السوريات الحالمات بالحرية… بين قوانين بلادهن وتلك في بلاد اللجوء

الأربعاء 27 مايو 202012:37 م

حلَّ ربيع الثورات في البلدان العربية، وأصبحت "الحرية" شعاراً ومطلباً مشتهى، بعدها تحولت سوريا إلى ساحة حرب، حرب بصقت بكل قذارات العالم على جغرافيتها، ولعنت بطريقها شرف الحياة.

وأصبح الوصول إلى البلدان الأوروبية حلماً يراود السوريين والسوريات، وأصبح حكاية كل يوم وليلة. القادمون على أجنحة الموت، وفي قلوبهم أمل: هو الدخول إلى عالم الحرية من أوسع أبوابها، الحرية التي من أجلها زُهِقت أرواح كثيرة... ويعيش الآن الملايين من اللاجئين/ات السوريين الذين جلبوا معهم الكثير من ثقافاتهم وعاداتهم الجميلة، بالإضافة للكثير من العقد والموروث الاجتماعي المهترئ، في بلاد الحريات التي منحتهم حق اللجوء، الإقامة والتمتع بالحقوق. أتسائل: أية حرية تلك التي كنا نطالب بها؟

 أتسائل: أية حرية تلك التي كنا نطالب بها؟

ولماذا يطالبون النساء بالمراوحة في أماكنهن، مقموعات، مسلوبة منهن تلك الحرية؟ لماذا من المفترض عليهن التمسك بحبال تلك القوانين، ليحيين مرعوبات من سقطة قد تودي بحياتهن؟ ما الذي يفرض عليهن البقاء في عباءة عادات وقوانين اجتماعية انتهت صلاحيتها؟

هل من المفترض تفصيل قوانين بمقاسات شرقية للمرأة في الغرب؟ بينما لا يستوجب الشيء ذاته مع الرجل الذي يتنعم بالقوانين الجديدة، ليعيش الحياة بطولها وعرضها.

الشاب السوري في الدول الأوروبية يرتاد الديسكو، يحتسي الخمر، يسهر مع رفاقه لساعات متأخرة من الليل، ينهض من نومه صباحاً ويرتاد صالة رياضية دون استئذان، أو قد يرتدي سروالاً قصيراً ليرتاد المسبح، أو ربما يرتاد الشاطئ المخصص للعراة، من حقه الدخول في علاقات حميمة وصداقات، المساكنة مع شريك/ة على الرغم من الاختلاف في الدين والشكل والجنس. يتزوج بمن يشاء، ويمارس حريته بحدودها القصوى في ظلّ قوانين الدولة. ليس المفروض عليه أن يرهق نفسه أو يغير من قراراته، ومن النادر أن يلقى اللوم من محيطه، ولن يعيقه شيء عن ممارسة حرياته الشخصية، فهناك قانون يسمح له بذلك، إضافة للقانون الاجتماعي الذي منحه هذا الحق، لأنه جاء للحياة بصفة "ذكر".

أما إذا حاولت، أو فكرت إحداهن ممارسة بعضاً من حقوقها القانونية في هذه البلاد، فنستطيع أن نتخيل الكم الهائل من ردود الأفعال التي ستنهال عليها من المقربين، عائلتها، أصدقائها ومحيطها. الخطوط الحمر الكثيرة التي من المفترض عدم تخطيها، لتصبح فريسة القلق والخوف، لأن عليها أن تحسب ألف حساب لقراراتها، قد يدفن حلمها في أرضه، قد تتعرض للضرب، وفي حالات أخرى يتعدى العقاب الى القتل. أليس هذا هراء وضرباً من ضروب الاستعباد، حين يعتقد البعض بإمكانية إقصاء الحقوق القانونية من النساء، في هذه المساحة الواسعة من ممارسة الحريات؟

فالمراهقون/ات في مدارسهم يتلقون المعلومات التي تتعلق بحقوقهم المختلفة، ويحفظون في هواتفهم الأرقام التي ربما سيحتاجونها يوماً.

أصبح الوصول إلى أوروبا حلماً يراود العديد من السوريين والسوريات، القادمون على أجنحة الموت، وفي قلوبهم أمل: الدخول إلى عالم الحرية من أوسع أبوابها، الحرية التي من أجلها زُهِقت أرواح كثيرة، ويعيش الآن في أوروبا الملايين من اللاجئين/ات السوريين/ات الذين جلبوا معهم الكثير من ثقافاتهم وعاداتهم الجميلة، بالإضافة للكثير من العقد والموروث الاجتماعي المهترئ

دعاء (اسم مستعار) لاجئة سورية في السادسة عشر من عمرها، جاءت مع عائلتها إلى النمسا، تعرضت للعنف من والدها الذي يضربها ويضرب أمها الممنوعة من المشاركة بأي نشاط، حتى تعلّم اللغة الألمانية. حاول والدها إجبارها على الزواج بشخص لا تريده. تخبرها صديقتها بأنها قادرة على الاتصال بالشرطة الخاصة بحماية من هنّ دون السن القانونية من الأذى الذي يتعرضن له في أسرهن، وتفعلها دعاء وتهرب من المنزل، لتلجأ للمركز الذي يوفر لها الرعاية التامة، لتعود بعد ستة أشهر بعد المتابعة والتحقيق، لكن بعد إلزام الأب بالتوقيع على تصريح بعدم الاعتداء عليها أو إجبارها على شيء.

وكذلك النساء اللاجئات، يتلقين المعلومات عن حقوقهن التي تخص الزواج والطلاق، الإنجاب، الإجهاض وحضانة الأطفال، وعن حقها في تقرير المصير بكل ما يخص حياتها في البلاد الجديدة، وقوانينها الصديقة للمرأة.

أنا كامرأة سورية، حصلت على الإقامة في النمسا منذ سنة 2018، شاركت بدورات كثيرة تساعدني بالمعلومات والبرامج التي احتاجها في حياتي في النمسا.

ويعرف عن النمسا أنها بلد يعيش فيه الناس من مختلف الخلفيات في أمن وحرية، ومن المفترض حسب القوانين في النمسا، أن يشترك اللاجئون الحاصلون على الإقامة بدورة تثقيفية في مركز يسمى "صندوق الاندماج النمساوي "OIF"، بهدف مساعدتهم على الاندماج في المجتمع النمساوي، مع الاحتفاظ بحرية ممارسة المعتقدات الدينية، الثقافية أو الفكرية، التعريف بالنظام الصحي، التعليمي، الاجتماعي، نظام العمل، البيئة والعلاقات مع الجيران، ولحياة المرأة في النمسا أولوية تامة، ويستوجب من الجميع احترام هذه القوانين والتقيد بها، لأن مخالفتها تستوجب دفع غرامات مالية أو عقوبات بالسجن، أو عقوبات أخرى قد تصل الى سحب الإقامة.

في النمسا القوانين تكفل الحماية والحرية للجميع (ذكوراً، إناثاً، عابرين/ات جنسياً، مثليين/ات)، هناك مساواة بين الرجال والنساء وللمرأة مطلق الحرية في حياتها والعيش بأمان وحرية، لها الحق في عملٍ تتقاضى عليه أجراً يلبي احتياجاتها، ولا يحق لكائن من كان، منعها أو إرغامها على أي قرار يخص حياتها، حرية الأديان أو اختيار من يشاركها علاقتها الحميمية، وبالطريقة التي تناسبها (الصداقة، المساكنة، الزواج) ولا يوجد مبرر لأي إكراه على ممارسة الجنس أو إنجاب الأطفال أو حتى عمليات الإجهاض، هي أمورها الخاصة، وجسدها ملك لها وحدها من تقرر شؤونه.

تدخل الفرع التعليمي الذي تحبه، أو تختار المهنة التي ترغب بممارستها، تخرج لتمارس الرياضة، تركب الدراجة، تقود سيارة، ترتاد المسابح والمقاهي ودور السينما، حقها مصان في تقرير مصيرها، في كل تفصيل من تفاصيل حياتها، بعيداً عن العنف والقمع، وللأمهات حق حضانة الأطفال.. القائمة تطول.

اعتقدنا بأن الخروج من عوالمنا التي وجدنا أنفسنا فيها، نمارس فيها أدوارنا الاجتماعية ضمن نمطية محددة، أساسها قائم على التذكير والتأنيث. إلى عوالم مختلفة تمنح الرجال والنساء حقوقاً متساوية، العيش بحرية وكرامة إنسانية، وللحياة الشخصية قداسة لا يمكن المساس بها، لنتفاجأ بأن تلك القصص لازالت مستمرة في تعقيداتها.

 الكثيرات في ظلّ القوانين الأوروبية الجديدة، يدركن بأنهن لسن مجبرات على تحمل الضغوط، كالعيش مع شريك لا يرغبن بالاستمرار معه لأي سبب كان، وهي حين تقرر الانفصال، لن تخشى الوقوع فريسة الجوع، لن تعجز عن إيجاد سكن يأويها ولن تخشى من حرمانها حضانة أطفالها، فالقانون ليس سورياً

 الكثيرات في ظلّ القوانين الأوروبية الجديدة، يدركن بأنهن لسن مجبرات على تحمل الضغوط، كالعيش مع شريك لا يرغبن بالاستمرار معه لأي سبب كان، وهي حين تقرر الانفصال، لن تخشى الوقوع فريسة الجوع، لن تعجز عن إيجاد سكن يأويها ولن تخشى من حرمانها حضانة أطفالها، فالقانون ليس سورياً، ومراكز حماية الفتيات والنساء من كل أشكال العنف موجودة وآمنة، وخطوط الهاتف الساخن تلبي النداء بسرعة، مثلها مثل سيارات الإسعاف والإطفاء.

أعرف إن القصة ليست بسيطة، والمقارنة بين الوضع القانوني للنساء السوريات هنا في النمسا وفي غالبية الدول الأوروبية، وبين وضعهن في القوانين السورية، كالمقارنة بين الأرض والسماء. فالقانون الاجتماعي، عامل الدين والعادات التي تتحكم وتؤثر بحياة البشر كثيراً، لن تتغير بين ليلة وضحاها، ولن نتوهم بغير ذلك، لكن المسألة تستدعي الوقوف عليها مطولاً لأنها تخصنا كنساء ورجال، وستطال أجيالاً من بعدنا. لسنا من نصطنع التعقيد، ولكنها قضية معقدة.

وتبقى قضايانا نحن النساء خاصة، وقصصنا نحن السوريون/ات تُشغل بعناوينها منصات التواصل الاجتماعي والإعلام العالمي. البعض يتناولها بجدية واهتمام سعياً لإيجاد حلول، والبعض يتناولها بسخرية وتهكم لإبقائها على حالها أو حتى الإساءة لها وتهميشها.

وبين قوانين دول الاتحاد الأوروبي الصديقة للمرأة، وبين القوانين هناك في سورية، يحدث الاصطدام وتنهار الحواجز، ويبقى الخوف حاضراً. على ما يبدو، لا يحلو للمجتمع الذكوري الغارق في نعيم ذكوريته، أن يتحمل رؤية النساء على قدر المساواة معه، والتمتع بكل الحقوق التي كانت حكراً لهم هناك لعقود طويلة من الزمن.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard