أجيال لم تعد معنية بكونان وريمي وفلّة... كيف هي مسلسلات الكرتون اليوم؟

الأربعاء 17 نوفمبر 202104:59 م
حان وقت الظهيرة، وهو الوقت الذي اعتمدته غالبية الدول العربية لتبثّ عبر قنواتها الرسمية فقرة الأطفال، من مسلسلات، أو برامج مختلفة تنمّي قدراتهم التعليمية. يأتي الطالب من المدرسة شتاءً، وينتظر تلك اللحظة التي ستظهر فيها مسلسلاته على الشاشة بلهفةٍ، مثل ماروكو، والليدي أوسكار، وبسيط، وجزيرة الكنز، وغرندايزر، وغيرها من المسلسلات التي كانت تطرح قصصاً ممتعةً، والكثير منها مأخوذ من حكايات عالمية، تُرجِمت إلى العربية.

وإذا ما شاهدنا طريقة عرض هذه الأعمال ومحتواها، سنجد أنها تحث الطفل على الأخلاق والفضيلة، وليست ترفيهيةً فحسب، بل كانت توصل رسائل مهمة إلى درجة أنه حتى الذين تجاوزوا سن الطفولة يستمتعون بمشاهدتها. لكن، في الوقت الحالي، كيف أصبحت مسلسلات الكرتون؟ وما الذي ينقصها كي تعود إلى الواجهة، أو كي تغني ثقافة الطفل؟

قنوات خاصة بالأطفال

كان الطفل محكوماً بمشاهدة مسلسلاته الكرتونية المفضّلة، في توقيت معيّن على القنوات الرسمية للدولة التي يعيش فيها، وفي عام 2000، برزت القناة الأشهر التي غيّرت مفهوم الكرتون لدى الطفل العربي، وهي "سبايستون"، التي بدأت تبث مسلسلاتها بشكل تجريبي عبر تلفزيون البحرين، من الصباح وحتى الخامسة عصراً بتوقيت دمشق، لتحقق هذه التجربة النجاح، وتنتقل بعدها مع انتشار عصر الفضائيات إلى بث خاص بحزمة منفصلة عن تلفزيون البحرين الحكومي.

في الوقت الحالي، كيف أصبحت مسلسلات الكرتون؟ وما الذي ينقصها كي تعود إلى الواجهة، أو كي تغني ثقافة الطفل؟

عشرة كواكب اخترعها مؤسسو القناة: أبجد، ورياضة، وبون بون، وكوميديا، وأفلام، وتاريخ، ومغامرات، وزمردة، وأكشن، وعلوم، ضمن فكرة عظيمة قدّمت للطفل التسلية والعلم والمعرفة والثقافة، بتنوع واضح للأعمال التي عُرضت على أول قناة تلفزيونية مجّانية للأطفال العرب، انطلقت من مقرّها في سوريا، نحو الوطن العربي، وارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمركز الزهرة للدبلجة في دمشق، فكانت أصوات الفنانين العاملين في هذه القناة وأغنياتهم، رمزاً لا يُنسى لأطفال جيل التسعينيات من القرن الماضي بالتحديد، ومنهم رشا رزق، وطارق العربي طرقان، وهالة الصباغ، وبثينة شيا، وآمال سعد الدين، ورأفت بازو، وأمل حويجة، وغيرهم.

وساهمت سبايستون في توعية القنوات الأخرى بضرورة وجود قنوات جديدة مخصصة للأطفال، فأشعل ظهورها المنافسة النزيهة، وكانت قناة"art teenz" ، ثم تبعتها "MBC3". لم تصمد الأولى طويلاً، في حين بقيت الثانية حتى يومنا هذا، إلا أن سبايستون بقيت الأثيرة في الأذهان، على الرغم من الأعمال الناجحة التي عُرضت على كل قناة على حِدة، وعلى العموم كان الطفل العربي هو المحظوظ بانتشار قنوات أكثر، تقدّم له المتعة والفائدة.

وكان فرق التوجه بين القنوات واضحاً، ففي حين كانت سبايستون ملتزمةً، ولا تعرض المَشاهد التي تظهر فيها فتيات الكرتون بـ"البيكيني"، على سبيل المثال، كما تغيّر النصوص التي تتحدث عن علاقات الحب في الإنمي الياباني الأصلي، كانت قناتا art teenz، و3MBC أكثر انفتاحاً، وتعرضان للطفل الحدث بشكله الطبيعي، فكانت كل قناة تختار ما يناسبها، وما تريد إيصاله إلى الطفل.

تحاول مسلسلات الكرتون اليوم إثبات وجودها من خلال مجاراتها للحداثة والألعاب.

وعن كيفية اختيار المسلسلات الكرتونية في سبايستون، وحذف بعض المشاهد أو إخفائها، يقول نديم سليمان، وهو مخرج ومشرف فني سابق في القناة، إن المسلسلات الكرتونية كانت تُشترى "بالكيلو"، أي أن الاختيار كان يتم من خلال شراء أعمال يابانية عدة من دون تحديد، ثم تُفرَز ويُدبلج الأنسب منها، ويُقدَّم بعضها كمسلسلات، والآخر كأفلام. أما بعض المشاهد، فكانت تُحذَف لأن غاية القناة تربية الطفل بطريقة عربية أصيلة، ومن غير الممكن تمرير أفكار بعيدة عن ثقافة الطفل العربي، كإشارات ماسونية، أو عادات دينية مختلفة، أو صور عارية، لأن اليابان والغرب ليس لديهم مشكلة في تصدير هذه المشاهد للطفل، ويعتقد نديم أن هذا كان فعلاً صحياً، لأنه يجب تدريب الطفل على معتقداته وبيئته، لا على معتقدات الآخرين، وبيئاتهم.

عشرة كواكب اخترعها مؤسسو سبيستون: أبجد، ورياضة، وبون بون، وكوميديا، وأفلام، وتاريخ، ومغامرات، وزمردة، وأكشن، وعلوم، ضمن فكرة عظيمة قدّمت للطفل التسلية والعلم والمعرفة والثقافة، بتنوع واضح للأعمال التي عُرضت على أول قناة تلفزيونية مجّانية للأطفال العرب

رسائل الماضي واليوم

لم تكن مسلسلات الكرتون المعروضة في بداية الألفية الثالثة عابرةً، بل كانت فيها رسائل، وهدف ومغزى، لتصل إلى الطفل بكل سلاسة، وتزرع في نفسه حب الخير والعمل والعائلة، والأخلاق، والفضيلة، فمن يشاهد مسلسل "ريمي"، يعرف تماماً أهمية الأم في حياته، وكيف يجب أن يسعى إلى رضاها، ويحمّل مسلسل "أنا وأخي" المسؤولية للطفل في أن يعرف كيف يجب أن تكون الأخوّة، ويسمو مسلسل "عهد الأصدقاء" باحترام مشاعر الصداقة.

ومن استطاع أن يلقّن المجرمين درساً غير المحقق "كونان"؟ الذي عرّف مشاهديه الصغار بأن المجرم سيقع في النهاية في شرّ أعماله، ولا تخفى على أحد أغنية مسلسل القنّاص الذي كان يبعث إلى الطفل برسالة مفادها الصبر والتحكم بضبط النفس، تماماً كمدرسة إيكوسان للكونغ فو.

أما اليوم، فلم يعد هذا المحتوى موجوداً بقوة، بل هناك تغيّر في المنحى بأكمله، وهذا ما تؤكده الممثلة السورية بثينة شيا، وهي دبلجت أهم الأعمال الكرتونية في سبايستون. تقول لرصيف22: "هناك تغيير واضح في منهجية المسلسلات الكرتونية، وأصبح التوجه محدوداً، ولفئات معينة، أي لم يعد للأطفال كلهم، بل للأطفال ذوي السنوات الخمس أو الست، أو الأصغر، والأعمال المعروضة حالياً هي ضعيفة المحتوى مقارنةً بذي قبل".

وتعزو شيا ذلك إلى أسباب عدة، أبرزها الظرف المادي الصعب للشركات التي لم تعد قادرةً على شراء أعمال مهمة، وهذا سبّب عدم وجود أعمال تصل إلى شريحة الأطفال من عمر 10 إلى 16 سنة، لذلك عزف الكثير من الأطفال في هذا العمر عن مشاهدة أفلام الكرتون، كما لعب التطور التكنولوجي دوراً في ابتعاد الطفل عن الشاشة، فهو يشاهد العمل بلغته الأم مترجماً عبر الإنترنت، من دون حاجة إلى دبلجة المسلسل، أو متابعته على التلفاز. وفي حال شاهده على الشاشة العربية، سيعرف أن هناك تغييراً فيه.

عشرة كواكب اخترعها مؤسسو سبيستون: أبجد، ورياضة، وبون بون، وكوميديا، وأفلام، وتاريخ، ومغامرات، وزمردة، وأكشن، وعلوم، ضمن فكرة عظيمة قدّمت للطفل التسلية والعلم والمعرفة والثقافة، بتنوع واضح للأعمال التي عُرضت على أول قناة تلفزيونية مجّانية للأطفال العرب

لذا، بدأت أهمية دبلجة العمل، وترك الأثر في ذاكرة الطفل تقلّ تدريجياً، فيما سعت الأعمال الكرتونية قبلاً إلى بث حالة من المشاعر بأصوات الممثلين السوريين بالتحديد، الذين قدّموا للكرتون أجمل الحكايات، فوصلوا إلى الوطن العربي بأكمله، ومنهم شيا التي لعبت أدواراً عدة بصوتها، منها "آش" في بوكيمون، و"عمر وغريب" في الكابتن ماجد، و"ألفريدو" في عهد الأصدقاء، وغيرها الكثير، فكيف استطاعت هذه الأصوات أن تصل إلى قلوب الأطفال، وتبقى عالقةً فيها حتى اليوم؟ وما التكنيك الذي يتّبعه الفنان في ذلك؟

تجيب شيا بأن الإحساس الموجود لدى الممثل هو أهم شيء في أداء الشخصيات الكرتونية، فالدوبلاج هو حالة من الروح والمشاعر التي يجب إيصالها إلى الطفل، من خلال اللعب على الأداء، بصوت محترف يعرف عوالم الشخصية التي يؤديها، وهدفها، وفكرتها، لكي يقنع الطفل بأنه متبنٍّ لها بحق.

طفل الآيباد واليوتيوب

يكاد يُخلَقُ كل طفل اليوم، وهاتفه معه، فما إن يبلغ الثالثة من عمره، حتى يألفَ مشاهدة الكرتون على الآيباد، وهواتف والديه المحمولة، وما إن يتعلم اللمس بأصابعه حتى يدخل هو بنفسه إلى عالم اليوتيوب، ويشاهد كرتونه المفضّل، ويختار ما يريد. هذا التطور التكنولوجي المخيف، جعل الأطفال بعيدين بشكل شبه تام عن الشاشة، وأصبحت الأجهزة الذكية أساسيةً في حياتهم، يلهون فيها بألعاب إلكترونية أكثر من مشاهدة المسلسل الكرتوني.

لذا تحاول هذه المسلسلات اليوم إثبات وجودها من خلال مجاراتها للحداثة والألعاب تلك، فإذا جرّبنا اليوم أن نشاهدَ ما يُعرَض من كرتون على سبايستون، أو غيرها، سنجد الفرق شاسعاً عما كنا نشاهده من ناحية تطور الرسوم والقصص المليئة بعوالم من الخيال، لأن غالبية الأعمال باتت تتحدث عن الفضاء، والألعاب، والمسابقات، والمنافسات بين أبطال القصة، بشخصيات خيالية جامحة تخلو من اللمسة الإنسانية البسيطة التي كان يرسمها الكرتون للطفل قبلاً.

هذا ما يؤكده المخرج والمشرف الفني نديم سليمان، الذي يقول لرصيف22، إن اللمسة الإنسانية في مسلسلات الأطفال اختفت، وأصبحت موادّ شبه إعلانية تجارية وتسويقية، أكثر من كونها تقدّم محتوى مرموقاً أو مفيداً، كما أصبحت كل دولة تنتج أعمالها الكرتونية بما يتناسب مع بيئتها وثقافتها، وتطغى اليابان والصين اليوم على سوق هذا الإنتاج المكلف جداً، والقليل عالمياً، ليكون العرب مجرد مستوردين لهذه الصناعة التي تُصاغ بما يتناسب مع الثقافة العربية.

طفل زمن الـ4D، والدراسة عبر الإنترنت، لم يعد يعنيه اليوم كيف اكتشفت ماري الحديقة السرية، ولن يأبه بحكاية فلّة مع زوجة أبيها والأقزام السبعة، وقد لا يشعر برغبة لمعرفة كم بوكيموناً اصطاد آش كيتشام، أو كم مجرماً اكتشف كونان

أما بثينة شيا، فترى أن هذا التطور في الكرتون طبيعي، لأن العقل البشري تطوّر، وأصبح مرتبطاً بالتكنولوجيا ارتباطاً وثيقاً، وتالياً على مسلسلات الكرتون أن تلاحق هذا التطور الذي ترى أنه منقوص حتى اليوم، وما زلنا في حاجة إلى ملاحقة رَكبِهِ، لأن الزمن والمفاهيم في تطور مستمر.

على نغمات أغاني الماضي لمسلسلات الكرتون، نصحو اليوم لنجد أن أطفالنا أصبحوا مثلنا، محكومين بالشبكة العنكبوتية، وملفوفين بها، فزمننا بات سريعاً لا مجال للوقوف فيه. تسبقنا الأيام فنركض للّحاق بها ولا نستطيع، لتغدو أفلام الكرتون التي شبَّ عليها أجيال "شباب المستقبل" في أرشيف الماضي، حالةً شاعريةً رومانسيةً ممتعةً لا أكثر ولا أقل، فطفل زمن الـ4D، والدراسة عبر الإنترنت، لم يعد يعنيه اليوم كيف اكتشفت ماري الحديقة السرية، ولن يأبه بحكاية فلّة مع زوجة أبيها والأقزام السبعة، وقد لا يشعر برغبة لمعرفة كم بوكيموناً اصطاد آش كيتشام، أو كم مجرماً اكتشف كونان، فالبوكيمونات بات يصطادها في لعبة "بوكيمون غو"، وكونان بات يحرّكه بيديه في إحدى الألعاب، وفلّة أصبحت باربي على شاشة الآيباد، تضع لها الطفلة الصغيرة مكياجاً، وتختار لها فساتينها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard