"يطلبون منه الانتقام أو الأذى"... "الوليّ المفسود" في شمال سيناء

الخميس 11 نوفمبر 202104:23 م

تحت سماء "سانت كاترين" الطافحة بالنجوم، وفي أحد المخيمات المخصصة لإقامة الغرباء السائحين جنوب سيناء، كنت قد وصلت لحالة من الصفاء الذهني والنفسي، لا يمكن لأي شيطان خلالها أن يتخلل أحلامي.

مكثت في ضيافة واحد من شيوخ قبيلة الجبالية، يُدعى إبراهيم أبو سالم، حسن المنظر ذو لحية بيضاء مشذبة، يجيد التحدث بعدة لغات، فضلاً عن القراءة والكتابة بالعربية.

قدّم لي بعض عسل النحل الجبلي، وحكى عن كثيرٍ من تاريخ المكان، وددت أن أسأله عن عادة غريبة لدى سكان شمال سيناء، لكني لم أشأ أن أكدر صفو هذه الساعات بأية أسئلة مزعجة، ولم أفاتحه في سيرة الأولياء المفسودين إلا بعد ذلك بمدة طويلة، وعبر مكالمة هاتفية.

بدأت بالسؤال القريب: هل هناك مقامات لأولياء الله الصالحين في سيناء على غرار تلك المقامات المنتشرة في أغلب محافظات مصر؟ وكنت أقصد الوصول في نهاية الأمر إلى السؤال البعيد، ماذا تعرف عن مقامات الأولياء المفسودين في سيناء؟

لقد أثارت عبارة "الولي مفسود" ذهني منذ تلك اللحظة التي تعثرت فيها بهذه التسمية عن طريق الصدفة في مرجع قديم عن تاريخ سيناء، الولي الصالح في مقابل الولي المفسود.

أولياء مفسودون

أسئلة كثيرة تبادرت إلى ذهني، عندما تعرفت إلى قصة الأولياء المفسودين أول مرة، شعرت بأنها واحدة من أكثر عادات الشعوب غرابة.

من المألوف في مصر أن يقدس الناس رموزهم الروحانية، يحتفظون بقبورهم، ويقيمون حولها أضرحة، ويتحول الولي الصالح إلى رمز للخير في أذهان الجماهير، لكن هل يمكن أن تجري الأمور بطريقة عكسية، فينصبون مقاماً لمن يرونه فاسداً، ويمارسون طقوسهم حوله.

"يودعون نقوداً عند حافظ المقام، ويطلبون أموراً سيئة في الغالب، وأعمالاً سحرية كالإقدام على أذية شخص ما أو الانتقام منه... يتولى شأنه الشيخ"

الولي "المفسود" هو رمز للشر لدى بعض قبائل شمال سيناء، ما قرأته عن الشيخ مصبح والشيخ العمري مثالان على ذلك، ماتا قبل زمن بعيد، وأقيم على قبريهما مقامان عُرفا بمقامات الأولياء "المفسودين"، وبدلاَ من أن يتجاهلوا مصبح حافظوا على مقامه. صحيح أن ممارستهم تجاه الأولياء "المفسودين" تختلف بشكل كبير عن ممارستهم تجاه أوليائهم الصالحين، يتباركون بقبر وليهم الصالح، ويسبون ويرجمون قبر وليهم "المفسود". لكنهم في الوقت نفسه يحتاجون إلى قبر الولي "المفسود" ليلبي لهم بعض الحاجات الدنيوية، التي قد تصل لدى البعض لممارسات تنتمي إلى ما يعرفونه بـ"السحر الأسود".

فلماذا حافظت قبائل شمال سيناء على مقامات الأولياء "المفسودين"؟ لماذا تلعنها وتحتاج إليهم في نفس الوقت، وهل يحتاج الناس إلى رموز للشر مثلما يحتاجون إلى رموز للخير؟

يقول ناعوم بك شوقير في كتابه "تاريخ سيناء وجغرافيتها": "لبدو سيناء أولياء مفسودون يصبون عليهم الشتائم، ويرمون قبورهم بالحجارة، كما أن لهم أولياء صالحين يقدمون لهم الذبائح، ونمر بذكر اثنين منهم: "مصبح" الولي المفسود على درب الحج المصري في وادي المشيتي، و"عُمَري" الولي المفسود في أعلى وادي الأبيض، على بعد عشرة أميال من خرائب العوجاء في طريق غزة".

ورد أبو سالم: "لقد قرأت كتاب شوقير لكني أفضل عليه كتاب الأمم الموجود في خزانة الدير، وهذه الأماكن التي تحدث عنها موجودة في شمال سيناء، هناك في الشمال، أما في الجنوب فلدينا أولياء صالحون، ولا نعرف من يسمّى الولي المفسود".

يقول ناعوم شوقير عن مصبح الولي المفسود: "مررت بدرب الحج عام 1906 مع جماعة من البدو، فما إن وصلنا هذا الرجم (كومة كبيرة من الحجارة) حتى رأيت كلاً من البدو قد أخذ حجراً، ورمى به الرجم، وأخذ يصب عليه الشتائم، ويقول: يا ملعون الوالدين الله يلعنك. فسألتهم عن ذلك فقالوا: هذا قبر رجل يدعى مصبح، كان ولياً ففسد، وضل السبيل فسُمِّي الولي المفسود".

كان صالحاً ففسد: هل تحول من حياة الزهد إلى ممارسة السحر الأسود؟

مسافة طويلة من السفر تفصل بين جنوب سيناء وشمالها، تستغرق أربع ساعات بالسيارة، تتخللها جبال وعرة على مساحات شاسعة. فصلت هذه الجبال بين الجنوب الهادئ، حيث قبائل المزينة والجبالية وأولاد سعيد وغيرهم، وبين قبائل الشمال الوعر، حيث قبائل الترابين والسواركة، بدو هنا وبدو هناك، وبين هنا وهناك عادات مختلفة وأناس مختلفون.

لذا عرفت أني لن أحصل على إجابة شافية من أحد سكان الجنوب، والذهاب للشمال للحصول على إجابة ما قد تحيطه مصاعب جمة في هذا التوقيت بالذات، خصوصاً بعد الحرب الشرسة التي خاضتها القوات المسلحة المصرية ضد التكفيريين هناك، حتى عثرت على نادر ناصر، شاب صغير السن، أتى قبل فترة قصيرة من الشمال للعمل بجنوب سيناء. يقول: "بالقرب من مدينة رفح مقام الشيخ مصبح، لا أعرف ماذا تعني كلمة الولي المفسود، لكن ما أعرفه هو أن بعض الناس كانوا يذهبون إلى هناك يودعون بعض النقود عند حافظ المقام، ويطلبون أموراً، أموراً سيئة في الغالب، وأعمالاً سحرية كربط شخص، والإقدام على أذية شخص ما أو الانتقام منه من خلال عمل سحري، يتولى شأنه الشيخ مصبح المدفون في المقام".

هكذا يمكن أن نقترب خطوة من حل اللغز، فما يميز الشيخ مصبح الذي مات قبل زمن طويل لا يعلم مداه أحد، ليس قيامه بممارسات تتعلق بالسحر الأسود، لكن كونه عاش أغلب عمره كولي صالح محاط بالهالة النورانية التي يحب الناس رؤيتهر في أوليائهم الصالحين. ثم انقلب ففسد بحسب رواية شوقير، وبحسب رواية ناصر فإنه فسد بعد أن تحول إلى ممارسة السحر الأسود، هذه التركيبة العجيبة في حياة الرجل ربما صاحبته بعد مماته، حياته التي جمعت بين الصلاح الشديد والشر الخالص، وقبره الذي بُني عليه مقام كمقامات الصالحين، بينما تمارس عنده أفعال مناقضة تماماً لما يحدث في رحاب مقامات الصالحين.

هذه الخطوة التي أضافها ناصر بقدر ما تحل المعضلة بقدر ما تعقدها أكثر فأكثر، فمصبح يجمع في قصته وقصة قبره بين متناقضات جمة، لكن سلوك الناس تجاهه يمتاز بالتناقض أيضاً. لماذا يخاف الناس من المقام لدرجة رجمه كما تُرجم الشياطين، لكنهم في نفس الوقت يحافظون عليه ويلجأ بعضهم إليه في عدد من الأمور؟

أم أن الأمور تحولت بفعل الزمن، من الرجم في الماضي البعيد، إلى طلب المعونة لأشياء شريرة وفاسدة في الحاضر القريب.

تساءل قديماً أحد الرحالة في شمال سيناء عن سبب تجمع الناس حول أحد المقامات، يرمونه بالحجر، ويشتمونه "يا ملعون الوالدين"، فقالوا له إنه من الأولياء المفسودين

ربما يستطيع لوان م. لويس، أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة لندن أن يفتح لنا طريقاً للإجابة عن هذا السؤال ولو بشكل جزئي.

في مقال له عن السحر الأسود في أفريقيا وآسيا، يصف لويس مدى الخوف الذي ينتاب الناس من السحرة المشتغلين بهذا النوع من السحر، فهناك اعتقاد شائع لدى الكثير من المناطق في أفريقيا وآسيا بأن السحرة يمكن أن يتسببوا بتفشي الأوبئة. تؤمن قبائل الزاندي في الكونغو أن الساحر يحمل الشيطان في معدته، كما ترجع بعض القبائل الأفريقية الأحداث الكارثية غير القابلة للتفسير مثل المرض أو الموت المفاجئ لممارسي السحر الأسود.

ممارسو السحر الأسود هم أشخاص ينبغي اتقاء شرورهم، بحسب لويس، وأفراد من قبائل شمال سيناء، بحسب شوقير، كانوا يفعلون الأمر نفسه لدى مرورهم بقبر مصبح، يرجمونه كما يُرجم الشيطان في مناسك الحج، ويرددون بعض الأدعية الدينية التي من شأنها أن تقيهم شره، "يا ملعون الوالدين، الله يلعنك".

الطرق الصوفية

سارعت إلى صديقي الضوي محمد الضوي، وهو باحث منتمٍ إلى الطريقة الخلوتية، وملمّ بتاريخ التصوف والطرق الصوفية، شجعه اشتغاله بالأدب على العمل البحثي الذي يجمع بين تاريخ الأولياء والأدب العربي، حكيت له عن الولي مصبح "المفسود"، وساءلته: "هل سمعت عن هذا الأمر من قبل؟"

كان الضوي على الجانب الآخر من الهاتف، فرد: "هذا أمر مدهش ومفزع، لم أتعرض له من قبل، لقد درست تاريخ التصوف وأوليائه على نحو ممنهج في رسالتي للماجستير، فضلاً عن اشتغالي الحياتي به، لكن أمراً من هذا القبيل لم يعرض لي من قبل، لقد ارتبط الأولياء الصالحون في المخيال الشعبي بالكرامات والبُشريات، يطلب منهم الشخص أن يدعوا الله لشفاء فلان أو التدخل لإنقاذ فلان، ويمكن أن يصل الأمر أن يسقط الناس تعبير الدعاء لاتفاقهم عليه فيناجوا الولي: اشفِ فلاناً أو أعطِ فلاناً وهم يقصدون أن يدعو الله لقربه منه، لكن أن يصل الأمر إلى السحر وما إلى ذلك فهو شعوذة لا علاقة لها بالتصوف".

لا يعتقد الضوي أن هناك فروقًا كبيرة في ممارسات الطرق الصوفية بين مكان وغيره، فطرق مثل الخلوتية والرفاعية والدسوقية تتبنّى الممارسات نفسها في كل الأماكن في سيناء وسواها، ربما هناك تأثير للطبيعة المكانية، لكنه عادةً غير كبير. ويختم: "اعتدنا أن يخطئ البعض فيلقبون المشعوذ وهو حي بالشيخ فلان، لكن أن يتوجهوا لقبره بعد مماته كما تحكي رواية الولي المفسود فهو أمر غريب".

ملائكة وشياطين

تحكي أسطورة مصرية عن رحلة الشمس اليومية في العالم السفلي عندما يأتي الليل، وعلى مركبها تواجه أنوبيس إله الموت بجبروته الشيطاني، وعليها أن تنتصر عليه كل ليلة حتى تتمكن في نهاية المطاف من البزوغ مرة أخرى، جالبة معها نهاراً جديداً لليوم الجديد.

وفي الميثولوجيا الأغريقية، هناك آلهة الحب وآلهة الخصوبة، وهيكاتي ربة السحر والأشباح، بكل ما تثيره في المخيلة من خوف ورعب. كان جنود الإغريق يتوسلون إلى شياطين الحرب قبل أن يهموا بالدخول في معركة، أما بدو سيناء فلديهم أولياؤهم الصالحون وأولياؤهم "المفسودون" على السواء.

على بعد مسافة قصيرة من رفح، حيث مقام الشيخ مصبح الولي "المفسود"، هناك مقام الشيخ زويد، الولي الصالح في المدينة التي اتخذت اسمها من اسم صاحب المقام "مدينة الشيخ زويد".

تختلف الروايات وتتفق غالبيتها على أن الشيخ زويد هو أحد أصحاب محمد الرسول، قدم مع جيش التوسعات إلى مصر بصحبة عمرو بن العاص، لكنه مات قبل الوصول إلى الوادي، ودُفن في صحراء شمال سيناء.

وتقول رواية أخرى عن الشيخ زويد أنه ظهر بعد زمن من موته في رؤيا نورانية لأحد بدو سيناء، أرشده فيها إلى مكان قبره، ثم تولى البدو بناء المقام في المكان الذي أشار إليه، مقام الشيخ زويد الولي الصالح.

مسافة قصيرة تفصل بين الصورة الملائكية للولي الصالح والصورة الشيطانية للولي المفسود، لذلك نستطيع أن نتخيل أن بإمكان شخص واحد أن يذهب للتبرك بمقام الشيخ زويد ثم يذهب ليمارس طقس الرجم واللعن ضد مقام الشيخ مصبح قبل أن ينقضي النهار، وربما سيُطلب هنا من الشيخ زويد أن يدعو الله لشفاء ابنه أو تفريج كربته، ويطلب هناك من حافظ مقام الشيخ مصبح أن يستدعي شيخه المدفون في المقام كي يتم عملاً سحرياً شيطانياً لشخص آخر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard