تجعل المريض مرتاحاً، وتلبّي طلباته، وتساعده على تلقّي العلاج، ‘مال الرجال ومال مهنة التمريض’؟".

أما فوزية نور الدين، وهي سيدة خمسينية من محافظة البحيرة، فتتحدث لرصيف22، عن موقف حصل معها عندما كانت تُجري عملية المرارة في أحد المستشفيات الخاصة. "بعد انتهاء الجراحة، دخل ممرضٌ مختص ليرى الجرح، وسألته عن هويته، فأخبرني بأنه ممرض، فرفضت أن يكشف عليّ".

وأضافت فوزية: "لم أعتد على فكرة وجود ممرض رجل، ولكن أرتاح لوجود ممرضة أنثى تغيّر لي ضِمادة الجرح، وتكون متخصصةً في هذه الأمور. أستطيع أن أشكو إلى الممرضة آلامي، وأشعر دائماً بأنها ستتفهمني، ولا أعتقد أن ذلك سيكون متوفراً لدى الممرض الرجل".

الدكتور محمد بسيوني، وهو أخصائي جراحة عامة، قال لرصيف22: "لدي عيادة في إحدى القرى في محافظة كفر الشيخ. في البداية استعنت بممرض للعمل معي، يأتي لتغيير ضمائد الجروح، والكشوف، وما إلى ذلك. ولكن مع الوقت، شعرت بأن المرضى، وخاصةً الإناث منهم، ينظرون إليه بريبةٍ، ولا يشعرون بالراحة، فاضطررت آسفاً إلى استبداله بممرضة".

وأضاف الطبيب أن هذا الأمر ربما لم يعد موجوداً بكثرةٍ في المدن، ولكن في الريف لا زال الجمهور ينظر إلى التمريض على أنه مهنة الأنثى، بل إن بعض الأهالي يجدون صعوبةً في دخول أولادهم الذكور إلى كليات التمريض ومعاهده، باستثناء قلة منهم.

ذكور يعترفون بالسرّ

الموضوع من وجهة نظر بعض الممرضين الذكور، يأخذ منحى آخر. يقول عبد الرحمن حلمي جاد، وهو فنّي تمريض أورام، لرصيف22: "الممرض الذكر أصبح له وضعه حالياً في مهنة التمريض، ولم يعد كما كان في الماضي، وإن كانت هناك بعض التخصصات التي يلزم فيها وجود الممرضة الأنثى، بحكم الدين، والراحة النفسية، مثل أمراض النساء، والتوليد".

الشاب العشريني، وهو من محافظة الدقهلية، يشير في حديثه إلى أن الوضع له علاقة بالعاطفة، ودلع بعض المرضى الذين يرون أن الأنثى ستشكل راحةً أكثر لهم، ولا يشعرون بهذه الراحة مع الممرض، فهم يبحثون هنا عن "حنّية" المرأة.

"زوجي كان معي في العيادة، وعندما شعر بقلقي، طلب من الطبيب أن يُخرِج الممرض. وعلى الرغم من أني لم أكن أعرّي جزءاً حساساً من جسدي، لكني شعرت بغرابةٍ كبيرة، ولو حدث الأمر مرةً ثانيةً، سيكون لي رد الفعل نفسه، فالتمريض من الأفضل أن يكون خاصاً بالنساء فحسب"

محمد السعيد، أخصائي تمريض (29 سنة)، قال لرصيف22: "الموضوع في البداية كانت فيه ريبة من الممرض الذكر، ولكن ذلك اختلف الآن بحكم التعامل مع الممرض نفسه، وهذا ما يعطي ثقة بأدائه. أرى أن هناك حاجزاً نفسياً يجب كسره بين المريض والممرض، ليتم بعد ذلك التعامل بسلاسةٍ ومهنية، ويجب أن يكون الحكم وفقاً للمهارة، بصرف النظر عن الجنس".

عضو النقابة الفرعية للتمريض في شمال سيناء، تحدث عن مواقف ترغب فيها زميلاته الممرضات بوجوده، للتعامل مع مرضى يشعرون بالتوتر مثلاً، وهذا لا ينطبق على الجميع، فالعديد من المريضات، يصعب التعامل معهن من قبل الممرضين الذكور، ومن الأفضل حصر الأمر بالإناث.

محمود ناجي، من محافظة الشرقية (27 سنة)، أخصائي تمريض ومزاول للمهنة، قال لرصيف22، إن فكرة تفضيل الممرضة الأنثى قائمة على الحالة النفسية للمريض فحسب، وأحياناً على نظرة المجتمع، وهذا الميل يكون خاصاً بالمرضى جميعهم، سواء الذكور أو الإناث. "هي نظرة عقيمة، ولا يجب أن يتم تفضيل طرف على الآخر، إلا بناءً على المهنية".

وأضاف محمود: "المجال متاح للاثنين، ومن الممكن ألا يرتاح المريض للممرضة الأنثى، والعكس صحيح، وفي رأيي لا يوجد شيء اسمه مريض لا يرتاح لممرض ذكر، فهو عليه تقييم الخدمة لا أكثر، من دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى. أما فكرة أن يطلب مريضٌ ممرضةً، فهذا يعود إلى غرائزه الجنسية، وليس له مبرر آخر في رأيي".

مراهقة غير مقبولة

عمرو صلاح مصطفى محمد، باحث ماجيستير في التمريض النفسي ونائب مقيم في مستشفى بدر الجامعي جامعة حلوان، قال لرصيف22: "لا يزال الكثير من المصريين ينظرون إلى التمريض بشكل يميل إلى السلبية، على الرغم مما شاهدوه من بطولات لجيش مصر الأبيض خلال جائحة كورونا. يتضمن ذلك النظرة إلى عمل الممرضات في أوقات مسائية وليلية، فلا يزال هناك قطاع كبير من الناس يتحفظون على عمل الممرضة ليلاً، مدّعين أن المرأة لا يصح أن تترك عائلتها. هؤلاء المعترضون هم أول من يطلب ممرضةً، أو طبيبةً، لفحص أمهاتهم وزوجاتهم وأخواتهم، وعلاجهن، ومتابعتهن، حين تضطرهم الظروف إلى الذهاب إلى المشافي ليلاً".

الوضع له علاقة بالعاطفة، ودلع بعض المرضى الذين يرون أن الأنثى ستشكل راحةً أكثر لهم.

عمرو أضاف: "كذلك، لا يزال قطاع من المرضى ينظرون إلى الممرضة نظرةً عاطفيةً، أكثر منها مهنية. فهم يفضّلون الممرضة لكونها أنثى، معتقدين أنها ستكون مصدراً للاهتمام والتعاطف الزائد معهم".

وإن كان من حق المريض، وفق رأي المتحدث، اختيار من يقدّم له الخدمة، إلا أن بعض المرضى لا يهتمون بكفاءة الخدمة وجودتها، بقدر اهتمامهم بجنس مقدمها. "أتحفظ على مثل هذا الأمر، لأني أعدّه نوعاً من المراهقة والتمييز غير المقبولَين"، يضيف.

ويشير المتحدث إلى أن هذا التمييز وصل إلى قطاع من الكادر الطبي، يفضّل أن تعمل معه ممرضة، وليس ممرضاً، وقسم العمليات هو مثال على ذلك، فنجد بعض الجرّاحين يفضلون الممرضات، "لذلك نجد بعض المشافي تطلب إناثاً فحسب، للعمل فيها".

وجودهم ضرورة

وخلال الحديث في هذا الشأن مع بعض الممرضات، قالت سامية محمود (25 سنة)، أخصائية تمريض من محافظة كفر الشيخ: "مهنة التمريض ظلّت مرتبطةً في ذهن البعض لسنواتٍ بالإناث، وهي بدأت كذلك، ولكن مع مرور السنوات، دخلها الذكور. العبرة في رأيي ينبغي أن تكون للممارسة نفسها، وللمهارة في العمل".

سامية أضافت: "وجود الممرض الذكر يكون أحياناً مهماً في بعض الأماكن، مثلاً في الطوارئ حيث تحدث بعض المشكلات والنزاعات التي قد لا تصلح الأنثى للتعامل معها، كما أننا نحصل على العديد من الإجازات لأسباب الحمل والولادة وغيرها، وهنا يكون للممرضين دور كبير".

سميرة محمد، فنية تمريض من محافظة البحيرة (28 سنة)، قالت لرصيف22، إنها ترفض أن يكون هناك أي تمييز لأي جنس في أي وظيفة، وأضافت أنها في بعض الأوقات تحتاج إلى زملائها الممرضين الذين يتعاونون معها، وتتعلم منهم بعض الأمور، كما أنه عندما يتم تعيين ممرض جديد، قد يطلب مساعدتها. "على الرغم من ذلك، لا أنكر أن البعض يرى أن التمريض مهنة المرأة في الأصل، ويندهشون من وجود ممرضين ذكور، ولكن هذه النماذج قليلة، كما أن التقاليد تفرض أحياناً غياب الممرض عن بعض الأقسام، مثل أقسام النساء والتوليد".

فكرة تفضيل الممرضة الأنثى قائمة على الحالة النفسية للمريض فحسب، وأحياناً على نظرة المجتمع، وهذا الميل يكون خاصاً بالمرضى جميعهم، سواء الذكور أو الإناث. هي نظرة عقيمة، ولا يجب أن يتم تفضيل طرف على الآخر، إلا بناءً على المهنية

إقبال الطرفين على الكليات والمعاهد

"لا أرى أنه ما زال يوجد أي تمييز بين الممرضة الأنثى من الذكر، وهناك بعض الدلائل على ذلك، فنسبة الذكور والإناث في كليات التمريض والمعاهد الفنية هي نفسها تقريباً، والذكور يجدون فرص عمل في هذا المجال، بقدر الإناث، وإلا ما كانوا ليقبلوا على دخول هذه الكليات والمعاهد"، تقول الدكتورة صفاء صلاح، عميدة كلية التمريض في جامعة حلوان، لرصيف22.

المتحدثة أضافت أن تفضيل شخص على آخر، يجب أن يكون قائماً على المهارة والضمير، وهناك عامل مهم لا يجب إغفاله، وهو الارتياح النفسي، فالمريض عندما يرتاح لممرض أو ممرضة، أو لدكتور أو دكتورة، يحب أن يتعامل معهم بصرف النظر عن الجنس، فهنا المهارة هي التي تحكم.

صفاء أشارت إلى أن بعض التقاليد، أو العادات، تفرض أموراً أخرى: "بالنسبة إلى أقسام النساء والتوليد والمحضن، يفضّلون الممرضة، وفي أقسام المسالك والذكورة يفضّلون الذكر، فهذا يعود إلى طبيعة التخصص، وإلى المجتمع، فقد تفضّل سيدات متابعة حملهن مع طبيبة أنثى، ولا يردن الذهاب إلى طبيب ذكر، وأي تفضيل غير ذلك يعود إلى عاطفة المريض، فقد يشعر بأن الممرضة ستجعله أكثر راحةً، أو العكس".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard