"من أجمل التجارب خارج الأطر الاجتماعية والدينية"... المساكنة في دمشق

الثلاثاء 30 نوفمبر 202111:02 ص

"كانت تجربةً سرّيةً غير علنية، وهذا كان الدافع لأكون إلى جانب الشخص الذي أحبّه، والانتماء إليه".

بهذه العبارة، أجابت مريم على أسئلة رصيف22، حول قرارها خوض تجربة المساكنة في العاصمة السورية دمشق، ضمن مجتمع إحدى توصيفاته المعلنة أنه مجتمع "محافظ"، للعادات والتقاليد والتعاليم الدينية دور كبير فيه.

حكاية مريم ليست الوحيدة في دمشق، التي شهدت كغيرها من المدن السورية، في السنوات العشر الأخيرة، تغييرات اجتماعية كبيرة لا يُحكى الكثير عنها، وتبقى طيّ الكتمان، منها المساكنة، التي تعني سكن شاب وصبية مع بعضهما البعض في منزل واحد خارج الإطار القانوني، أو إطار العادات والتقاليد الرافضة لهذا النوع من العلاقات.

على الرغم من أن المساكنة في حد ذاتها ليست وليدة الحرب في سوريا، إلا أن الظروف الاقتصادية والتغيّر الاجتماعي المترافقة مع الحرب، تجعلها في نمو أكثر من أي وقت مضى.

المجتمع يرفض... السرّية هي الحل

إلى جانب مريم، هناك سارة وأحمد وجميل، أسماء مستعارة لشباب وصبايا يعيشون في دمشق، تحدثوا إلى رصيف22، عن خوضهم تجربة المساكنة.

الظروف الاقتصادية والتغيّر الاجتماعي المترافقة مع الحرب، تجعل المساكنة في سوريا في نمو أكثر من أي وقت مضى.

عاشت مريم هذه التجربة في غرفة في إحدى البيوت العربية في منطقة باب شرقي في دمشق القديمة، وتبدو الصورة هنا رومانسيةً للغاية؛ حارات ضيّقة، وقصة حب يقرر أبطالها الخوض في تفاصيلها كافة، بعيداً عن عيون المجتمع الراصد لقصص الحب.

وقالت مريم إنها تعرّضت لانتقادات من أصدقائها والجيران في المكان الذي سكنت فيه مع حبيبها، على الرغم من أن علاقة الحب "يجب أن تمر بمرحلة المساكنة قبل الزواج، ليكون مصير العلاقة نفسها أفضل"، وفق تعبيرها.

وتابعت مريم: "بالتأكيد المجتمع الذي أعيش فيه يرفض هذا الأمر لأسباب اجتماعية ودينية"، لذا حاولت وحبيبها إبقاء الأمر طيّ الكتمان قدر المستطاع.

ولحكاية جميل تفاصيل مشابهة، إذ قرر خوض التجربة التي وصفها بأنها "واحدة من أجمل التجارب التي مرّ بها في حياته، خارج الأطر الاجتماعية والدينية"، مضيفاً أنه لم يكن يملك هو وحبيبته القدرة اقتصادياً على الزواج، ومتطلباته التي ارتفعت خلال السنوات الماضية، كما يعتقد أن هناك "الكثير من الناس ممن يتقبّلون فكرة المساكنة، ولكنهم أيضاً يرفضون الإعلان عنها، خوفاً من المجتمع".

وقالت ديانا لرصيف22، إنها عندما قررت مع حبيبها أن يسكنا معاً، وكان السبب الأول اقتصادياً، ووجدا الأمر منطقياً من دون أن يعلنا ذلك للناس، تحاشياً للانتقادات، وفي ما بعد، عرف أهلها بالأمر، وتعرضت لمشكلات بطبيعة الحال، وتغادر المنزل.

التقت ديانا بحبيبها في الجامعة، وتوثقت علاقتهما مع قراره الاستقرار في دمشق بعد أن وجد عملاً في المدينة، وتركه لمدينته الأم حمص، واستأجر غرفةً في منطقة باب شرقي في دمشق القديمة.

"كان بيتي بعيداً جداً، وكان من الأفضل أن أجد غرفةً لتسهيل حياتي. ومع وضعي الاقتصادي السيئ، قررنا أن نعيش معاً، ثم انتقلنا إلى منطقة جرمانا، إحدى ضواحي العاصمة. لم أفكّر قبل أن أنتقل للسكن معه. كنت أريد فعلها فحسب، على الرغم من أني كنت خائفةً من الجيران، ومن أن يلمحني معه أحد أقاربي أو معارفي صدفةً. لذا اشترينا خاتمين لنقنع الناس بأننا متزوجان، حتى لا يصل الخبر إلى أهلي ولا إلى أهله أيضاً، كانت فترةً جميلةً جعلها المجتمع معقّدةً للغاية، لذا لا أستطيع التفكير في إعادتها، بعد أن انتهت علاقتنا بسفره إلى خارج البلاد".

قرر جميل خوض التجربة التي وصفها بأنها "واحدة من أجمل التجارب التي مرّ بها في حياته، خارج الأطر الاجتماعية والدينية"، مضيفاً أنه لم يكن يملك هو وحبيبته القدرة اقتصادياً على الزواج، ومتطلباته التي ارتفعت خلال السنوات الماضية

"تخيّل الخوف من كل شيء؛ من الأهل والجيران والأصدقاء. كان عليّ أن أكون بكامل تركيزي في كل ثانية، إذا اتصل أهلي عبر الفيديو، يجب أن انتبه إلى ألا يكون هناك أي دليل على وجود حبيبي معي في المنزل"، تختم حديثها.

الطوائف تمنع الزواج

واحدة من الأسباب التي تدفع الشباب في سوريا لخوض تجربة المساكنة، هي منع الزواج المختلط بين الأديان، اجتماعياً وقانونياً.

كريم، شاب في بداية الثلاثينات من عمره، دخل في قصة حب مع فتاة ترددت على محله، وعلى الرغم من خطورة الأمر، كون أنهما من دينين مختلفين، إلا أنه خاض المغامرة، وقال لرصيف22، إن حبيبته اتصلت به لتخبره بأن أهلها سيجبرونها على الزواج من شخص لا تريده، لتقرر الهرب معه ليلاً.

ولا يبيح الدين الإسلامي، ولا قوانين الأحوال الشخصية في سوريا، زواج النساء المسلمات برجال غير مسلمين، وتالياً فإن هناك رفضاً مجتمعياً لهذا الأمر أيضاً.

وأضاف كريم بأنهما استأجرا منزلاً من أحد أصدقائه، وعاشا معاً بشكل سرّي وسط ضغوط أهلها لمعرفة مكانها، فيما أنكر هو معرفته بأي معلومات عنها. ومع تصاعد الضغوط، قررت أن تعود إلى أهلها، ثم إنهاء العلاقة بينهما.

وكان ممكناً في حال وجود قانون للزواج المدني في سوريا، أن تنتهي علاقة كريم بحبيبته بشكل مختلف، إلا أن الفتاة تزوجت لاحقاً، وسافرت إلى تركيا، من دون أن يعرف عنها أي معلومات أخرى.

القانون يجرّم ولا يجرّم

لا توجد مواد في القانون السوري تجرّم "المساكنة" بشكل مباشر، لكن هذا القانون يستمد مواده بالأساس من الشريعة الإسلامية، وأعراف المجتمع.

كان عليّ أن أكون بكامل تركيزي، إذا اتصل أهلي عبر الفيديو، يجب أن انتبه إلى ألا يكون هناك أي دليل على وجود حبيبي في المنزل.

وقال المحامي أسامة عبد الرحمن، لرصيف22، إن ما هو ممنوع وفق الأعراف الاجتماعية، ممنوع أيضاً ضمن القانون، تحت بند "خدش الحياء العام"، وهي تالياً تهمة فضفاضة، أو تقع تحت عقوبة الزنا.

ووفق المادة 473 من قانون العقوبات السوري، فإن "المرأة الزانية" تعاقَب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، والعقوبة نفسها على شريك الزانية إن كان متزوجاً، وإلا فإن العقوبة تكون بالحبس من شهر إلى عام واحد. وبناءً عليه، فإن عقود الزواج التي لم تسجَّل في المحاكم السورية بشكل نظامي، مثل الزواج العرفي على سبيل المثال، لا تُعدّ أحد أنواع المساكنة، ولا يعاقب عليها القانون، فمن المهم وجود أي ورقة تثبت زواج الطرفين.

وعليه، يضيف المحامي أنه يتم التعامل مع موضوع المساكنة وفق الشكاوى والبلاغات من الجيران. عندها فقط، تتحرك قوات الشرطة للنظر في الأمر، وتحوّل الطرفين إلى النيابة العامة، التي بدورها ترفع دعوى ضدهما بتهمة "خدش الحياء العام، أو إساءة الآداب العامة".

وأوضح عبد الرحمن أنه في مجتمع محافظ كالمجتمع السوري، لا يكون الخوف من العقوبة فحسب، بل من "الفضيحة" أبضاً.

نقاش يطفو على السطح

على الرغم من أن المساكنة ليست ظاهرةً جديدةً على المجتمع السوري، إلا أن السرّية هي حال الشباب الذين يخوضون التجربة، على الرغم من أن للحرب دوراً كبيراً في تغيير المجتمع، خلال السنوات العشر الماضية.

تشرح سارة بأن خوفهما من المجتمع كان كبيراً، إذ لا تربطها مع حبيبها علاقة رسمية يفرضها المجتمع عادةً على النساء، فالحب والعلاقات ممنوعة خارج إطار الزواج. من جهته، يقول أحمد إن الأمر بالنسبة إليه كان تجربةً مهمة في أثناء مروره بظروف صعبة، قرر خلالها "ممارسة الممنوعات الاجتماعية كلها في سوريا، بما فيها المساكنة".

ويضيف أحمد: "كان الجيران ينظرون إليّ بعدم ارتياح، وصاحب دكان البقالة تحت المنزل كان كذلك أيضاً. الرفض يتأتى من أسباب دينية واجتماعية، وحتى من يقبل بالمساكنة لا يصرّح بها لكيلا يتعرض لانتقادات".

يتم التعامل مع موضوع المساكنة وفق الشكاوى والبلاغات من الجيران. عندها فقط، تتحرك قوات الشرطة للنظر في الأمر، وتحوّل الطرفين إلى النيابة العامة، التي بدورها ترفع دعوى ضدهما بتهمة "خدش الحياء العام، أو إساءة الآداب العامة".

يشير الدكتور في علم الاجتماع، طلال مصطفى، لرصيف22، إلى وجود "حالة من الغموض" حول المساكنة في المجتمع السوري حالياً، وسط غياب إحصاءات رسمية أو غير رسمية دقيقة. ويضيف: "في السنوات الأخيرة، بدأ البعض بالكتابة عن الأمر، وهناك نقاش علني بين السوريين، وخاصةً الشباب، حول موضوعات اجتماعية كان مسكوتاً عنها سابقاً، خاصةً بعد الاحتكاك المباشر مع الثقافات الأخرى، وتحديداً الأوروبية، بسبب تهجير ملايين السوريين إلى خارج البلاد، وكذلك من خلال مواقع التواصل الاجتماعي".

ويتابع المصطفى أن المساكنة تُعدّ شكلاً من أشكال العلاقات الزوجية، أو الجنسية غير التقليدية، وأصبحت منذ أواخر القرن العشرين نمطاً شائعاً كبديل من الزواج في بعض المجتمعات الغربية، بل إنها تُعدّ "مرحلة زواج"، وبالتحديد مرحلة ما قبل تثبيت الزواج بشكل رسمي، وأخذت بعداً قانونياً لدى بعض الدول، مثل حق التملك والإرث، وفي الوقت نفسه ما زالت لدى بعض المجتمعات ظاهرةً مستهجنَةً ومرفوضةً، وخاصةً في المجتمعات الإسلامية، ومنها المجتمع السوري.

"لكن، في السنوات العشر الأخيرة، وما رافقها من تشتت اجتماعي وأسري للسوريين في أنحاء العالم كلها، وتالياً انزياح السلطة الاجتماعية الأسرية المباشرة، بحيث يمكن أن تعيش الفتاة في سوريا أو خارجها من دون أهلها، وكذلك الحال بالنسبة إلى الشبان، ذلك كله سهّل حصول هذه العلاقات الزوجية عن طريق المساكنة، لغياب السلطة القيمية العائلية المباشرة، وخاصةً في المدن الكبرى كدمشق وحلب وحمص، على عكس الأرياف والقرى، حيث يستحيل حصول هذه العلاقات الزوجية، بحكم المجال الاجتماعي الضيق"، حسب رأيه.

من جهة أخرى، يرى المصطفى أنه يمكن تفسير بروز المساكنة في المجتمع السوري في الوقت الحالي، بالظروف المادية والمعيشية، التي تحكم الكثيرين في خياراتهم بالزواج وتأسيس الأسرة، وتضاف إليها ظروف أخرى تتعلق بالرغبة الجنسية الناشئة بشكل طبيعي بين الطرفين، ورغبتهما في تلبيتها بشكل يتناسب مع الظروف، وتأجيل فكرة الزواج الرسمي، وعدم عدّها شرطاً أساسياً لإقامة العلاقة الجنسية، بالإضافة إلى عدم وجود ما يعاقب ممارسي المساكنة في القانون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard