الحب وحده لا يكفي لنأخذ قراراً بالزواج

السبت 4 سبتمبر 202112:55 م

في أحد الأيام، وخلال مشاهدتي برنامجاً ثقافياً على التلفاز، وجّه المذيع سؤالاً لإحدى الشاعرات حول قصيدة النثر. حين سَمِعت أمي مصطلح "قصيدة النثر" نظرت إليّ مبتسمة وقالت: "عم يحكو عن قصيدة النسر يلي إلك؟"، وتقصد بذلك مقهى قصيدة نثر الذي أملكه. ابتسمتُ وقلت لها "أجل"، لأنّي أعلم أن ذلك يُفرحها.

أمي تظن أنني مؤسس قصيدة النثر على كوكب الأرض، فهي لم تسمع طيلة حياتها بهذا المصطلح إلا من خلالي حين افتتحتُ المقهى وأسميته بهذا الاسم، لذا كان من الصعب أن أشرح لها الفرق بين قصيدة النثر، ومقهى قصيدة نثر.

بعد انتهاء البرنامج، سألَتني: "قديش عم يطلّعلك مصاري هالدكان؟"، وتقصد المقهى. ضحكت وقلت: "هيدا مقهى مو دكان". تجاهَلَت كلامي قائلة: "صرلك أكتر من عشر سنين فاتح هالدكان ولحدّ الآن ما جهّزت بيتك ولا اتزوجت. بالله عليك ليش ما عم تتزوج؟ يعني ما بدك تتزوج؟ وليش تارك دقنك هيك ما عم تحلقها؟". ضحكت وقلت: "مو حلوة دقني؟ الصبايا عم يقولولي لابقتلي". أجابت: "لا والله مو لابقتلك غير إذا أنا لابقلي إشلح حالي بالنهر".

أمي تجاوزت الثمانين عاماً من العمر، وهي كما كثيرات من بنات جيلها لم يكن لها رأي في زواجها، فجدي وأخوالي هم مَن كانوا يقررون عنها ويفرضون رأيهم في كل شيء. وفي ما بعد، انتقَلَت سلطة عائلتها إلى والدي.

بالنسبة إليّ، شرح الفرق بين قصيدة النثر ومقهى قصيدة نثر لأمي هو أكثر سهولة من شرح فكرتي عن الزواج. فهي لم تستطع أن تفهم كيف أنني أرغب وبشدة في الزواج وإنجاب الأولاد ورغم ذلك لم أتزوج حتى الآن.

تُرى ما الذي ستقوله لو أخبرتها أنّي لا أستطيع الزواج من فتاة بدون أن أحبها وأنجذب إليها جنسياً، وأرى فيها أماً رائعة لأطفالي، وأتمنى، وليس شرطاً، أن يكون لديها تجارب حب سابقة لأن هذا سيجعلها تُقيّم علاقتنا على كافة الأصعدة معتمدةً على الخبرة التي لديها من تجاربها السابقة، وبالتالي ستعرف إنْ كانت علاقتنا جيدة أم لا. إضافة إلى أنني بعد هذا العمر، 43 سنة، لا أحبّذ أن أكون أنا التجربة الأولى في حياة أي فتاة. بالطبع، إنْ أحببتُ فتاة واكتشفتُ في ما بعد أن ليس لديها علاقات سابقة لن يكون لدي مشكلة في الأمر.

ما الذي ستقوله لو أخبرتها أنه من الصعب جداً أن أتزوج فتاة لا يمكنني مشاركتها الضحك والحزن والمشاوير والصمت والأحاديث التي لا معنى لها أحياناً، وبأنني أتمنى أن يكون لديها حياتها الخاصة قبل معرفتي بها، أصدقاء، عمل، أحلام وطموح لتحقق شيئاً ما، ولا تتخلى عنها بعد الزواج، وأن يكون لديها تصور لمفهوم المشاركة وتؤمن بالحوار والنقاش، وتعرف بأن الحياة الزوجية مؤسسة قد تفشل وتنهار نتيجة لمشاكل وخلافات كبيرة، وفي الوقت نفسه هناك أسباب كثيرة تراكُمها قد يدمّر العلاقة مثل الروتين والملل والضغوط اليومية وإهمال بعض التفاصيل التي تبدو غير هامة.

"أريد تلك الفتاة الحرة الواضحة القوية التي يمكنها أن تقول لي بعد الزواج وإنجاب الأطفال: لم أعد قادرة على مشاركة الحياة معك ويجب أن ننفصل"

أريد أن أتزوج فتاة تؤمن بأن العلاقة كائن حيّ يحتاج إلى الاهتمام والعناية كي ينمو ويكبر وإلا سيمرض ويموت، وبأن العلاقة الزوجية كي تستمر بشكل جيّد ومريح تحتاج إلى الاحترام والذكاء والكرم والتقبّل والقدرة على التحمل وإتقان مهارات وفنون العيش المشترك إضافة إلى الحب.

أريد تلك الفتاة الحرة الواضحة القوية التي يمكنها أن تقول لي بعد الزواج وإنجاب الأطفال: لم أعد قادرة على مشاركة الحياة معك ويجب أن ننفصل. بالطبع سأتألم ولكن هذا أفضل من أن نبقى معاً وتتحول حياتنا إلى تعب وخلافات يومية.

تُرى ما الذي ستقوله أمي لو أخبرتها أنني أحب وبشدة أن أنجب أطفالاً، ورغم ذلك أشعر بالخوف حين أفكر في ذلك، فليس من السهل بالنسبة إليّ نفسياً وأخلاقياً ومادياً واجتماعياً تربية أطفالي بشكل يجعلهم أسوياء وتأمين ما يلزمهم لعيش حياة كريمة في بلد أنهكته الحرب.

حين سألت نفسي لماذا أرغب في إنجاب الأطفال، اكتشفت أنني لا أملك أي إجابة واضحة، لأن هناك الكثير من الأسباب في اللاوعي قد تكون دافعاً للإنجاب، كالخوف من الموت الذي يجعلني أتوهم بأنّي سأحقق شكلاً من أشكال الخلود والاستمرارية من خلال إنجاب كائنات حيّة تحمل جيناتي، أو الحاجة إلى مَن يعتني بي في شيخوختي وهنا يصبح الإنجاب أحد أشكال الادّخار البشري الذي يمكنني الاستفادة منه لاحقاً، أو قد يكون الأمر متعلقاً برغبتي في جعل أولادي يحققون أحلامي التي لم أستطع أن أحققها من خلال زرع أفكاري وقناعاتي في عقولهم بهدف تحقيق هذه الأحلام متوهماً أن ما أفعله شيء عظيم بينما في الحقيقة أكون قد صادرت حقهم في الاختيار من خلال غسل أدمغتهم وحوّلتهم إلى نسخة معدّلة وغير سوية منّي.

"تُرى ما الذي ستقوله أمي لو أخبرتها أنني أحب وبشدة أن أنجب أطفالاً، ورغم ذلك أشعر بالخوف حين أفكر في ذلك، فليس من السهل بالنسبة إليّ نفسياً وأخلاقياً ومادياً واجتماعياً تربية أطفالي بشكل يجعلهم أسوياء في بلد أنهكته الحرب"

وربما يكون السبب افتراضي بأن الإنجاب سيحقق لي نوعاً من السعادة ويشغلني عن قلقي الوجودي، أو ربما ما يدفعني للإنجاب هو إحساسي بأنني سأكون أباً وصديقاً جيداً لأطفالي وسأستمتع بتربيتهم وبالوقت الذي سأقضيه معهم، وربما يكون الإنجاب خدعة قامت بها الطبيعة لأهداف لا نعلمها.

هناك الكثير من الأسباب في اللاوعي قد تكون دافعاً للإنجاب ويبدو أن معظمها يثبت بأني أفعل ذلك من أجل نفسي ومصلحتي الشخصية لا من أجل أطفال لأنني حتى هذه اللحظة لا أشعر بالحب والواجب تجاههم لأنهم لم يأتوا بعد.

على أرض الواقع، وبعيداً عن اللاوعي يمكنني القول إن السبب الجوهري والواضح بالنسبة إليّ هو رغبتي في خوض تجربة الإنجاب واستكشافها. وأظن أنني لن ألزم أبنائي بشيء تجاهي وسأحترم خياراتهم وأشجعهم وأدعمهم.

ما كتبتهُ هو وثيقة اعتراف من حق زوجتي المستقبلية أن تواجهني بها إنْ لم ألتزم بما جاء فيها، ومن حق أطفالي أيضاً أن يفعلوا ذلك حين أقول لهم إن إنجابي وحبي وتربيتي لهم وتعبي وتضحيتي في سبيلهم هو فضلٌ يجب ألا ينسوه طيلة حياتهم.

الحب لا يأتي نتيجة قرار نتخذه، بل يأتي فجأة كالهزّات الأرضية والزلازل، كالرصاص في أرض المعركة، في حين أن الزواج يأتي بقرار.

قد نعيش قصة حب لعدة سنوات، ورغم ذلك لا يمكننا أن نأخذ قراراً بالزواج لأن الحب وحده لا يكفي لأخذ هكذا قرار. رغم ذلك، هناك الكثير من الزيجات التي حدثت بدون حب نتيجة لظروف وضغوط اجتماعية وأسرية ونفسية ومادية وغير ذلك. محظوظ مَن يأخذ قراراً بالزواج بعد علاقة حب بغض النظر إنْ كان هذا الزواج سينتهي بالطلاق أم لا.

أرى أن الزواج وإنجاب الأولاد إحدى أهم وأجمل التجارب والمغامرات في الحياة التي أرغب في خوضها بغضّ النظر عن النتائج التي قد تكون جميلة وممتعة أو قد تجعلني أندم.

تمارس العائلة والمجتمع نوعاً من التنمر والعنف اللفظي سواء عن قصد أو بدون قصد على الأشخاص الذين تأخروا في الزواج وخاصة الفتيات. بالنسبة إليّ نادراً ما يزعجني كلام الآخرين وكلام أمي الذي لا يمضي أسبوع إلا وتسألني متى سأتزوج، ثم تسرد لي النصائح والأحاديث ذاتها عن ذكور كان مصيرهم بائساً لأنهم لم يتزوجوا.

منذ أيام، حين سألَتني كالعادة متى سأتزوج، ولأنني لا أستطيع أن أخبرها بكل ما كتبته أعلاه لأنها ستعتبره بلا معنى، قلت لها: "كيف سأتزوج ولا يوجد الآن في حياتي حب وعشق لأي فتاة؟". أجابت: "شو يلي بيمنعك تشوف شي بنت، ويصير بيناتكن توحبوب (حب) وتوعشوق (عشق)؟". هكذا تلفظهما أمي. قلت: "أعدك بأنني حين سألتقي بفتاة تعجبني وأحبها سأتزوجها. ردّت: "معقول صار عمرك 43 سنة ولحد الآن ما لقيت بنت تعجبك؟".

قلت: "عجبوني كتير بنات وأول بنت كانت سمرا وعيونا وساع، وبتلبس تنورة كحلية، وبعدين عجبتني بنت بكفرحالا بتضل بتنسا حالا، وعجبتني أخت البنت يلي شلحلا حبيبها وردة عَ تختا وفضحوها، وكمان الغريبة يلي مرقت وعطت رسالة لبنت من حبيبها يلي خلاها تنطر كل الصيف والشتي وما كان يجي هالحقير ليشوفها". فقاطعتني: "ولماذا لم تتزوج واحدة منهنّ؟". قلت: "لأنهنّ يسكنّ في مكان بعيد ولا يمكنني رؤيتهنّ". ردت: "وين يعني بالعاصمة؟". وبجدية قلت: "لا في أغاني فيروز".

هزّت رأسها وقالت: "والله ما في ذرة عقل براسك، هلق عرفت ليش ما عم تتزوج، لأن أكيد عم تحكي هيك قدام البنات ومستحيل يكون في بنت عم تسمع هالحكي تقبل إنها تتزوجك، إلا إذا كانت خفشة متلك". و"الأخفش" (المؤنث: "خفشة") هو المصاب بدرجة أقل من الجنون، والذي يفتقر إلى المنطق العقلي والسلوك الناضج.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard