قتل وإغراء وثأر معنوي... انتقام المرأة في السينما والدراما المصرية

الخميس 25 نوفمبر 202112:25 م

يشكّل "الانتقام"، أحد الأفعال التي جذبت صنّاع السينما والدراما منذ بداياتها، لما في حكاياته من عناصر تشويق لا بد وأن تشدّ شريحةً كبيرةً من المتابعين، خاصةً وأن هذه الحكايات يمكن أن تتنوع كثيراً بتفاصيلها، وأبطالها/ بطلاتها، وأماكن حدوثها، وبداياتها، وخواتيمها.

وفي السينما والدراما المصريتين، تعددت صور انتقام المرأة بشكل خاص. بعضها كان بمثابة انتقام غير منطقي يستهدف زيادة المبيعات باستغلال نجمات الشبّاك، وهو ما جاء مثلاً في فيلم "القاتلة" لفيفي عبده، وظهرت صور أخرى، كانتقام المرأة لنفسها، ما يمثّل فعلاً "شرعياً" من وجهة نظر صنّاع الفيلم، وعبّرت عنه السينما بفيلم "العذراء والعقرب"، ليوسف شعبان وصابرين، فيما جاء الانتقام النسائي بصورة رمزية في فيلم "الزوجة الثانية" لسعاد حسني، حين انتقمت فاطمة من العمدة الظالم، كصورة للحاكم الفاسد، والشعب المظلوم.

"في نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات من القرن الماضي، ركّز صنّاع الدراما السينمائية على التفكير في أعمال فنية تظهر فيها قوة النساء، لإشباع حاجة الجمهور بعد تعلّقه الشديد بنوعية أفلام ‘الأكشن’، التي لعب في أكثرها فريد شوقي أدوار البطولة. هنا حوّلت السينما المرأة إلى عنصر يمكن أن تستفيد منه اقتصادياً، ما يمثّل استغلالاً واضحاً لها"؛ بهذه الكلمات بدأ المخرج عمر عبد العزيز، حديثه لرصيف22، حول الأعمال الفنية الدرامية المصرية التي قدّمت شخصية المرأة المنتقِمة.

شكّل الانتقام أحد الأفعال التي جذبت صنّاع السينما والدراما منذ بداياتها، لما في حكاياته من عناصر تشويق.

بدوره، أضاف الناقد الفني ياقوت الديب، عن "موجات الأفلام ذات الطبيعة الواحدة"، مشيراً إلى أن سبب انتشار أفلام الانتقام في السينما خلال الثمانينيات، هو ظاهرة قتل الرجال من قبل النساء، وخاصةً الزوجات أو العشيقات. "الأمر مشابه لظاهرة أفلام حرب تشرين الأول/ أكتوبر في السبعينيات، والأفلام الرومانسية للثنائي محمود ياسين ونجلاء فتحي، لكن في الوقت نفسه، فإن أفلام الانتقام لم تعبّر دائماً عن الواقع، ولم تكن جميعها بالدرجة نفسها من المنطقية".

مدارس الانتقام الدرامي في السينما

لفت عبد العزيز، إلى الأعمال النسائية التي ركّزت على الانتقام النفسي، وهذا ما ظهر في فيلم "دعاء الكروان" (1959)، حين انتقمت البطلة انتقاماً هادئاً من الشخص الذي غدر بشقيقتها، وانتهك عرضها، وتسبب بموتها.

"من جهةٍ أخرى، هناك أعمال فنية تناولت الانتقام بصورة غير منطقية"، يقول عبد العزيز، مشيراً إلى تقديم أعمال فنية لا تحاكي الواقع، وذكر مثالاً فيلم "المجهول" (1984)، الذي انتقمت فيه سناء جميل من عددٍ كبيرٍ من الرجال، بقتلهم والاستيلاء على أموالهم، ثم إلقاء جثثهم في إحدى البحيرات في كندا، بسبب طرد زوجها لها، حتى أصبح ابنها أحد ضحاياها، وهو أمر من منظور عبد العزيز يخالف المنطق، ومبالغ فيه.

يذكر المخرج أيضاً فيلم "القاتلة" (1991)، الذي لعبت فيه دور البطولة فيفي عبده، فهو أيضاً يشكل نوعاً من الأفلام غير المنطقية برأيه، إذ تتعرض البطلة في طفولتها للاغتصاب، ما يجعلها تنتقم من الرجال، عن طريق استدراجهم جنسياً، ثم قتلهم، "الفيلم لعب على الغريزة الجنسية لدى المشاهد، أكثر من تقديم عمل فني يحاكي الواقع"، يضيف.

المرأة رمز للشعب في الانتقام من الظلم

في هذا السياق، يتحدث الناقد الفني أحمد سعد الدين، لرصيف22، عن فيلم "الزوجة الثانية" (1967)، إذ يعدّه أحد الأفلام المصرية البارزة، ويحمل رمزيات عديدة، أهمها الصراع بين السلطة ممثلةً في العمدة، والشعب ممثلاً في الفلّاحة الفقيرة فاطمة، التي جسدت شخصيتها سعاد حسني.

"عادةً، في نهاية الصراع، يكون الفوز من نصيب العمدة، أو السلطة، بينما هنا جاء الصراع بصورة أكثر صعوبةً، لينتهي بهزيمة السلطة، وانتصار الشعب"، يقول المتحدث، مشيراً إلى أن المخرج استخدم الأراجوز في بداية الفيلم، كرمز للانتقام عند المرأة، مشيراً إلى أن جملة "محدش يقدر على ست"، توضح وجهة نظر صنّاع الفيلم، بأن المرأة ليست سهلةً عندما نتحدث عن موضوع الانتقام، وهنا انتقمت فاطمة من العمدة بشكل غير متوقع، وأخذت حق الفقراء جميعهم، وليس حقها وحدها.

انتقام المرأة في الدراما

وعن الانتقام النسائي في الدراما التليفزيونية المصرية، يعلّق الناقد الفني رامي عبد الرازق، في حديثه لرصيف22، بالقول: "أهم شيء في أدوار الانتقام النسائية، أن يكون نابعاً من القرارات الشخصية، والتحولات داخل العمل الفني، حتى يكون منطقياً ومتماشياً مع السياق الدرامي للقصة نفسها". ويستشهد بدور نيلي كريم في مسلسل "سجن النساء" (2014)، الذي تدور أحداثه حول ثلاث نساء يعشن ظروفاً اجتماعية واقتصادية صعبةً تدفعهن لارتكاب جرائم، ودخول السجن أكثر من مرة. كان الانتقام في المسلسل وفق رأي الناقد، درامياً ومنطقياً، وفي الوقت نفسه كان يكرّس لفكرة العنف الفردي، أو أن المجتمع ظالم وقاهر للمرأة، وهو سجن كبير للنساء، ويمكنه أن يحوّل الضحية إلى جلاد، والسجّانة إلى مجرمة.

في نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات، ركّز صنّاع الدراما السينمائية على التفكير في أعمال فنية تظهر فيها قوة النساء، لإشباع حاجة الجمهور بعد تعلّقه الشديد بنوعية أفلام ‘الأكشن’. هنا حوّلت السينما المرأة إلى عنصر يمكن أن تستفيد منه اقتصادياً، ما يمثّل استغلالاً واضحاً لها

ويتناول عبد الرازق دور أروى جودة في مسلسل "هذا المساء" (2017)، الذي تدور أحداثه حول صراعات فردية لأشخاص ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة، إذ كان انتقامها معنوياً، وهو أشد قساوةً من القتل، فإزاحة الأشخاص من الوجود تريحهم، لكن بقاء الشخص، وتعرّضه للشك والوساوس ورعب اليقين، ما هو إلا صورة من أشكال الانتقام العنيف جداً، لكنه كان مناسباً لطبيعة الشخصية، ومشاعرها.

ويرى عبد الرازق أن أضعف الأعمال الدرامية التي قدّمت الشخصية الانتقامية التليفزيونية، يتمثل في دور منّة شلبي في مسلسل "في كل أسبوع يوم جمعة" (2020)، وتدور أحداثه حول امرأة متزوجة من رجل مصاب بالتوحّد، وتتحول إلى قاتلة بعد قصة حب فاشلة مع كاتب مشهور، إذ جاء تكريس العنف بالنسبة إلى شخصيتها، غير متناسب مع فعل الانتقام، ويضيف شارحاً: "لم تبدأ بالانتقام، إنما حاولت إخفاء السر الخاص بها، فالعنف الشديد الذي كانت تمارسه الشخصية مقحَمٌ، وغير مبرر، وقد ظهر وكأنه عنف من أجل العنف، أراده الكاتب، ولكن لم يتناسب مع الشخصية، ولم ينبع منها".

نجلاء فتحي وأدوار المرأة القوية

خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كانت نجلاء فتحي واحدةً من أهم النجمات، وركّزت حينها على أدوار المرأة القوية، فاتجهت نحو البحث عن الأعمال التي يمكن من خلالها تجسيد هذه الأدوار، وهو ما يتحدث عنه الناقد أحمد سعد الدين.

أهم شيء في أدوار الانتقام النسائية، أن يكون نابعاً من القرارات الشخصية، والتحولات داخل العمل الفني.

أول عمل فني ضمن هذا السياق لنجلاء فتحي، كان فيلم "غداً سأنتقم" (1983)، وقدّمت فيه شخصية امرأة ضحّت من أجل زوجها بدخولها السجن بدلاً منه، وعندما خرجت وجدته قد تزوّج من غيرها، وطلّقها، فتقرر الانتقام، وجاءت صورة الانتقام هنا كرد فعل على ما حدث، وليس فعلاً انتقامياً في حد ذاته.

وينتقل سعد الدين، بالحديث عن فيلم "المرأة الحديدية" (1987)، الذي قدّمت فيه أيضاً نجلاء فتحي الشخصية الانتقامية، ولعبت دور مدرّبة ألعاب قتالية. قُتل زوجها بين يديها، على فراش الزوجية، في الأسبوع الأول من الزواج، مما جعلها تنتقم ممن قتلوه.

تأثير البيئة

ينتقل الناقد ياقوت الديب، إلى الحديث عن تأثير بيئة العيش على شكل انتقام المرأة وأسبابه: "من المؤكد أن البيئة والظروف المحيطة تلعب دوراً كبيراً في سلوكيات الإنسان، وتصرّفاته، سواء أكانت إيجابيةً، أو سلبيةً، لأنها ببساطة تشكّل الوعي عنده، وتؤثّر فيه، ويؤثّر فيها، وكل إنسان ابن البيئة التي تربّي فيها، سواء الخارجية، أو الداخلية".

بذلك، نرى اختلافاً في المعالجات التي قدّمتها أفلام عدة، منها "المرأة والساطور" (1997)، الذي يحكي قصة امرأة قتلت زوجها بعد أن اعتدى على ابنتها، وفيلم "بنت من دار السلام" (2014)، ويحكي قصة فتاة تنتمي إلى منطقة شعبية في القاهرة، وتتعرض لاعتداء جنسي من رجل مسنٍّ تعمل في منزله، وتُجبَر على الزواج منه، ثم تحاول الانتحار، وفيلم "سيدة الأقمار السوداء" (1971)، الذي تدور أحداثه حول فتاة تعاني من الفقر، وترى في الزواج من رجل أعمال ثري فرصةً للحياة السعيدة، لكنها تضحّي بحبيبها، الذي يتزوج بدوره من أخت زوجها.

ويضيف الديب شارحاً: "هذه الأفلام جميعها، قدّمت الشخصية الانتقامية النسائية، بحيث ركّز كل منها على معالجة مشكلةٍ ما درامياً. ليس شرطاً أن تتفق المعالجات مع منطق الحياة، فالسينما تعرض المشكلة من وجهة نظر صنّاعها، وبشكل يحقق الغرض من إنتاج هذا الفيلم، أو ذاك، فهي تتخيّل ولا تنقل الواقع، أو الحقائق كما هي".

عادةً، في نهاية الصراع، يكون الفوز من نصيب العمدة، أو السلطة، بينما في فيلم "الزوجة الثانية"، جاء الصراع بصورة أكثر صعوبةً، لينتهي بهزيمة السلطة، ممثلةً في العمدة، وانتصار الشعب، ممثلاً في الفلّاحة الفقيرة فاطمة، التي جسدت شخصيتها سعاد حسني

ويرى الديب، أن فيلم "المعلمة سماح" (1989)، هو أحد الأفلام التي قدّمت المرأة المنتقمة في تجسيدٍ مشروعٍ ومقبول، ويريح النفس، ولم يتسبب باعتراض من جهة الجمهور، الذي كان على العكس، راضياً تماماً، لأن البطلة انتقمت من المعلم كمال، الرجل الظالم، وسائر من ظلموها، إذ يحكي الفيلم قصة سماح التي تحتل مكان والدها في السوق بين التجار، لكن منافسها كمال يسرق مخازن والدها، ويتسبب بموته، ويبعد حبيبها عنها مغرياً إياه بالمال، ويسعى هو للزواج منها، لتقرر الانتقام.

وتتفق الرؤية النقدية لهذا الفيلم، مع فيلم "العذراء والعقرب" (1990)، ويحكي قصة فاطمة، التي يرغب الملعم سلطان في الزواج منها، مستغلاً معاناتها المادية، لكنها تُخطَب لشاب آخر، فيغتصبها سلطان تحت تأثير المخدّر، ليمنع الزواج، وتقرر الفتاة قتله انتقاماً.

بدوره، يتحدث المخرج أحمد البدري لرصيف22، عن تأثير البيئة على الشخص المنتقِم، عادّاً أن تحية كاريوكا من أكثر النجمات اللواتي لعبن هذا الدور باحترافية، مشيراً إلى شخصيتها في فيلم "شباب امرأة" (1956)، إذ كانت شفاعات امرأة متسلطة، لكن ذلك لم يمنعها من الوقوع في حب شاب صغير جاء من الريف إلى القاهرة بغرض الدراسة، ولما غرق معها، أراد أن يخرج مما وضع نفسه فيه، غير مهتم بقلبها الذي تعلّق به، مما جعلها تنتقم، لكي تستردّ حبها، ويرى البدري، أن شفاعات ركّزت على نقاط الضعف في الشاب القروي، حتى تنتقم منه: "لا بد للشخصية الدرامية من نقاط ضعف يستغلّها الطرف الأقوى، ليُحكِم السيطرة على من ينتقم منه".

قد يكون الانتقام رغبةً طبيعيةً يشعر بها أي شخص حين يتعرض للظلم، ولا يختلف انتقام الرجل عن انتقام المرأة، لكن صنّاع الدراما المصرية بين السينما والتلفزيون، عندما قدّموا هذه الشخصيات، ركّزوا على النجمات الأكثر شهرةً، ولم يركّزوا على قدرة الممثلة نفسها في القيام بالعمل، أو لا، واستخدموا المرأة كسلعة، فمن خلالها يحققون إيراداتٍ عالية، ويحصدون الأرباح، وليس من المهم منطقية القصة درامياً، أو محاكاتها للواقع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard