الحدس والجسد الأنثويّ وما بينهما

الحدس والجسد الأنثويّ وما بينهما

رأي نحن والنساء

الخميس 19 فبراير 20268 دقائق للقراءة

"يتّسع كثيراً هذا المعبد في جلدي… يتّسع كثيراً".

الحدسُ ليس قوّةً ممتدّةً في "الآن" فقط. إنّه متجذّرٌ ونامٍ في الزمن الطويل للطاقة الأنثويّة في هذا العالم. الحدس نارٌ حارساتها النساء، لا تنطفئ منذ فجر التاريخ، وتشبه شعلات المعابد. ليس ناراً للاستهلاك، بل هو نار للحراسة، معبدها الجسد. وحده السهر على إبقائها نقيّةً ومشتعلةً يترك القلب مفتوحاً على الإصغاء. وترمز النار في هذا التشبيه إلى دورة داخليّة تتراوح ما بين تغذية النار رمزاً للحضور، وحمايتها رمزاً للحدود، وتخفيفها في دلالة على الصمت والإصغاء، ورمادها هو ذاكرتها. الذاكرة عنصر أساسيّ من عناصر الشعلة.

في الزمن الحاضر، يغدو السؤال عن الحدس سؤالاً وجوديّاً ملحّاً للأنثى. وكأنّ النظام والثقافة منظّمان لتقويض هذه القوّة الهائل تأثيرها على العلاقات مع الذات والآخر والعالم. ويغدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً في رحلة عودة الأنثى إلى أنثويتها، خاصةً بعد أن تستفيق من أوهامها الموروثة حول حقيقتها وتبدأ باكتشاف الطريق مصحوبةً بفراغ هوويّ عادةً ما يكون ثقيلاً لأنّها لم تعتد الجمال المحتمل في الفراغ. لم تعد الأسئلة بلا إجابات سريعة، أو بلا إجابات جاهزة.

الجسد لغة الحدس

تحتاج استعادة الصلة بالحدس إلى تجذير، إلى أرض ينبتُ فيها الخيال كي يبقى على ارتباطه بالواقع، وهذه الأرض هي الجسد. تقول الباحثة النسوية والروحانية فيكي نوبل، في كتابها Shakti woman: "الرؤية التي لا تتجذّر في الجسد تصير بسهولةٍ فانتازيا"، أو وهماً إن أردنا أن نترجم فانتازيا هنا إلى مخيّلة منفصلة عن الواقع.

أوّل تدريب على التذكّر هو التدرّب على تتبّع الدورة الأنثويّة-القمريّة في جسم المرأة. تمرّ الأنثى بفصول أربعة خلال دورتها الشهرية، وتتفاوت طاقتها بحسب هذه الفصول؛ أولى هذه المراحل مرحلة الحيض، ثمّ مرحلة ما بعد الحيض، فمرحلة الإباضة، ثمّ يبدأ الجسد بالانسحاب تدريجيّاً

وكأنّ نوبل تُخرج الحدس من الرأس بمعنى الـmind وتُدخله إلى الإيقاع الجسديّ الذي يتضمّن عوامل الوقت والانتظار والتنفّس والتحوّل. الجسد هو المصفاة التي لا بدّ أن تمرّ عبرها الحقيقة الروحية، بحسب قولها. فالحدس عندها ليس تلقّياً من الخارج، أو من "الأعلى"، بل هو نبع من الداخل يتّضح ويتّسع كلّما كان منسجماً مع إيقاع الحسّ الجسدي. إنه إذاً غير منفصل عن الحواس، يظهر مكانيّاً في الجسد على شكل إحساس.

الوقت حليف الحدس

"تسنّ أظافرها بالوقت. الوقتُ حليفها الوحيد".

هذا الربط بين الحدس والإيقاع الجسديّ، ربطٌ على سبيل الثقة. فالحدس يتطلّب الانتظار والوقت والصبر، فيما يكون إيقاع الفانتازيا سريعاً ولحظيّاً غير مؤمن بالزمن. إذ إنّ ما يطالب بالسرعة، أو ما يخشى الانتظار، ليس برؤية صادقة. الرؤيا الأصيلة لا تخشى أن تُنسى، وهي تنضج في الزمن. يذكّرنا هذا الهدوء بقول جلال الدين الرومي، في المثنويّ: "لا تقفز إلى النور قبل أن يلمسك الصمت"، بلورةً لوجوب الثقة بالإيقاع الزمني الذي يفضي إلى الهدوء لا العجلة.

من هنا نستنتج أنّ الحدس لا يحتاج إلى إثباتات خارجية، أو إلى جمهور يُثني، ولا إلى بوح. إنّه ملحّ بالتأكيد، لكنّ لإلحاحه إيقاعاً في الوقت منسجماً مع إيقاع الكون. "إنّ الرؤية الحقيقية تطلب الصبر، أما التخييل فيريد الإلحاح الفوري".

"الهنا والآن" والذاكرة

تلمعُ الباحثة كلاريسا بنكولا، في كتابها "نساء يركضن مع الذئاب"، في طريق كلّ باحثة عن ذاتها في التاريخ الأنثوي. تؤمن بنكولا بأنّ الذاكرة الأنثوية القابعة في الجسد الأنثوي، حامل الإرث وحارسه، هي الطريق إلى إعادة الاتصال بالروح الكلّية الأنثوية. وتعدّ هذه العودة إلى الروح البرّيّة، التي يشكّل الحدس قوام معرفتها، وتمكين هذا الحدس، "تجعلنا نشبه ليلةً مرصعةً بالنجوم، نُبحر في العالم عبر ألف عينٍ…". إنّ الروح البرّيّة هذه، تحمل في طيّاتها "الحكايات، والأحلام، والكلمات، والأغاني، والإشارات، والرموز…".

هذا الحضور في الهنا والآن اللذين يفرضهما الإصغاء إلى الجسد، مع الاحتفاظ بالذاكرة العتيقة في خلفية الوعي -فالجسد يحمل ذاكرته أصلًا- هو المفتاح للوصول إلى التسليم والانسجام الكامل مع الطبيعة الأنثوية الأصيلة.

عرّفت نادين، مدرّبة اليوغا، خلال حديث أجريته معها، الحدس بأنّه يأتي من حضور عميق مع الجسد. إنّه حالة لي فيها من المساحة والوقت ما يتيح لي الإصغاء إلى نفسي. إنّ الحدس والخيال هما قصّة نخبرها لأنفسنا. ويكون السؤال الفصل لتمييزهما حول ما إذا كانت هذه القصة واعيةً ناشئةً من البطء والمساحة. قد يكون من المفيد أن أسأل نفسي في هذا السياق: لماذا آخذ هذا الخيار؟ هل هو خيار هروب أو بناء؟

وكأنّ تمييز الحدس يتطلّب الكثير من الجرأة والشجاعة والصدق مع الذات حدّ التعرية. إنّ العلاقة مع المرآة الداخلية كلّما اتّسمت بالصدق غدا التمييز بين الحدس والخيال تمييزاً أسهل وأكثر عفوية.

الصدمة قناع الحدس

تصير هذه الطاقة الّتي مُنحت إيّاها الأنثى في حالة ضبابيّة على أثر الصدمات المتوارثة التي يحملها الجسم أيضاً. ففي كلّ مرة تقول فيها الأنثى "نعم" فيما قلبها يقول "لا"، وفي كلّ مرّة تعامَل فيها بعنف أو بقسوة، وفي كلّ مرّة تقنعها فيها أصوات خارجيّة بأنّ صوتها الداخليّ كذبة وأنّها في مرتبة أقلّ، يتراكم ألمٌ ما يغدو مع الوقت جزءاً من جهازها العصبيّ، يفقدها الصلة بعالمها الداخلي، فتروح تبحث عن إجابات في الخارج بلا حول ولا قوّة، أو تغدو يقظةً أكثر من العادة كأنّ جسدها تحت وطأة الخطر طوال الوقت، فتعجز عن إبطاء الوقت والسماح لوحيها بأن ينبع من الداخل، وتغدو أفعالها نابعةً من خوف لا من حرية.

في كلّ مرة تقول فيها الأنثى "نعم" فيما قلبها يقول "لا"، وفي كلّ مرّة تعامَل فيها بعنف أو بقسوة، وفي كلّ مرّة تقنعها فيها أصوات خارجيّة بأنّ صوتها الداخليّ كذبة وأنّها في مرتبة أقلّ، يتراكم ألمٌ ما يغدو مع الوقت جزءاً من جهازها العصبيّ

يذكّرني هذا بتمييز المعلّمة الروحية والباحثة تارا براك، مراراً في أعمالها، بين اختبار الخوف جسدياً كحالة من الانقباض والاستعجال، واختبار الحدس حين ينبثق من الحضور، ويكون مصحوباً بالوضوح والرسوخ.

إعادة الحدس إلى دائرة المعرفة المألوفة

تتطلّب العودة إلى المعرفة الحدسية الأصيلة إعادة ضبط للإيقاع، أو إعادة اكتشاف للروزنامة الأنثويّة. فأوّل تدريب على التذكّر هو التدرّب على تتبّع الدورة الأنثويّة-القمريّة في جسم المرأة. تمرّ الأنثى بفصول أربعة خلال دورتها الشهرية، وتتفاوت طاقتها بحسب هذه الفصول. إنّ أنثى واحدةً هي على الأقلّ أربعة أطوار. وقد يكون من المفيد أن نفهم بما تتّسم كلّ مرحلة من أجل فهم نوعيّة الصوت الداخليّ الّذي نتلقّاه في أثنائها. أولى هذه المراحل مرحلة الحيض، وهي مرحلة الانسحاب الكامل إلى الداخل، حالة الانتظار والراحة. ثمّ مرحلة ما بعد الحيض حيث نبدأ بالانفتاح. وهي مرحلة الأسئلة والأفكار الاستكشافيّة. تأتي بعدها مرحلة الإباضة، وفيها تكون الرؤية واضحةً والفعل ضرورياً. هذه مرحلة لاتّخاذ القرارات التي تلوح في الأفق طوال الشهر، منذ فصل الخريف الداخليّ (ما قبل الحيض)... مرحلة النضوج والانتقال إلى التنفيذ. ثمّ يبدأ الجسد بالانسحاب تدريجيّاً بعد الإباضة. تترافق مرحلة ما قبل الحيض مع الكثير من التضخيم. تركّب خلالها المرأة عدسة النقد، وتطفو فوق السطح الملفّات التي تقلقها. حين تعرف المرأة متى تستمع، متى تنتظر، ومتى تعبّر، يغدو الحدس صديقها الوحيد. تصير واعيةً لظلال الخوف، وتتمكّن أخيراً من عدم التماهي مع كلّ أحاسيسها. تغدو في ذاتها مصفاةً موثوقة.

الاتصال مع دورة الجسد يساهم حكماً في الإجابة عن سؤال: "هل أقوم بهذا من خوف؟". وهذه الإجابة تدريب يوميّ على الفهم. أن أسأل نفسي عند مواجهة أي فكرة أو قرار: أين أشعر بهذا الآن في جسدي؟ هل أشعر بانقباض أو بانفراج؟ هل هذا الصوت هادئ واثق أو يحتاج إلى توكيد من الخارج؟ هل شعرتُ بهذا من قبل؟ هل لي ذكريات تشبه ما يحدث الآن؟

إنّها رحلة إذاً، هذه العودة إلى الحدس وتمييزه عن غيره من الأصوات. أن أتمكّن من تدوين فكرة ثمّ أعود إليها بعد يومين أو ثلاثة لأضعها في ميزان الأصالة: هل يعود صوتها بالنبرة نفسها؟ هل يرافقه الإحساس الجسدي نفسه؟ أو يتغيّر ويضعف؟ هل هذا الصوت أعرفه؟ هل هو حنون أو قاسٍ؟ هل يحمل نبرة الواجب أو اللازم، أو نبرة الجميل والممتع؟ هل فيه صوت شخصٍ عرفته في حياتي؟

هذه الرحلة، هذا التدريب المتفاني على الإصغاء، ليس لحظةً في الوعي، بل سيرورة وصيرورة في الممتدّ ما بين الذات والعالم. ليس الحدس موضوعاً للتملّك، بل طريقة للتجلّي في الزمن وخارجه. إصغاؤنا إليه إصغاء فيض لا تلقٍّ فحسب، نكتشف معه وبه الأرض-الجسد، معبد القلب. إنّه جرأة القلب في التخلّي عن مفاهيم العقل، وعن محاولة تفسير الأمور على أنّها خطوط مستقيمة. إنّه التسليم لنعمة الدوران والخفقان والهذيان. للممكن حيث ينعدم الإمكان المنطقيّ. للحلم، حيث لا تقبل العادة الأحلام. للرفض، حيث يستحيل الرفض. أن نفتح أفقاً في ختام ما قلنا، هو فتح أفق إلى الداخل. ما الذي قد يبوح به الحدس إن توقّفنا في الآن وأصغينا؟ هل هو شيء نخاف أن نسمعه؟


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image