شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"الناس عاقلة وأنا اللي مجنون"... نظرة عاملين في المستشفيات النفسية إلى البشر

"الناس عاقلة وأنا اللي مجنون"... نظرة عاملين في المستشفيات النفسية إلى البشر

حياة

الأحد 31 أكتوبر 202102:33 م

شحاذ في الشارع مبتور الأطراف، موظف يأكل بنهم وهو يهرول لمكان عمله، كم أنا إنسانة سريعة التأثر، والإشفاق، ويشاركني جسدي فألزم الفراش لأيام بسبب منظر قد يكون مألوفاً للآخرين.

لذا، لطالما انبهرت بالعاملين في القطاع الصحي المرتبط بالأمراض النفسية والعقلية، كيف يحققون هذا التوازن النفسي، وتستمر حياتهم بشكل روتيني؟

دفعني للكتابة عن هؤلاء دافعان: الأول مهني هو اكتشاف هؤلاء وحكاياتهم، والآخر نفسي، بهدف أن أجد نصيحة واحدة تفيدني في التعامل مع رهافتي المرضية، بحكم احتكاكهم بالمرضى الذهنيين والنفسيين بشكل يومي.

كل شيء بخير

علا، اسم مستعار (30 سنة)، ممرضة بقسم التأهيل السلوكي للسيدات، وهي مرحلة تأتي بعد العلاج من الإدمان في إحدى المستشفيات الحكومية للأمراض العقلية بالقاهرة.

رغم أنها كانت مثل كل من حاورتهم، ترفض الإفصاح عن معلوماتها الشخصية، حتى أنها رفضت ذكر اسم المعهد الذي درست به، إلا أنني شعرت أنها أشجع من حاورتهم، وأكثرهم حباً لمهنتها؛ اختارت التخصص بإرادتها، تعمل في هذا المجال منذ ما يقرب ثماني سنوات، ولا تفكر بتركه.

"أنا أحب عملي، وأنا من اخترته، ولا أستطيع العمل في مجال آخر، يكفي أنه مفيد وأثاب عليه عند ربنا"، تقول علا.

مهنتنا تتعامل مع الجانب السيئ من الطبيعة الإنسانية أو بالأحرى الجانب "اللي المجتمع مش عايز يشوفه"

وتتابع: "لم أشعر يوماً أن عملي يؤثر على حياتي بشكل قوي، أو أنني أفقد عقلي وأعصابي، أنا قادرة على الفصل بين حياتي العملية وحياتي الشخصية، وهذه قاعدة على الكل اتباعها مهما كان مجالهم، وقت العمل للعمل ووقتي الشخصي لي أنا".

لم تشعر علا أن عملها أثر سلباً على حياتها، أو أنه أفقدها أعصابها مثلاً، وأرجعت ذلك إلى قدرتها على الفصل بين عملها وحياتها الشخصية، وتنصح الجميع بذلك، تقول: "هذه قاعدة على الكل اتباعها مهما كان مجالهم، وقت العمل للعمل ووقتي الشخصي لي أنا".

"نحن نقضي 80% من وقتنا في العمل، فبالتالي علينا أن نعطي الـ 20% المتبقية حقها، بالطبع أتأثر، وأحزن أحياناً، لكن عليّ ألا أدع هذا يؤثر على حياتي، فأهلي ومن حولي ليس لهم ذنب بهذا حتى يمتد لهم هذا الأمر".

"أحياناً آخذ أجازة، أسافر، أخرج، أعمل يوم ترفيهي لي وحدي، أو حتى أتكلم مع بعض الأصدقاء، أو المشرف/ الأخصائي النفسي، الكلام يخرج كل الشحنات السلبية".

في قسم الإدمان في الغالب لا يتعرض العاملون للكثير من الأمور الصعبة، بحسب علا، خاصة في قسم السيدات، كما أنهم يتدربون كثيراً، ويتعلمون من المخضرمين في المهنة، تقول: "لدينا ما يسمى بمركز التدريب بين فترة وأخرى، يختار مجموعة لتدريبهم من جديد، جزء من التدريب علمي بحت، وجزء متعلق بكيفية التعامل مع المريض، من المحاضرات التي نأخذها مثلاً محاضرة عن كيفية مواجهة العنف، والتعامل مع من لديهم حالات تهيج".

تشدد علا على التعامل مع المرضى باعتبارهم "شخص من عائلتك"، بإنسانية وحب دون التمادي لدرجة الصداقة، وكذلك للأسرة دور كبير في شفاء المريض.

تعامل علا مع أشخاص تصنف بأنها "مجنونة" أو "مضطربة نفسياً"، غيرت في رؤيتها لهم، تقول: "لا يوجد شيء اسمه جنون، اسمه مرض نفسي أو عقلي، مثل أي مرض له علاج، كالسكر والضغط، والمريض النفسي شخص يحتاج إلى مساعدة، ودعم".

تكمل، بتأثر بالغ: "أصعب حالة، آلمتني بشكل بالغ، امرأة مدمنة، أخوها من علمها ذلك ليرسلها إلى الديلرات (تجار المخدرات)، ممكن أتفهم هذا السلوك من صديق، أو زوج أم، أو حتى زوج، ولكن أخاها! هو من فعل ذلك، لا يُصدَّق".

أما عن رأيها، والذي فاجأني، فيمن يقولون عن العاملين بهذه المستشفيات بأنهم "سجانون"، فتقول: "عادي، هو أي شخص يتبع القواعد والقوانين، يقال عنه أنه سيئ، ومتسلّط، وسجّان".

يبدو أن محدثتي تريد أن تقنعني أن "كل شيء تمام، وتحت السيطرة"، بطريقة دفعت ذاكرتي إلى استدعاء فيلم للنجم نور الشريف ومديحة كامل، يسمى "اللعنة"، عن صحفي قرَّر أن يدعي أنه مريض نفسي، بالاتفاق مع زوجته وزملائه، ليستطيع الدخول لمسشفى الأمراض العقلية، للتحقيق بواقعة قتل حدثت بالمستشفى.

ولكن على عكس علا، قبل نهاية الفيلم، بعد أن قضى "البطل" مع نزلاء المستشفى الموصومين بالجنون وقتاً طويلاً، يكتشف القاتل، لكنه يفقد عقله، ويتجمد، ولا يستطيع حتى التعرف على زوجته، وينتهي الفيلم بصرخة زوجته تناديه، لكنه لا يجيبها.

العمل في مجال الأطفال

ثاني شخص حاورته، طبيب في إحدى المستشفيات الحكومية أيضاً، أو "الطبيب المجهول" كما أحب أن أطلق عليه، لم يفصح لي حتى عن عمره.

يشدد "الطبيب المجهول" على أن التأثر سيحدث بالطبع، بل وإنه إيجابي أيضاً لأنه يكسب العامل في هذا المجال خبرات جديدة، والسؤال الأهم بالنسبة له: إلى أي درجة سيكون هذا التأثر؟

"هل هناك من غيروا مسارهم المهني كله بسبب هذا التأثر؟ لا! هذا غير صحيح، كلنا نتأثر لكن علينا أولاً أن نتعامل مع الأمر بشكل علمي بحت، وليس باعتباره (قاعدة وحكاوي)، فنشخّص المرض بشكل صحيح، ونعرف أصله العلمي، وأسبابه، وطرق علاجه، فنعرف بالتالي النقطة الثانية، وهي أننا لنا حدود، نتعامل داخلها لنتمكن من مساعدة هذا المريض".

تدريب العاملين بهذا القطاع كل فترة يساعدهم على المواصلة والتوازن، بحسب الطبيب، لتستطيع السيطرة على مشاعرك وانفعالاتك قد تستغرق سنين، وستظل تتأثر لكن بحدود.

"توقفتُ عن العمل في مجال الأطفال حوالي سنتين".  

عن تجربته الشخصية، يقول: "أنا توقفت عن العمل في مجال الأطفال حوالي سنتين، بسبب حالة طفل تعرض لاعتداء جسدي عنيف جداً من أمه وأبوه، وهذه أصعب الحالات، وإلى الآن لا زلت أتأثر بشدة في حالات الأطفال، ولكني تحسنت، بت أستطيع التعامل بشكل طبيعي".

"لكل طبيب أو عامل منا مشرف/ أخصائي نفسي مسؤول عنه، علينا أن نلجأ له حين نتأثر أو نشعر بضغط أو عدم القدرة على التعامل مع حالة معينة، أي يتحدث بأريحية معه، ويخرج الشحنات السلبية، ليس فقط من أجل راحته النفسية، ولكن ليفهم لماذا تأثر بشدة في هذه الحالة".

"بقدر ما يتعمق المرء في تحليل سلوك الناس، تتلاشى أمامه الأسباب التي تحفزه على ذلك، وسواء أطال الأمر أم قصر، يجد نفسه أمام ذلك السر المخيف، الذي يدعى طبيعة الإنسان"، يقول أوسكار وايلد، الروائي البريطاني، وكان هذا ما أكده لي آخر من حاورتهم.

لا تظهر التعاطف

يبدو فريد، اسم مستعار (29 عاماً) تدرب لمدة 3 سنوات كممرض في مستشفى العباسية الشهيرة، أكثر من حاورتهم غضباً وكرهاً لهذه المهنة حتى أنه قطع صلته بتخصّصه تماماً.

يتحدث عن مهنته بأنها، على عكس ما يتوقعه البعض، مهنة غير روتينية، بل شديدة الحساسية والتغير، يرى فيها كل يوم أموراً جديدة لأنها تتعامل مع الجانب السيئ من الطبيعة الإنسانية، أو بالأحرى الجانب "اللي المجتمع مش عايز يشوفه".

"تعاملت مع فئات عديدة من المرضى خلال تدريبي، لذلك لا يمكنني أن أصف أو أكون رؤية شاملة عن شيء، بالطبع كنت أتأثر وأتعاطف معهم، لكن لم أكن أظهر هذا التعاطف؛ لم يكن مسموحاً؛ فهذا سيجعل للمريض أفضلية عليك، وسيعلم أنه مهما فعل ستنحاز إلى صفه".

أصعب حالة رآها، كانت لمريض من قسم الأمراض العقلية عنده مشاكل في التبول، فكان "يقضي حاجته بشكل لا إرادي أمام الأطباء والزملاء في القسم، وللأسف كان يتم التعامل معه بعنف من البعض، حتى يتوقف".

فضّل أن يبقى مع العاملين والأطباء وقت خروجه، لأنهم أصبحوا عائلته.

أما ألطف وأغرب المواقف، فكانت حين تعافى أحد مرضى الإدمان، فضّل أن يبقى مع العاملين والأطباء وقت خروجه، لأنهم أصبحوا "عائلته"، وأكثر من يفهمونه، ويستطيع التعامل معهم، بالمقارنة بغيرهم في العالم الخارجي.

أما عن تأثره نفسياً، فيحكي: "في بداية عملي كنت أصاب بنوبات ذعر، مع الوقت تعودت عن طريق التدريب، وبعض الدفاعات النفسية التي كنت أقوم بها، مثل أنني لم أكن اسأل عن قصص المرضى أو أي شيء يخصهم، كنت أتعامل معهم على أنهم مجرد أسماء، وكنت حين أشعر بضغط أهرب في أجازة، وقتها لم أشعر ولا مرة أنني قد أفقد عقلي، لا أعلم لو كنت أكملت حياتي في هذا التخصص ما سيحدث".

طفل تعرض لانتهاكات جسدية من أبيه وأمه، امرأة دفعها أخوها للإدمان ليبيع جسدها لتجار المخدرات، رجل يهوى التبول في ملابسه… العاملون بمشافي نفسية يروون لرصيف22: ماذا رأوا؟ وكيف تأثروا؟

"لا أرى أنني سجان، لكنني أيضاً لست ملاك رحمة طوال الوقت، منهم مجرمون وقتلى، ومنهم من لديه رغبة في تدمير كل شيء، فلا أستطيع أن أعامل الكل بنفس الطريقة، لكن ما أحاول فعله أن أكون شخصاً مختلفاً تماماً خارج المستشفى".

يتأثر محدثنا أحياناً بمهنته، فيضبط نفسه متلبساً بتحليل شخصية أحد أصدقائه، وتصرفاته، وسلوكياته، لكنه بشكل إجمالي: "لا بشوف اللي جوا مجانين ولا اللي برا مجانين، أغلب الوقت بحس إن كلهم عاقلين وأنا اللي مجنون".

كان أغرب ما في هذه التجربة، أي محاورة العاملين في مستشفيات نفسية، هو مواجهة الخوف، خوف كل من حاورتهم، خوف لا أعرف له سبباً مقنعاً، خاصة أن أغلب أسئلتي وإجاباتهم ليست حساسة بهذا القدر.

حتى أن أحدهم رفض الإفصاح عن عمره، وكأن أي معلومة ستلقي بهم إلى الجحيم، مع الوقت تسرب لي هذا الخوف، وشعرت أنني أحمل على عاتقي مهمة حماية هؤلاء الناس، حمايتهم من شيء لا أعرف ما هو.

Website by WhiteBeard