بين سحر الماضي وأخلاقيات الحاضر... كيف غيرت ديزني بوصلة شخصياتها النسائية؟

الثلاثاء 8 يونيو 202102:17 م

الفتاة الجميلة الرقيقة العفيفة المهذبة المتورّطة في مشكلة، إلى أن يأتي الأمير الوسيم، فارس الأحلام الذي سيحبها ويحارب من أجلها وينقذها من الأشرار، ثم يتزوجها ليعيشا في سعادة أبدية، لأن هذا ما تستحقه كل البنات المهذبات العفيفات العذراوات.

الحبكة السابقة عمرها آلاف السنين، وستجدها في التراث القصصي لكل الشعوب والثقافات تقريباً، لذا لم يكن غريباً أن تنهل هوليوود عامة منها مع بداية عصر السينما، وأن تصبح محط اهتمام من ديزني، بالأخص في أفلامها الكارتونية القديمة، التي اقتُبست قصصها وشخصياتها من الحكايات الخرافية الشهيرة أو الـFairy tale بالمصطلح الغربي.

بمعايير هذه الأزمنة، كانت هذه حبكة تتماشى أيضاً مع المنهج التربوي المبسّط المطلوب للأطفال، حيث الخير والشر دوماً واضحان، ولا مكان للشخصيات الرمادية التي يصعب الحكم عليها.

لكن بعد التغييرات القوية في القرن الماضي بخصوص وضع المرأة في المجتمعات الغربية، وانضمامها لقوى العمل والإنتاج، بعد أن كان دورها بالأساس هو الحمل والإنجاب والقيام بالواجبات المنزلية، أصبحت هذه التركيبة غير مطلوبة، بل وموضع هجوم وإدانة تربوياً، باعتبارها تركيبة ذكورية تفرض وصاية على الإناث، وتعتبرهن غير مساويات للذكور. هذا إضافة لتطوّر واضح عامة في الفكر التربوي الغربي، يستبعد تركيبة الخير والشر، الأبيض والأسود، الملاك والشيطان، حتى في قصص الأطفال.

بعد التغييرات في القرن الماضي بخصوص وضع المرأة في المجتمعات الغربية، أصبحت حبكة الفتاة الرقيقة التي تنتظر فارس الأحلام غير مطلوبة، بل وموضع هجوم وإدانة، ما فرض على ديزني طريقة جديدة لتنتج أفلاماً جماهيرية بمعايير اليوم

كيف يمكن أن تتعامل ديزني إذن مع مستجدات الحاضر، وأن تستثمر في نفس الوقت نجاحات وشهرة هذه القصص والشخصيات والأفلام القديمة، لتصبح النتيجة النهائية فيلماً جماهيرياً بمعايير اليوم؟

الإجابة تلخصها لنا أربع شخصيات وقصص مصدرها كلاسيكيات قديمة، أعادت ديزني تناولها في أفلام حديثة.

1- Maleficent

ملافسينت - 2014

بذرة هذا الفيلم تعود لقصة "الأميرة النائمة Sleeping Beauty"، التي قدمتها ديزني سابقاً في فيلم كارتوني بنفس الاسم عام 1959.

في الفيلم الكلاسيكي المذكور نشاهد الأميرة البطلة، وهي تعاني من لعنة قاتلة بسبب الساحرة الشريرة ملافسينت، لكن بمساعدة الجنيات يخفّ ضرر هذه اللعنة، وتبقى الأميرة على قيد الحياة لكن نائمة، حتى ينقذها أمير عن طريق قبلة تمثل الحب الحقيقي اللازم لكسر هذه اللعنة.

القبلة في فيلم Sleeping Beauty

إجمالاً، تمثل الساحرة ملافسينت واحدة من أيقونات شخصيات الشر الكلاسيكية في أفلام ديزني القديمة، ليس فقط بسبب سلوكياتها العدوانية، لكن أيضاً بسبب الطابع البصري والصوتي المخيف المميز لها، الذي يتضمن قرنين وعينين صفراوين وملابس سوداء، ضمن عناصر أخرى.

ملافسينت في Sleeping Beauty

في نسخة 2014 أصبحت ملافسينت البطلة الرئيسية، ودارت الأحداث زمنياً قبل الفيلم الأصلي، لنكتشف في الحبكة الجديدة أننا فهمنا الساحرة بشكل خاطئ، وأنها لم تنوِ قتل الأميرة، لكنها سعت لحمايتها من مخاطر الوقوع في الحب، بسبب عقدة قديمة مرت بها هي في شبابها، عندما وثقت في شخص اتضح أنه يريد سرقتها.

في الحقيقة ستصبح قبلة الإنقاذ التي تمثل الحب الحقيقي هذه المرة، هي القبلة التي ستمنحها ملافسينت للأميرة النائمة!

القبلة في فيلم Maleficent

وبالطبع يضيف اختيار نجمة في وزن أنجلينا جولي للدور الرئيسي بكل قدراتها التمثيلية وجاذبيتها الاستثنائية، المزيج المطلوب بين هيبة وعنفوان الشخصية كما عهدناها في الفيلم الكارتوني، وبين القبول التمهيدي اللازم لكي نحب ملافسينت هذه المرة.

بهذه التغييرات حطم الفيلم عدة ثوابت، واستبدلها بقناعات تربوية مهمة للأطفال:

1- الحب والاهتمام الحقيقيان اللذان تستحقهما كل فتاة، لا يعنيان بالضرورة الحصول على زوج.

2- اليقين الذي نتوهّم به بأن هذا الشخص يمثل الخير المطلق، وذاك يمثل الشر المطلق، قد يكون خاطئاً. لكل قصة منظور آخر محتمل، لو عرفناه لتغيرت نظرتنا.

3- أبسط تصرفاتنا وأفعالنا يمكنها أن تترك أثراً جارحاً وأبدياً على الآخرين.


2- Cinderella

سندريلا - 2015

الفيلم إعادة إنتاج لفيلم ديزني الكارتوني الذي قدمته عام 1950، ولا يشهد تغييرات ضخمة مقارنة بما تحدثنا عنه في ملافسينت، لكنه ينجح بفضل تغييرات طفيفة في تقديم نسخة سندريلا أكثر ملاءمة لجمهور اليوم.

تمثل سندريلا في القصة الكلاسيكية وفي فيلم ديزني الكارتوني، "مفعولاً به" طوال الأحداث، فهي أولاً تتقبل معاملة زوجة أبيها القاسية وبناتها، وثانياً لا تنال فرصتها بفضل ذكاء أو اجتهاد، وإنما بمساعدة جنيات من منطلق الشفقة عليها، وثالثاً ستتغير حياتها فقط بفضل انجذاب الأمير لها، وإصراره على البحث عنها.

مشهد تحول الفستان - فيلم سندريلا 1950

كيف عالجت ديزني النقاط السابقة في نسخة 2015؟

1- تتحمل سندريلا هذه المرة معاملة زوجة أبيها من منطلق اللطف والصبر والقوة والشجاعة، وليس من منطلق الضعف أو قبول القهر.

الحب والاهتمام الحقيقيان اللذان تستحقهما كل فتاة، لا يعنيان بالضرورة الحصول على زوج.

2- تساهم سندريلا في حل العقبات التي تعوق طريقها، ولا تعتمد على سحر الجنيات فقط.

3- تستخدم سندريلا ذكاءها وصوتها في مشهد النهاية، ليعرف الأمير مكانها رغم محاولات زوجة أبيها حبسها وعزلها عنه. أو بصياغة أخرى تحارب سندريلا لتفوز بالشخص الذي اختارته بنفسها.

الأهم ربما، وامتداداً لمدرسة "لا يوجد شر مطلق"، يمنحنا الفيلم مشاهد تفسّر بها زوجة الأب القاسية سبب سلوكها، وتستفيد هذه المشاهد جداً من مهارات كيت بلانشيت كممثلة.

مشهد لزوجة الأب - Cinderella


3- Beauty and the Beast

الجميلة والوحش - 2017

يقتبس الجميلة والوحش أحداثه من فيلم كارتوني لديزني من إنتاج 1991، وهو عمل مقتبس بدوره من رواية خرافية، يقال إن عمرها المتداول قد يكون آلاف السنين، لكن أقدم نسخها المكتوبة المعروفة هي التي صدرت عام 1740 للفرنسية جين ماري بومونت.

الطريف هنا أن الرواية الأصلية ظلت لقرون منتشرة في الأوساط الأرستقراطية الأوروبية، باعتبارها منهجاً تربوياً ممتازاً ومطلوباً للبنات المحافظات.

الجميلة والوحش - نسخة 1991

القصة باختصار عن أمير تحول إلى وحش بسبب لعنة سحرية، يكتشف وجود رجل متسلل إلى قلعته، ويبرر هذا الرجل موقفه بكونه أراد فقط أن يقطف زهرة من بستان القلعة لابنته الشابة التي تدعي "بِل". يخبر الوحش الرجل بأنه سيسامحه شرط أن تحضر ابنته إلى القلعة، ويضطر الرجل للعودة إلى بيته وإحضارها حفاظاً على حياته.

ما نعرفه بعد ذلك أن الفتاة تمثّل أملاً للوحش في التخلص من مأساته، لأن كسر اللعنة والعودة لشكله كأمير مجدداً، يستلزم أن يقع في حب فتاة، وأن يكسب حبها وثقتها في المقابل، وإلا سيظل وحشاً إلى الأبد.

الجميلة والوحش - نسخة 2017

والمغزى التربوي الذي راق للأوساط الأرستقراطية، وأرادت تقديمه لبناتها من هذه القصة، باختصار هو: عليك كفتاة مهذبة أن تتجاهلي عنصر الشكل أو فارق العمر أو ضعف القبول أو أي أسباب أخرى، عندما يتقدم إليك رجل من أسرة نبيلة، توافق عليه أسرتك، وأن تدركي أن كل هذه النقاط لا وزن لها، لأن النبيل سيثبت لك بعشرته الطيبة وبمرور الوقت، أنه الاختيار الأفضل لك فعلاً.

النموذج الذكوري العابث الذي يجب رفض الزواج به، موجود في القصة أيضاً. ويمثله "جاستون"، الوسيم الرياضي المتغطرس الذي يجذب كل الفتيات رغم فشله الوظيفي. هذا نموذج لا يمنح أماناً ولا مستقبلاً لزوجته وأولاده، وستظهر طباعه الخسيسة بمرور الوقت.

كيف يمكن إذن أن تحول ديزني قصة كهذه إلى فيلم يناسب العصر الحالي؟ الإجابة في تغييرات كثيرة أهمها:

1- ستصبح البطلة ذكية منذ بداية الأحداث، ولن تسقط في فخ الانبهار بالوغد التافه "جاستون" كغيرها من البنات.

2- ستختار برغبتها أن تنقذ أبيها من براثن الوحش، وأن تحل محله في السجن لأنها شجاعة.

3- ستواجه الوحش المخيف منذ البداية بصلابة تُحسد عليها.

4- لن تصبح فقط الفتاة التي سيحبها الوحش، بل أيضاً المرشد الأخلاقي له.

5- ستشارك في بعض التحديات والصراعات لإنقاذه من أعدائه.

بهذه الطريقة تحوّلت الرواية إلى مضمون آخر تماماً، يمنح البطلة زمام الأمور في الفيلمين، ويجعلها الطرف الفاعل الذكي المستقل فكرياً الذي يغير كل شيء حوله، بدلاً من أن تصبح مجرد قصة عن فتاة حمقاء لا تجيد اختيار الزوج المناسب، وتنبهر فقط بالشكل الوسيم، إلى أن تتورط في تجربة قاسية تعيد صياغة قناعاتها.

تحوّلت رواية جميلة والوحش في الفيلم الجديد إلى مضمون آخر، يمنح البطلة زمام الأمور ويجعلها الطرف الفاعل الذكي المستقل فكرياً الذي يغير كل شيء حوله، بدلاً من أن تصبح مجرد قصة عن فتاة حمقاء لا تجيد اختيار الزوج المناسب، وتنبهر فقط بالشكل الوسيم


4- Cruella

كرويلا - 2021

تدور أحداث الفيلم في السبعينيات بلندن، عن نشأة "كرويلا دي فيل" وطفولتها، قبل أن تتحول إلى السيدة الشريرة بفيلم الرسوم المتحركة 101 Dalmatians، الذي قدمته ديزني عام 1961، وأعادت تقديم نسخة غير كارتونية منه عام 1996.

كرويلا في نسخة 1961

كرويلا في نسخة 1996

في كل من نسختي "101 مرقط" السابقتين، لا نعرف الكثير عن ماضي كرويلا دي فيل، لكننا نعرف أنها شريرة مجنونة مهووسة بعالم الأزياء والكلاب المرقطة، وأنها ترغب في اختطاف وأذية عدد ضخم من هذه الحيوانات المسكينة، بغرض صناعة معاطف وخط أزياء من فروها.

في فيلم Cruella تفسير للهوسَين، ونظرة متعاطفة لكرويلا تجعلها ضحية أكثر منها مجرمة. وبالتأكيد استفاد الفيلم من تواجد إيما ستون في الدور، لأنها نجمة خفيفة الظل ولها كاريزما مميزة.

الإضافة الأهم درامياً، أن العودة بالشخصية لسن الشباب جعل للتجربة معنى مختلفاً. الحبكة ببساطة ومن حيث الرمزية، عن شريرة عجوز تخلق بشرورها شريرة شابة، نعرف جيداً بحكم الأفلام القديمة، أنها ستصبح لاحقاً نموذجاً مستنسخاً من العجوزة.

رغم هذا يمكن القول بأن الفكرة أصبحت غير منعشة للدرجة ذاتها بعد فيلم Maleficent، وأن ديزني ستحتاج لفكر مختلف ربما في السنوات القادمة، إذا أرادت تقديم بعض شخصياتها النسائية القديمة الأخرى من جديد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard