أفلام الشّر في السينما العربية... أغنياء وفتوّات ومتعطشون للسلطة

الجمعة 29 أكتوبر 202101:08 م

لم تخرج أدوار الشّر في السينما العربية عن القصص التي ألِفها الناس في حياتهم اليومية، فالفعل الشّرير في عموم الأفلام التي تناولت ثنائية الخير والشّر، ينبع من دائرة دوافع وصراعات إنسانية تشبه تلك التي تحدث في الشوارع والحارات، ولم تكن هناك مساحات لخلق نماذج جديدة مفاجئة.

قدّمت الأفلام، في الغالب، شخصية الشّرير معزولةً عن مسار تشكّلها، ودون إعطاء مساحة لشرح دوافعها وأهدافها وتركيبتها النفسية، فنحن نرى البطل/الشرير يقتل ويستلذّ بالقتل، يعذّب ويدمّر ويحيك المؤامرات دون أن نفهم الأسباب.

لم يكن المتفرج العربي يميّز بين الشخصية التي يؤديها الممثل في السينما وشخصيته الحقيقية، لذلك علقت هذه الأدوار بوجدان المشاهد وتحولت إلى أيقونات خالدة التصقت بأصحابها، الذين سارعوا إلى تأدية الأدوار الخيّرة كنوع من التوبة وتلميع السمعة. وتتنوع الأفلام التي قدّمت شخصية الشرير بحسب الحقب والمواضيع المطروحة وقدرة الممثل على الاقتراب من شخصيات مؤذية عادة ما يتجنبها الناس الواقع.

لم تخرج أدوار الشّر في السينما العربية عن القصص التي ألِفها الناس في حياتهم اليومية، فالفعل الشّرير في عموم الأفلام التي تناولت ثنائية الخير والشّر، ينبع من دائرة دوافع وصراعات إنسانية تشبه تلك التي تحدث في الشوارع والحارات

السّلطة وجه للشّر

أفلام السّجون والمعتقلات رسّخت نموذجاً خاصاً لصورة الشّرير في السّينما العربية، سواء كان ضابطاً، أو مدير سجن، أو شرطياً، أو مجرد سجّان؛ فالقسوة والتفنّن في انتهاك آدمية الإنسان واحتقاره كانت سمة تميّز رجل السّلطة، لكن المختلف في هذه الأفلام كان طريقة نسج تفاصيل تلك الصورة المرعبة، التي لا زال كثيرون منّا ينظرون إلى السلطة من خلالها. 

يعتبر فيلم "الكرنك" (1975) أول فيلم سينمائي يوثق التجاوزات السياسية والأمنية في عهد جمال عبد الناصر، ويركز على شخصية "صلاح نصر" (1920-1982) مدير المخابرات العامة المصرية.

من فيلم الكرنك
يترك الممثل كمال الشّناوي أثراً خاصاً في هذا النموذج، فهو يحقّق مع المساجين ببرودة شديدة، يتجوّل في حجرات التعذيب بزيه الأنيق، مستمتعاً بالصرخات التي تصله من وراء القضبان. ويرسّخ رشدي أباظة نفس هذه السّمات تقريباً، في فيلم "وراء الشمس" (1978) ويجعلها صفات ثابتة، وهو فيلم يحكي عن حملة الاعتقال والتعذيب التي شملت شباب الجامعة والأساتذة الجامعيين والمثقّفين، وكلّ من تساءل عن أسباب هزيمة حرب 67.

أفلام السّجون والمعتقلات رسّخت نموذجاً خاصاً لصورة الشّرير في السّينما العربية، سواء كان ضابطاً، أو مدير سجن، أو شرطياً... القسوة والتفنّن في انتهاك الناس، وهي الصورة التي لا زال كثيرون منّا ينظرون إلى السلطة من خلالها

أمّا سعيد عبد الغني، فيؤسّس لملامح جديدة لشرير السلطة في فيلم "احنا بتوع الأوتوبيس" (1979)، فشخصية رمزي، مدير السجن الحربي، فيها أبعاد نفسية مُركبة أكثر: صوته ليس جهورياً ولا يحرص على ارتداء زي رسمي، لكن له طريقته المخادعة التي تبدأ بعرض سيجارة أو كوب قهوة على المستجوَبين، لينتهي هذه الاستضافة اللطيفة بأقسى أنواع التنكيل النفسي والجسدي.

ولا تختلف كثيراً عن شخصية توفيق شركس، التي قدّمها محمود عبد العزيز في فيلم "البريء" (1985) ويظهر في أول الفيلم هادئاً ورقيقاً، يشتري لابنته غيتاراً في عيد ميلادها، كما يغني مع الأطفال ويقدم لهم "فقرة الساحر" ليسلّيهم. ليظهر تدريجياً التحول والازدواج الشاذ حين يعود لخدمته في السجن، وينكّل بالمساجين الذين يجبرهم على تناول الطعام من على الأرض، ويربط أرجلهم ويسحلهم خلف حصان يمتطيه.

ويصل نموذج شرير السلطة مداه مع شخصية أمين الشرطة حاتم، التي قدّمها خالد صالح في فيلم "هي فوضى" (2007). حاتم يستمد قوّته من الفساد المنتشر في جهاز الأمن، ويسمح لنفسه أن يستخدم صلاحيات أكبر من منصبه، نتيجة تسيّب رؤسائه، وليصبح بالتالي موظفاً مرتشياً وأداة تسلّط وتعذيب لكل من يخالف أو يعترض على سياسة الحكومة، ويعلن صراحة بأنه هو الحكومة، إضافة إلى العُقد النفسية التي يحملها، مثل السادية والهوس الجنسي.

أفلام الفتوّات والطواغيت قدّمت نموذجاً آخر للشرير الذي يحكم بقوّته وجبروته ويفرض سلطته على الضعيف

من فيلم "هي فوضى"

شخصية الفتوّة

أفلام الفتوّات والطواغيت قدّمت نموذجاً آخر للشرير الذي يحكم بقوّته وجبروته ويفرض سلطته على الضعيف، ويمكن أن نصنّف فيلم "شيء من الخوف" (1969) لحسين كمال كصانع لهذا النموذج، فهو ينجح في تتبّع مسار شخصية عتريس منذ الطفولة وحتى تحوّله إلى طاغية مستبد، حيث كان جدّه يدرّبه ويُعدّه لحكم قرية "الدهاشنة". تمر السنوات ويتماهى الطفل مع دوره الجديد، بل يصير أشد بطشاً من جده.

ما يميّز حضور الشرير هنا كثرة التفاصيل والدوافع التي أحاط بها المخرج شخصية عتريس، تفاصيل تؤكد أن حب السلطة قد يصنع من أي شخص دكتاتوراً. نموذج الشرير الطاغية الذي ظهر في فيلم "شيء من الخوف" انتقل إلى أفلام أخرى، قدمت شخصية "الكبير"؛ كبير الحارة (الفتوة) أو كبير القرية الذي يطبّق قانونه وشرائعه الخاصة.

الشّرير الكلاسيكي

  تدور أحداث فيلم "ملوك الشر" (1972) حول صراع عصابات المخدرات، فشفيق أبو الليل (فريد شوقي) يريد القيام بعملية أخيرة والتوبة بعد ذلك، لكن زعيم العصابة الثانية (الحوت) يفسد عليه العملية ويسرق منه البضاعة، فيتحوّل الفيلم إلى فضاء صراع تقليدي بين الزعيمين. يتميز فيلم "ملوك الشر"، بتقديمه الكلاسيكي للأشرار، والأهم أنّه يجمع سمات مختلفة، منها القوّة والبنية الجسمانية التي يجسدها فريد شوقي، ونظرات الرعب وملامح الشر لدى محمود المليجي وتوفيق الدقن.  

تغيّر اليوم تقديم شخصية الشرير، وتجاوزت السينما العربية الاعتماد على الصورة الجسمانية  لشخصية الفتوة كي تغوص أكثر في السلوك وتفكيك السمات النفسية، فالشرير قد يكون أي شخص، لا محدّدات دالة عليه، تصنعه الأحداث وحدها

الشّر على أيدي النساء

يُقحم فيلم "ريا وسكينة" (1953) النساء في هذه الدائرة الشيطانية، ويجعل الجمهور على تماس لأوّل مرة مع الشر المطلق الذي تمارسه المرأة، بعيداً عن المكائد الصغيرة أو الخيانة، بل عبر القتل بدم بارد. الفيلم ينقل إلى الشّاشة أحداثاً واقعيّة وردت في تحقيق صحفي للكاتب لطفي عثمان، وهو أوّل اشتغال فني حول ريا وسكينة، أشهر عصابة بثت الرعب في الإسكندرية، وكانت تستدرج النسوة لسرقة مصوغاتهن الذهبية وخنقهن على إيقاع أغنية "حسرة عليها، يا حسرة عليها".

ويستمر حضور المرأة في أدوار الشّر في أفلام كثيرة، ومنها دور "الكتعة" لنعيمة الصغير في فيلم "العفاريت" (1990)، المعلمة التي تحتجز عشرات الأطفال وترغمهم على تنفيذ أعمال إجرامية وسط تهديدات تنم عن قلب لا يعرف الرحمة. أتقنت نعيمة الصغير أدوار الشر في العديد من الأفلام، كانت فيها الحماة المتسلطة والأم الحازمة، وأكسبها صوتها الأجش ونبرتها في الكلام شهرة كبيرة.

هناك من يتربّص بقصص الحب

وسط عاطفة الحب والانجذاب بين جميلة (هند صبري) ورؤوف (أحمد عز)، في فيلم "مذكرات مراهقة"، تظهر شخصية نانسي (شمس) بخصائص تلائم اضطراب العلاقات الاجتماعية في المجتمع المصري المعاصر، فهي صديقة جميلة لكنها تحقد على علاقة الحب الناجحة التي تجمعها برؤوف، فتوقع بها كي يتم اغتصابها، وتنجح في مسعاها لتدمير حياتها. المميز في الشخصيات التي تؤديها شمس أنّها إحدى القليلات اللاتي قدمن أدوار شريرة معقدّة في السينما العربية، سواء في "مذكرات مراهقة" أو "اللبيس" أو في أعمالها الدرامية، هي دائماً البارعة في إحباط خطط الآخرين.

 كي لا يحكمنا قانون ساكسونيا

في فيلم "الغول" يؤدي فريد شوقي دور فهمي الكاشف، وهو رجل أعمال فاسد، يسعى لإنقاذ ابنه نشأت من العقاب، بعدما اقترف جريمة قتل. ويحقق في تلك الجريمة الصحفي عادل (عادل إمام) الذي يقنع زوجة القتيل بعدم قبول إغراءات المال والتنازل عن حقّها، لكن صوت المال يعلو على أصوات الجميع ويتم طي القضية.

يلحظ عادل أن القانون المصري صار نسخة عن "قانون ساكسونيا"، تلك المقاطعة الألمانية رمز العدالة الزائفة، التي عُرفت بقانونها الذي يستثني النبلاء من المحاكمة أو تكون محاكمتهم عبارة عن عرض مسرحي، بحيث يُحاكم الأمير أو النبيل بأن يصدر الحكم ضد ظله! فيقرر القاضي قطع رقبة ظل الأمير أو سجن ظله. إنها العدالة الزائفة أو الشكلية التي تمثل الفجوة الكبيرة بين الطبقات، ولكي لا يسمح الصحفي عادل بقانون ساكسونيا أن يسود في البلاد، يتولى شخصياً تطبيق العدالة ويقتل رجل الأعمال الفاسد فهمي الكاشف.

لقد تغيّر اليوم تقديم شخصية الشرير، وتجاوزت السينما العربية الاعتماد على الصورة الجسمانية  لشخصية الفتوة كي تغوص أكثر في السلوك وتفكيك السمات النفسية، فالشرير قد يكون أي شخص، لا محدّدات دالة عليه، تصنعه الأحداث وحدها. وانحصرت بالتالي مشاهد العنف المجانية لصالح نظرة سيكولوجية تكشف المعتقدات التي تبرر سلوكيات الفرد المؤذية، وآليات تعظيم المنفعة الشخصية على حساب الآخرين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard