شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"يضرب أصدقاءه بالسوط"... أغرب طقوس ليلة تحنئة العريس في صعيد مصر

"يضرب أصدقاءه بالسوط"... أغرب طقوس ليلة تحنئة العريس في صعيد مصر

حياة

الثلاثاء 9 نوفمبر 202103:39 م

من أهم طقوس الزواج ليلة الحنّاء، أو "الحنّة"، وتختلف عاداتها داخل البلد الواحد. وليلة الحنّة لا تخص العروس فحسب، التي تستعد لها قبل أسابيع، لكنها تخص العريس أيضاً، الذي يسعد بهذا اليوم، ويقضيه بصحبة أصدقائه وأسرته.

طقوس تحنئة العريس متنوعة، وغريبة أيضاً، ففي بعض الأماكن داخل صعيد مصر وريفها، يضع العريس الحنّة، ويتحمم بها، كما أن لهذا اليوم تفاصيل كثيرة تتغير حسب التقاليد والعادات.

"نقباء" العريس

"العريس يضع الحنّة مثل العروس، ويومها تأتي سيدة لتحضير الحنّة بمساعدة نساء أخريات، وتغنّي على الدف، ويعطيها الضيوف المال. وتضاف إلى الحنّة العطور، مثل المحلب والصندل، التي تعطي رائحة عطرة"، يقول الكاتب الأسواني، والباحث في التراث، أحمد أبو خنيجر، في حديثه لرصيف22.

باتت ليلة الحنّة لكثيرين، مجرد اسم، وطقوساً رمزية خاصة في المدن، لكنها ما زالت حاضرةً أكثر في الريف.

أبو خنيجر أضاف: "يذهب العريس بصحبة أصدقائه -الذين يطلق عليهم اسم ‘العراسة’- إلى غرفة منفصلة، فيضعون الحنّة على يديه وقدميه، ويربطونها بقطعة قماش، أو بكيسٍ بلاستيكي، كما يضعون الكحل".

ويشير الباحث إلى إحدى العادات غير المألوفة، وهي أن العريس يكون له وزيران، أو ما يُسمّى "نقباء العريس"، أحدهما متزوج، والآخر عزب، وتكون مهمة الأول توجيه النصائح المتعلقة بليلة الزفاف، وتحصين العريس من الحسد، بأن يرتدي مثلاً خمس خمسات. أما العزب، فيتولى الأمور المادية، كأن يسجّل فلوس "النقطة" التي يحصل عليها العريس.

الشيخ "أبو حنّة"

مع التغيّرات التي طرأت على المجتمع المصري، باتت ليلة الحنّة لكثيرين، مجرد اسم، وطقوساً رمزية خاصة في المدن، لكنها ما زالت حاضرةً أكثر في الريف، كما يخبرنا الشاعر والباحث، فتحي عبد السميع، من محافظة قنا.

"تشتمل ليلة الحنّة على عناصر كثيرة، أهمها زيارة الولي، وترك أثر هناك، وبعض الأولياء لهم علاقة خاصة بها، فعلى الرغم من عدّ سيدي عبد الرحيم القناوي، الولي الأعظم في المنطقة، إلا أن طقوس الحنّة كانت ترتبط بمقام ولي غير مشهور، يقع خلف جامع سيدي عبد الرحيم، واسمه الشيخ أبو حنّة، وهذا في تقديري يدل على أهمية الحنّة كطقس شعبي يرتبط بالبركة"، يضيف شارحاً.

يكتب العريسان اسميهما بالحنّة، ويطبعان كفوفهما، ويحملان الشموع كأحد العناصر الأساسية، مع الأغاني الشعبية والزفة المعتادة التي تعبّر عن مظاهر الفرح، ويتوجهان إلى أقرب مقام لأحد الأولياء للحصول على البركة.

مقام الشيخ أبو حنّة

مقام الشيخ أبو حنّة

ويشرح الباحث أكثر عن الحنّاء، بقوله: "هي جنس جُنَيبَة زراعية من فصيلة الحنَّائيَّات، مهده الجزيرة العربية. في أوراقها مادّة دبغيّة يُستحضَر منها بعد تجفيفها وسحقها، صباغ أحمر ضارب إلى الصفرة، تُخضَّب به الأيدي والأقدام والشَّعْر، وقد يُستخدم في تلوين الصّوف والحرير. وقد استعمل الفراعنة الحنّاء في أغراض شتى، إذ صنعوا من مسحوق أوراقها معجوناً لتخضيب الأيدي، وصباغة الشعر، وعلاج الجروح، واتّخذوا عطراً من أزهارها".

بالإضافة إلى ذلك، فإن للحنّاء نوعاً من القدسية عند كثير من الشعوب الإسلامية، إذ يستعملونها في التجميل؛ فتُخضَّب بمعجونها الأيدي والأقدام والشعر، كما تُفرَش بها القبور تحت الأموات، وتُستعمَل في دباغة الجلود والصوف.

العريس يكون له وزيران، أو ما يُسمّى "نقباء العريس"، أحدهما متزوج والآخر عزب، وتكون مهمة الأول توجيه النصائح المتعلقة بليلة الزفاف، وتحصين العريس من الحسد. أما العزب، فيتولى الأمور المادية، كأن يسجّل فلوس "النقطة" التي يحصل عليها العريس

غمر العريس بالحنّاء

في محافظة الأقصر، وخاصةً في مركز "إسنا"، تمارَس إلى الآن عادة غمر العريس بالحنّاء، من قمة رأسه حتى قدميه، بمساعدة أصدقائه.

وفي هذا الشأن، قال الباحث في التراث الشعبي، خطاب معوض، لرصيف22: "تتفرد قرى مركز إسنا بأغرب العادات في التحنئة، إذ يتجمع أقارب العريس، وأصدقاؤه، وهو يرتدي بدوره جلباباً أبيض، ويجهّزون كميات كبيرة من الحنّاء، ويغسل العريس وأقاربه وأصدقاؤه جميعاً أجسادهم بها بدءاً من الرأس وصولاً إلى القدم، وسط أجواء مليئة بالسعادة والمرح، ومن لا يغسل جسده كله بالحنّاء، فهو لا يحب العريس، وفق الاعتقاد السائد. ثم يركب العريس على الحصان، ويرقص الجميع على أنغام المزمار البلدي، وفي النهاية يذهبون إلى النيل حيث يستحمّون، ويرتدون ملابس جديدة".

تتوارث الأجيال هذه العادات، وفق ما يقول الباحث لرصيف22، على الرغم من أن كثيرين منهم لا يعرفون مصدرها، أو الغرض منها، ومع ذلك يحرصون على ممارستها، وتوريثها للأجيال الجديدة.

ويضيف معوض حول عادات أخرى: "في الصعيد توضع الحنّة في طبق وسط صينية، وتحيط بها شموع موضوعة على كعك صغير، ويضعها العريس على كفّيه، وكعبي رجليه، وكذلك أصدقاؤه وأقاربه كنوع من التفاؤل والمشاركة. وفي الليل، يتجمعون للاحتفال بالعريس الذي يقدّم إلى ضيوفه الطعام، بينما يحيي شاعر الربابة وعازف الناي الليلة، ويرقص البعض مع الحصان والعصا، وسط أجواء من الفرحة والسعادة والبهجة".

وتحدث الخمسيني رضوان، وهو يقيم في إسنا، عن هذا الطقس لرصيف22، وقال إنه على الرغم من كل التغير الذي حدث في العادات، إلا أن أهل إسنا ما زالوا يتمسكون بطقس الحنّة في ليلة الزفاف، أو قبلها بيوم، وفيه يعجن أهل العريس وأصدقاؤه الحنّة، ويغطّون العريس بها بشكل كامل. "نعتقد أن في هذا بركة للعريس، ولا نحب أن يزول هذا الطقس".

في محافظة الأقصر، تمارَس إلى الآن عادة غمر العريس بالحنّاء، من قمة رأسه حتى قدميه، بمساعدة أصدقائه.

الحاج رضوان ذكر كذلك أن العريس يرتدي في هذا اليوم، جلباباً أبيض خفيفاً، يطلَق عليه اسم "تقشيطة"، وقديماً كان أصدقاء العريس يمزّقون هذا الجلباب، تعبيراً عن توديعه للعزوبة إلى الأبد، ودخوله حياةً جديدة، ولهذا يسمّي البعض ليلة الحنّة، بليلة وداع العزوبة.

الشموع في الخبز الصعيدي

في محافظة سوهاج، تختلف طقوس ليلة العريس قليلاً، وفي هذا الشأن، يقول محمد جمال سباق الحويطي، وهو باحث مختص في تاريخ صعيد مصر وتراثه: "تقوم النساء لدى بيت العريس، بإعداد الحنّة وعجنها، ووضعها في صوانٍ دائرية، وتوضع شموع داخل الحنّة مثل فكرة التورتة، وأحياناً يضعن الشمع في الخبز الشمسي الصعيدي، وترقص النساء حاملات الصينية، ثم ينادين لأحد الرجال لأخذها. في الغالب يقوم بهذا الدور حلّاق القرية، ويغنّي وهو يضع على رأسه الصينية، ويطوف على المعازيم، وفي نهاية الليلة يحنّي قدمَي العريس وكفّيه، ويربطها بشاشٍ أبيض".

بينما يذكر الكاتب أيمن رجب طاهر، من محافظة أسيوط، تفاصيل ليلة الحنّاء في بلدته، لرصيف22، قائلاً: "ليلة الحنّاء عادة تكون قبل ليلة الدخلة مباشرةً، وتُذبَح فيها الذبائح، ويتم إطعام المجاملين، وفي نهاية الليلة تُجرى عملية تحنئة العريس، ومن العادات السائدة، أن يأتي العريس بمسحوق الحنّاء، ويرسله إلى أهل عروسه، فتعجنه أمها، أو أي من أقاربها بماء الورد، وترسل صينية من الحنّاء للعريس، وتُغرَس فيها الشموع والورود، ويرتدي العريس جلباباً أبيض، ويحمل أخوه، أو صديقه، أو أحد أقاربه، الصينية بالشموع المضاءة، ويتقدّمه وسط الشباب، ويدور به الشوارع والدروب القريبة، وحول البيت، وهم يغنّون له:

"منين جبت الحنّة

يا محمد يا عريس

اسم الله على محمد

اسم الله عليه

مزيّنة طالع

ذكر النبي عليه".

وتظل الأغنيات الشعبية، أو الطبل والمزمار البلدي، مرافقةً لزفّة الحنّاء، إلى أن تعود اللمّة إلى البيت، كما يشرح طاهر. "قبل خلود العريس إلى النوم، يضع أحد أصدقائه أو أبناء عمومته عجين الحنّاء في بطن قدميه وكفّيه، ويربطها بقماش، وما يتبقى من عجينة الحنّاء يدهن بها الصغار من أهل بيت العريس أيديهم وأرجلهم. وحين يستيقظ العريس صباحاً، يغسل يديه ورجليه من بقية الحنّاء التي تكون قد نشفت قليلاً، ويبقى اللون المائل إلى البرتقالي الغامق، أو الأحمر، أياماً".

يجب على أحد أصدقاء العريس أن يقف ليضربه بالسوط، في المنطقة الوسطى بين الصدر والبطن في جانبه، ويهلل الحاضرون لهذا الفتى على التحية التي تدل على الصبر والجلد، ويُعدّ ذلك دليلاً على قوته، وكلما كان الصديق أقرب، كلما تحمّل الضرب بالسوط من العريس أكثر

ضرب المدعوين

يسرد الباحث في التراث الشعبي من منطقة القصير في البحر الأحمر، طه حسين الجوهري، في حديثه لرصيف22، بعضاً من أغرب عادات الحنّاء في مصر.

"يمرّ العريس وهو يرتدي جلبابه الأبيض بين المدعوين، وفي يده كرباج أو سوط. يصطف الشبّان الصغار في السن من أصدقائه المقرّبين أمامه، ويقف أحدهم على بعد مترَين، وهو رافع ذراعيه إلى الأعلى، ويبارك بصوت مسموع، ويجب عليه أن يقف ليضربه العريس بالسوط، في المنطقة الوسطى بين الصدر والبطن في جانبه، ويهلل الحاضرون لهذا الفتى على التحية التي تدل على الصبر والجلد، ويُعدّ ذلك دليلاً على قوته، وكلما كان الصديق أقرب، كلما تحمّل الضرب بالسوط من العريس أكثر".

طقوس مشابهة يمكن أن نراها في قرى الصعيد، من قنا إلى أسوان والبحر الأحمر. هناك يرقص العريس رقصة "التربلة" مع أصدقائه، وتكون بالكرباج أو السوط، وهي الطقوس نفسها التي تحدث في القصير.

Website by WhiteBeard