ابنتي تعيسة ولن تدخل الجنة أبداً... أساطير الحناء المنسية في تونس

الأربعاء 7 أبريل 202105:03 م

لا يمكن إقامة حفلات الزواج والختان في تونس دون عجن الحناء أو ما يُسمى بـ "الذهب الأحمر"، إذ يتمّ وضعها في أيادي النساء والرجال على السواء، وهي رمز السعادة والخير حسب الجدات والأمهات، لكن اليوم ترفض أغلب الفتيات استخدام الحناء للزينة أو التجميل، فهناك من تراها لا تتماشى مع العصر الحالي، وهناك من تعتبر أن رائحتها مقرفة.

في المقابل، تحاول الأمهات والجدات الدفاع عن عادة وضع الحناء في الأفراح والمناسبات السعيدة، وربطها بأساطير وحكايات منها أن "من لا تضع الحناء لا تعيش سعيدة" أو أن "من لا تضع الحناء تعتبر كافرة" مستندات بذلك إلى أحاديث من نسج خيالهن.

خجل وقرف

"تحاول أمي في المناسبات العائلية إقناعي بوضع القليل من الحناء على راحة يديّ، كي آخذ نصيبي من الفرح والسعادة حسب اعتقادها، لكنني أرفض طلبها باستمرار، فتصاب بالانكسار وأشعر أنا بالحزن"، تتحدث الشابة التونسية جيهان (25 عاماً)، عن علاقتها بالحناء.

لا تتحمل جيهان وضع الحناء أو لمسها، تشعر بالقرف من رائحتها، ولا تستطيع الظهور أمام زملائها ويداها مخضبتان بالحناء، تقول: "أشعر بالخجل من زملائي، وأخاف من التنمر، فمنذ دخولي الجامعة لم أر طالبة واحدة تضعها في يدها، حتى الشابات اللاتي في سني يفضلن عدم وضعها حتى في زفافهن".

"لماذا لا تشجعني أمي مثلاً على رسم التاتو على جسدي أو وضع الـ "بيرسنغ" في أنفي أو صبغ شعري باللون الأحمر؟"

تواصل جيهان حديثها ضاحكة: "لماذا لا تشجعني أمي مثلاً على رسم التاتو على جسدي أو وضع الـ "بيرسنغ" في أنفي أو صبغ شعري باللون الأحمر؟". "أعترف أن الحناء جميلة، وهي تلون شعر جدتي، وتلمع في يد والدتي، لكن أنا لا يمكنني استخدامها، لا في الوقت الحالي ولا حتى في زفافي".

وتقول جيهان: "تدافع أمي عن العادات والتقاليد بشراسة، وتعتبر أن الحناء عادة لا يمكننا التخلي عنها في مواسم الأعياد وحفلات الزفاف والختان، حتى أنها حدثتني ذات يوم أن المرأة التي تبقى ثلاثة أيام دون وضع الحناء تعدّ كافرة، ولا تدخل الجنة أبداً. طبعاً هي استندت إلى حديث غير موجود، ربما سمعته من جدتها أو أمها في صغرها، وظل محفوراً في ذاكرتها".

"أمي توصيني وزوجي يمنعني"

تفضل بسمة (40 عاماً) التزين بالحناء والحرقوس (نقش غير دائم) في الأفراح العائلية لأنها تعتبرهما مصدراً للجمال، لكن زوجها منعها من وضع الحناء لأنه "يكره رائحتها".

تقول بسمة لرصيف22: "منذ زواجي قبل عشر سنوات منعني زوجي من وضع الحناء لأنه يكره رائحتها كرهاً شديداً. أذكر أنني تحدّيته في حفل زفاف أخي، ووضعت الحناء في يديّ، فهجر غرفة النوم، وتوقف عن أكل ما أطبخه، اضطررت حينها لمحاولة إزالة الحناء بالماء الساخن ومواد التنظيف".

تتابع بسمة حديثها وهي تبتسم: "زوجي يكره الحناء ولا يريدني أن أضعها وأمي توصيني باستمرار بوضع القليل منها في يدي لتجلب لي السعادة. بقيت مشتتة بين رفض زوجي وتشجيع أمي".

تستغرب الخالة صالحة (57 عاماً) من نفور الفتيات من الحناء، التي تعتبرها مصدراً للجمال والأنوثة، لكنها تُرجع هذا النفور إلى انجذاب الشابات إلى مواد التجميل العصرية، وولعهن بالماركات العالمية.

تقول صالحة لرصيف22: "إن الشباب يتخلون عن عادات الأجداد بشكل تدريجي، حتى أن الفتيات الشابات يرفضن وضع الحناء في حفلات الأعراس، لأن رائحتها مقززة".

وتضيف: "عندما بدأت مراسم زفاف ابنتي البكر، أخبرتني أنها ستكتفي بوضع القليل من الحرقوس وأنها لن تضع الحناء لأن زوجها لا يحب رائحتها، رفضت ذلك بشدة، وأجبرتها على وضعها".

وتتابع صالحة: "هناك مثل يقول حني باش ربي يحن عليك (ضعي الحناء كي تنالي الحنان من الله)، فالحناء رمز السعادة، والفرح، والعروس التي ترفض وضع الحناء في عرسها تعيش حياة تعيسة مع زوجها".

وتكمل: "في زواجي لم تبقَ فتاة أو امرأة في القرية دون حناء حتى العريس وأصدقاؤه وضعوا الحناء بخنصر يدهم اليسرى".

وتواصل: "في الماضي كنا نتسابق أنا وبنات جيلي لرسم خطوط ورسومات بالحناء على أيدينا، فكانت تزيدنا أنوثة وجمالاً، وتلمع كأنها ذهب، لكن بنات هذا الجيل لا تغريهن رائحة الحناء، ويرددن دائماً أنها كريهة".

تقول أمهات لبناتهن أن من تمر عليها ثلاثة أيام بلا حناء كافرة، ولا تدخل الجنة أبداً، بينما يشعرن بالخجل والخوف من التنمر، وأحياناً بـ"القرف" من رائحتها

في السنوات الأخيرة، شهد إنتاج وزراعة الحناء تراجعاً ملحوظاً في واحات محافظة قابس، جنوب شرقي البلاد، وذلك بسبب شح المياه وهجران النسوة لها في عدد كبير من المحافظات، حتى فقد الذهب الأحمر بريقه وقيمته التاريخية.

يشتكي صالح بشير، فلاح من محافظة قابس، من تراجع إنتاج الحناء في السنوات الأخيرة ويُرجع هذا التراجع إلى النقص الكبير في المياه، وغزو الحناء المهربة من اليمن والسودان والهند للأسواق التونسية، كما يحمّل النساء مسؤولية هذا التراجع بسبب عزوفهن عن شرائها.

ويضيف: "تنتج المزارع في قابس الحناء الأصلية، وتروج في الأسواق بأسعار معقولة، لكن الفلاحين اليوم توقفوا عن زراعة نبتة الحناء، وهجروا مزارعهم بعد نقص الطلب على هذه المادة".

"هي نبتة مباركة، ومعمرة، ولا تموت".

ويتابع: "كثيرون يعرفون فوائد الحناء التجميلية، لكنهم لا يعرفون فوائدها الطبية والعلاجية، كما أنها كانت ولا زالت رمزاً للحب والسعادة والخير، فهي نبتة مباركة، ومعمرة، ولا تموت، وتضاهي الزيتون تماماً، فرغم الجفاف وشح الأمطار فإن جذع نبتة الحناء يبقى حياً لمدة تزيد عن مئة سنة".

أما أنور بوبكري، فلاح خمسيني من محافظة قابس، فيشكو من الأنواع المجهولة، والرخيصة للحناء، التي غزت الأسواق التونسية، وأقبل عليها الناس، يقول لرصيف22: "إن مصدر الحناء الطبيعية في البلاد التونسية هو مزارع المحافظة، لكن اليوم أصبحنا نرى أنواعاً مجهولة المصدر تجتاح أسواقنا، وتُباع بأثمان بخسة، تغري الشاري، لكنها ليست صحية، وليست طبيعية بل مليئة بالإضافات الصناعية التي تضر بالصحة".

وتتباهى الخالة عائشة من محافظة قابس بمنطقتها، لشهرتها بزراعة الحناء، تقول لرصيف22: "يأتي زوار من أنحاء العالم لاقتناء الحناء الأصلية في منطقتنا، وفوائدها تخطت الجمال إلى الفوائد الطبية والعلاجية، فأنا مثلاً أطبقها على ركبتي عندما تؤلمني، إذ لها مفعول سحري، وبعد دقائق يخف الوجع تدريجياً".

وتضيف: "لكن اليوم بدأ استعمال الحناء في التجميل والعلاج يتراجع، ولاحظت أن الشباب أداروا بوصلته نحو مواد التجميل العصرية، وتخلوا عن مواد التجميل التقليدية التي استعملها أجدادهم وأمهاتهم".

وارتبطت بعادة وضع الحناء خرافات كثيرة في تونس، تعكس الحالة النفسية والاجتماعية للزوجات، مثلاً "كلما كان لون الحناء داكناً في يد العروس، كانت علاقتها مع حماتها قوية"، و"الحناء للعروسين دليل على الحب بينهما"، وهناك خرافة أخرى تقول: "كلما طالت فترة الحناء في يد العروس، كان تعامل أهل الزوج معها جيداً". وأخرى تقول: "عندما يذهب لون الحناء بسرعة، فهذا دليل على أن العروس لن تكون سعيدة في زواجها".

ولا تزال الحناء حاضرة إلى اليوم في العرس التقليدي التونسي، خصوصاً في محافظات الجنوب والأرياف، ولا يمكن أن تبدأ مراسم الزفاف دون عجن الحناء بماء الزهر والليمون والسكر، وذلك لكي تكون حياة العروس الزوجية حلوة كالسكر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard