هل شعرتم يوماً وأنتم تقرأون القرآن أن الموضوع ينتقل فجأة من قصة إلى حكم، ومن مشهد إلى خطاب، دون تمهيد واضح؟ هذا الانطباع بالانتقال السريع جعل بعض الدارسين الغربيين يظنون أن النص غير مترابط، وأن ترتيب سوره وآياته لا يخضع لبنية واضحة. لكن هل هذا الانطباع صحيح فعلاً؟ أم أننا أمام طريقة مختلفة في البناء لم نحسن فهمها بعد؟
الحقيقة أن سؤال "تماسك القرآن" ليس سؤالاً جديداً. فقد شغل عقول علماء مسلمين منذ قرون، وظهر بسببه علم كامل اسمه علم المناسبات يبحث في الروابط الدقيقة بين الآيات والسور. وفي المقابل، حاول بعض المستشرقين حلّ ما اعتبروه "مشكلة التفكك" عبر إعادة ترتيب السوَر زمنياً. وبين هاتين النظرتين، ظهرت قراءات أحدث ترى أن السرّ ليس في تغيير ترتيب المصحف، بل في اكتشاف هندسته الداخلية.
لإظهار البناء العظيم المُحكم، ظهر علم المناسبات في القرآن الكريم، وهو علم منوط به البحث عن الروابط بين الآيات وبعضها، والعلاقة بين موضوعاتها المتنوعة، وبين السُّوَر وما يجاورها من سوَر أخرى، وبحث أغراضها وترتيبها داخل المصحف: أهو توقيفي إلهي أم من اجتهاد الصحابة؟ ويعتبر إبراهيم بن عمر البقاعي (ت.885هـ) أبرز من ألَّف فيه بكتابه "نظم الدرر في تناسب الآيات والسّور".
هذه الوحدة والترابط في القرآن كان متوقفاً على المفسِّر، وقد اشتكى أبو بكر بن العربي (ت.٥٤٣هـ) من قلة الذين اهتموا بهذا العلم، فذكر أن "ارتباط آي (آيات) القران بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني منتظمة المباني، علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد". ولم يذكر من هو هذا العالم في كتابه "سراج المريدين"، ونقل عنه هذه الشكوى أبو عبدالله الزركشي في كتابه "البرهان في علوم القرآن" وذكر بعدها أن أول من تحدث في هذا العلم هو أبو بكر النيسابوري (ت.324هـ).
لم يكن سؤال تماسك القرآن وليد الدراسات الاستشراقية، بل سبقهم إليه علماء مسلمون بحثوا عن الروابط الدقيقة بين الآيات والسور، مؤمنين بأن وراء التنقل الظاهري بناءً محكماً
ورغم أنه لا يوجد خلاف بين المسلمين حول تناسق القرآن وترابطه، فإن المستشرقين الذين درسوا القرآن شعروا أنهم أمام نص مفكك وغير منتظم، إلا أن هذه النظرة الاستشراقية لم تدم، فقد تعاقبت مدارس استشراقية كوَّنت رؤية مختلفة حول الترتيب والتناسق الموضوعي داخل النص القرآني، وأجابت عن السؤال الذي أقلق البعض: هل النص القرآني مفكك وفوضوي أم منسجم ومنظم وتشمله وحدة واحدة؟
الترتيب التاريخي لسوَر القرآن الكريم
حلاً لمعضلة عدم الترابط، اقترح عدد من المستشرقين الكلاسيكيين الاتجاه نحو إعادة ترتيب الآيات والسور وفق نزولها على النبي محمد، وعلى رأس هذه المدرسة كان المستشرق الألماني ثيودور نولدكه (1836 – 1931م) صاحب المكانة الكبيرة في مجال الدراسات الإسلامية.
وبحسب نولدكه في موسوعته "تاريخ القرآن" فإن "خطاب القرآن يقفز على العموم كثيراً، من موضوع إلى آخر، إلى درجة أن ترابط المعاني بعضها ببعض لا يتجلى دائماً للعيان، مما يجعل المرء عرضة لخطر الفصل بين ما هو متصل"؛ وهكذا فإن طريقة العرض في النص القرآني التي تتسم بالتنقل بين الموضوعات شتّتت المتلقي وأفقدت النص تماسكَه.
خلافاً لهذا السبب الداخلي، فإن ثمة أسباباً أخرى ساعدت في الشعور بالتفكك، مثل ترتيب السور، فالنبي كما يعتقد نولدكه "لم يهتم بترتيب السور ترتيباً بحسب زمن تأليفها أو مضمونها"، وأن حالة الوجد والانفعال التي كان يصدر عنها الوحي لم تكن على درجة واحدة من التساوي، إذ رأى أنه "ليس من الممكن أن يكون القرآن كله قد نشأ في أرفع درجات الوجد".
لهذا اتجه نولدكه إلى وضع ترتيب تاريخي للآيات والسور القرآنية ظناً منه أن هذا الترتيب هو الذي سيمنح النص تماسكاً وانتظاماً أكثر، واعتمد التقسيم التقليدي للسور (مكية ومدنية) وقسم السور المكية إلى ثلاثة مراحل، مؤكداً في الوقت ذاته أن التسلسل الزمني الدقيق للسور والآيات يكاد يكون مستحيلاً، بحسب ما أورده تحت عنوان "في أصل أجزاء القرآن المفردة" في كتابه "تاريخ القرآن".
عادة الساميين في ترتيب النصوص
مثل نولدكه، اعترض المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير (1900 – 1973م) على الترتيب التقليدي للسور داخل القرآن الكريم، واعتبره مجرد ترتيب تنازلي حسب أطول السور فقط، وذكر أن "هذا الترتيب يبدو مطابقاً لبعض العادات الخاصة بالساميين"، ونتيجة ذلك "إحداث خلل لا دواء له في الترتيب التاريخي للنصوص التي نزلت على محمد"، وفقاً لما جاء في كتابه "القرآن: نزوله، تدوينه، ترجمته، وتأثيره".
وهكذا فإن الترتيب داخل المصحف جاء تماشياً مع عادات سامية قديمة في ترتيب النصوص، وتسبب ذلك كما يعقد بلاشير في أن يُقرأ كأنه تاريخ معكوس، لأن السور المدنية جاءت في أوله لأنها الأطول بينما تأخرت السور المكية إلى آخره لأنها الأقصر، باستثناء سورة الفاتحة التي أخذت صدارة المصحف لأهميتها في إقامة الصلوات.
"نكتشف تنافراً يتعذر دفعه"؛ هكذا أحسَّ بلاشير عند قراءة القرآن، واصفاً إياه بأنه "النص الشائك بصعوباته، الكثير الغموض، والمدهش بأسلوبه الإيجازي الذي يغلب عليه التلميح"، لذا فهو يقرّ بأنه لم يرَ "كتاباً بلبل بٍقراءته دأبَنا الفكري أكثر مما فعله القرآن"، وفقاً لكتابه "القرآن: نزوله، تدوينه، ترجمته، وتأثيره".
مُنحازاً للتسلسل الزمني، اعتبر بلاشير أن كل مرحلة تاريخية في القرآن يهيمن عليها موضوعات محددة، فالسوْر المكية في مرحلتيها الثانية والثالثة مثلاٌ تدور حول "مواعظ ثلاثية التقسيم مع مقدمة عن زيغ الكافرين، ورواية عن مصير الأمم التي هلكت بالصواعق، وتنتهي المجموعة بالتحذير والوعيد للكافرين"، بحسب ما ذكره بلاشير في كتابه المشار إليه.
وبحسب بلاشير فإن "النص القرآني يسعى بثبات إلى تعمير الباطن، إنه لا يكترث بالتسلسل التاريخي، ولا يعبأ بالتفاصيل التصويرية، والتوابع من اللغو والنوادر، بل يظل تعليمياً ومصدراً للتأمل"، أي أن الدافع الوعظي والتأملي للقرآن كان سبباً في عدم اهتمامه بالتسلسل التاريخي لحوادثه.
وهكذا، أقرَّ بلاشير أن النظرة التاريخية للآيات مفيدة للغاية، فذكر بحسب كتابه المذكور سابقاً أن التجربة تدل على "التقيد بالمراحل الزمنية للترتيب الذي اقترحه نولدكه، وأخذ به بعض المترجمين، يجعل قراءة المصحف سهلة، بل ممتعة"، بمعنى أن الترتيب التاريخي للسور والآيات يمنح النص القرآني تماسكاً ويزيل التنافر.
التماسك النصي عبر البنية الداخلية
بالرغم من اشتراكه في الشكوى من "انطباع الفوضى الذي يحدثه النص القرآني"، إلى جانب إشادته بالمنهج التاريخي، فإن المستشرق البلجيكي ميشيل كويبرس رفض إعادة ترتيب المصحف، ورأى أنه من الضروري تقبل النص كما هو، وإعادة فهم ترابطه من داخل بنيته المعقدة، بحسب رؤيته في كتابه "في نظم القرآن".
وبحسب كويبرس فإن النظرة التاريخية نظرة تعاقبية تسلسلية، أما النظرة التي يتبناها نظرة تزامنية، تبحث عن التماسك عبر البناء الداخلي للقرآن، وعبر الجانب البلاغي، لذا يجب أن "نركز على نظم كل سورة في ذاتها لاستخلاص الانسجام والمعنى"، وأن يتحرك فهم السور من "مؤشرات مثل الإيقاع، السجع، الموضوع، الأنماط الأدبية"، وفقاً لما ذكره في كتاب "في نظم القرآن".
معارضاً نولدكه في عدم فهمه لسمة القفز بين الموضوعات داخل الخطاب القرآن، رأى كويبرس أن النص القرآني يتمتع بـ"بنية بلاغية مقصودة"، وأن دراسته تجعل النص "يكشف عن هندسته التي تكون أحياناً شديدة التعقيد والإتقان، وأحياناً أخرى تكون أشد بساطة ومرونة"، كما أن ميزة النظرة التزامنية، أي إدراك الترابط من خلال التجاور بين الآيات والسور، أنها لا تلجأ إلى تغيير المواضع داخل المصحف، ولا تضطر إلى إضافات تحريرية لإزالة اللبس، وذلك وفقاً لكتابه المشار إليه.
وفي هذا الإطار، قدَّم كويبرس نموذجاً عملياً بعنوان "قراءة بلاغية وتناصية لسورة الإخلاص"، انطلق فيه من بؤرة محددة وهي مفردة "الصمد" وفسَّرها بأنها هي الصخرة التي يأوي إليها المؤمنون للاحتماء بها، وبحث عن مثيل لفكرة الصخرة في الكتاب المقدس، ثم بحث عن العلاقات التي تربط سورة "الإخلاص" بما قبلها من سور، مثل سورة "المسد" التي تحدثت عن عناية زائفة استند إليها كلٌّ من أبي لهب وزوجته، وهو الاستناد إلى الثروة والجاه، بينما المؤمنون يستندون إلى عناية حقيقية تشبه الاحتماء في الصخرة من العدو، ثم ما بعدها من سور مثل "الناس" و"الفلق" وفكرة الاستعاذة واللجوء إلى الرب الذي هو صخرة المؤمنين.
ومن خلال تحليله لسورة "الإخلاص"، متناولاً بناءها البلاغي الداخلي ومقاصدها، فضلاً عن تتبع الإشارات الترابطية بينها وبين السور الممتدة من السورة 105 إلى السورة 114، قدَّم نموذجاً تطبيقياً على وحدة النص القرآني وتماسكه، من دون الحاجة إلى افتراض أي تغيير في ترتيب المواضع القرآنية.
الانسجام العظيم عبر الفكرة المركزية للنص
وصف المستشرق الفرنسي جاك بيرك (1910-1995م) تعليقات المستشرقين على تفكك وفوضى النص القرآني بـ"الانطباعات السطحية"، وأن المفتاح لفهم الترابط داخل القرآن الكريم مرتبط بفكرة التوحيد، فهي ليست مجرد مبدأ لاهوتي، بل هي مركز يدور حولها الخطاب القرآني، بحسب رؤيته في كتابه "إعادة قراءة القرآن".
نافياً التفكك، اعتبر بيرك أن التنوع الموضوعي، والقفز بين موضوعات متعددة، ليس إلا تنوعاً مفيداً يدور حول مركز الخطاب المتمثل في وحدانية الله، وقد رأى أن العلاقة بين التعدد الموضوعي من ناحية والوحدة الكلية من ناحية هي نوع مُتقدم في مجال الدراسات القرآنية، فذكر في كتابه "إعادة قراءة القرآن" أن "تقدماً متطوراً بما فيه الكفاية في المعرفة القرآنية سيجعلكم تنتهون إلى البنية التالية: إن التبعثر المُفترض في معالجة المواضيع إنما هو ملازم لوحدة المجموع. وإن كل هذا النثار من الكلمات والصور والوقائع؛ ليقودكم إلى خطوط هي نفسها متحدة الاتجاه".
ما بدا لبعض المستشرقين تفككاً وفوضى، رآه آخرون هندسة بلاغية مقصودة، حيث يتجلّى التعدد في الظاهر بينما ينحلّ في وحدة عميقة مركزها التوحيد
إذاً، هذا التنوع الثري في المقاطع والسور القرآنية يقود في اتجاه واحد بحسب بيرك، شارحاً في كتابه المشار إليه أن "ثمة وحدة إذاً تتجلى في التعدد، أو ثمة تعدد ينحل في الوحدة. وتشكل هذه الرسالة في وحدتها سمة جوهرية للشكل وللعمق. وإنها لسمة ناطقة جداً إلى درجة أننا إذا تابعنا القراءة، فسنقول لأنفسنا إن القرآن قد يستطيع أن يوجز نفسه في كلمة واحدة، هي وحدانية الله"، بمعنى أن أي تعدد وأي تنوع يصب في صميم فكرة الوحدانية التي ينتهي إليها القرآن الكريم.
وهكذا تجاوز بيرك مجرد الردّ على المقولات التي تصف النص بالتفكك وغياب الانتظام، إلى السعي لكشف العوامل الكامنة وراء التآلف العميق الذي يعزز العلاقات بين الوحدات الجزئية والوحدة المركزية الكبرى، معززاً فكرته بموقف العرب الأوائل الذين آمنوا بالقرآن ولم يشتكوا من تفكك أو ضياع وحدته، وإنما على النقيض فقد ظهرت "الألفة التي يتمتع بها كثير من المؤمنين سابقاً، والذين كانوا يحفظونه عن ظهر قلب، ويظهرون قادرين على تعيين أي فقرة منه بالإشارة إلى كلمة أو فكرة" بحسب ما ذكر بيرك.
يبدو أن الالتفات الذي أظهره بيرك نحو العلاقة بين الوحدات الصغرى المتنوعة والمتعددة في النص القرآني والوحدة الكبرى، وهي إقرار الوحدانية للخالق العظيم، هو التفات يُظهر عبقرية النص الديني في إبلاغ رسالته وممارسة تأثيره الذي يبتغيه في نفوس المؤمنين، والمتمثلة في معالجة المسألة الجوهرية بصورة مباشرة وواضحة في آنٍ، وبصور أخرى ناعمة وغير مباشرة في آنٍ آخر.
لذا فبالرغم من تعدد الموضوعات والقصص والتنقلات داخل خطاب القرآن الكريم، فإنه يحمل في داخله خيطاً واحداً يجمعها كلها، وهو خيط التوحيد، أي أن التعدد الظاهري يحل في وحدة باطنية، هي وحدانية الله تعالى، وهكذا فقد انتبه بيرك إلى دور فكرة الوحدانية في النص القرآني باعتبارها روحاً أصيلة تهيمن على النص القرآني كله.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
