"هربنا من بلدنا بحثاً عن الاستقرار"... السودانيّات راسمات الحِنّاء على أبواب جامع الحسين في القاهرة

الاثنين 1 فبراير 202103:22 م
"حنّة يا آنسة... حنّة يا مدام... حنّة يا عسل"

هذا هو نداء رزق سيدات رسم الحنّاء السودانيات على أبواب مسجد الحسين في العاصمة المصرية. تشع ملامحهن من الشقاء نوراً. تجدهن صابرات كادحات على ما أصابهن في بلدهن من مجاعات وصراعات داخلية وأحداث سياسية. يعملن ليل نهار من أجل الرزق الحلال، وخلفهن قصص فور سماعها تُحدث غصة في قلبك وتكن لهن كل الاحترام وتردد بداخلك: "من أين حصلن على كل هذا الصبر؟".

منهن من اعتقل زوجها وأصبحت المُعيلة الوحيدة لأسرتها، ومنهن من قررت أن تحافظ على أطفالها، وأخرى تريد تحقيق أحلامها في وضع مستقر. في هذا التقرير يرصد رصيف22 قصص سيدات الحنّاء السودانيات على أبواب مسجد الإمام الحسين في القاهرة القديمة.


"أنا الأم والأب وكل حاجة"

تقول رودينا، وهي سيدة سودانية تبلغ من العمر 37 عاماً ولديها خمسة أطفال، إنها جاءت من السودان إلى مصر قبل أربع سنوات بعدما قدّمت على الهجرة، وتضيف: "فكرة التقديم على الهجرة استغرقت الكثير من الوقت ولكن حدث موقف واحد جعلني أتأكد أن قراري هو الصحيح".

على أبواب مسجد الحسين في القاهرة القديمة، تقف سيدات سودانيات هاربات من بلادهن، عارضات رسم الحناء على المارة.

ذات يوم، أثناء ذهاب زوج رودينا للعمل، اعتقل في خضم الأحداث السياسية التي يعيشها السودان، ولم تعرف عنه أي شيء حتى الآن. "بدأت بالخروج للعمل بدلاً عن زوجي حتى أتمكن من توفير الطعام والشراب لأطفالي، لكن أُلقي القبض عليّ عدة مرات لفترات قصيرة كنت أترك خلالها أطفالي بمفردهم، لذلك فكرت بالهجرة لمصر والعمل بمجال رسم الحنّاء وهو الأشهر بين السودانيات لأنهن يتقنه بشكل كبير".

تجني السيدة من رسمة الحنّاء الواحدة عشرة جنيهات، أي أقل من دولار واحد، ويراوح مكسبها اليومي ومكسب زميلاتها بين 100 و200 جنيه، وتتابع: "نحن نعمل حسب اليوم، في بعض الأيام هناك رزق وفي أيام أخرى لا. رزقنا على كف عفريت". ويشكل هذا التقلب معضلة لها كونها المعيلة الوحيدة الآن لأسرتها.

ووفق رودينا، لا يوجد تقدير محدد لعدد السودانيات اللواتي يعملن بمجال رسم الحنّاء في القاهرة، فهو بشكل عام في ازدياد لكنه تناقص عقب جائحة كورونا. وتضيف أنه لا يوجد شكل قانوني لعملهن، وعندما يحتجن أمراً ما أو مساعدة في مشكلة معينة يلجأن للسفارة السودانية في مصر.


الهجرة هي المهرب الوحيد

تقول عزيزة أحمد، وهي سودانية تبلغ من العمر 45 عاماً، إن الظروف أجبرتها على الهجرة خارج السودان مع عائلتها، وقد وجدت أن مصر ومجال الحنّاء هما الملجأ الوحيد لها مثلما فعلت الكثيرات من سيدات السودان اللواتي كانت الهجرة الحل الوحيد أمامهن منذ سنوات.

وتضيف: "نحاول أن نعيش لذلك نقدم على الهجرة. انظري إلى ملامح السيدات، وراء كل عين قصة حزينة ووراء كل وجه تشققه التجاعيد شقاء كبير".

لدى عزيزة طفلان، وهي تعاني مرض السكري، وبسبب غلاء المعيشة في السودان قررت الرحيل، كما أن الأحداث السياسية في بلدها أضفت جواً من الخوف والرعب والعنف أحياناً على حياة ولديها: "أردت الحفاظ على أطفالي وعلى ما تبقى من روحي المرهقة، فأتيت وأطفالي وزوجي الذي يعمل بائع بقالة"، أضافت مؤكدة أنها تقتسم مع زوجها كل شيء، الحزن والفرح وطريق الحياة الهالك أيضاً، ورغم الشقاء ما زال الحب قائماً بينهما وهو ما يصبرها على التعب، حسب قولها.

الظروف أجبرت عزيزة أحمد على الهجرة خارج السودان مع عائلتها، وقد وجدت أن مصر ومجال الحنّاء هما الملجأ الوحيد لها مثلما فعلت الكثيرات من سيدات السودان اللواتي كانت الهجرة الحل الوحيد أمامهن منذ سنوات

السودانيات أمهر من رسم الحنّاء

تقول عزيزة إن السودانيات ماهرات برسم الحنّاء، ولا يسبقهن أحد بهذا المجال، وتضيف: "العروس المصرية تفتخر بأن من رسمت لها الحنّاء يوم زفافها سودانية، وجلوسنا أمام أبواب مسجد الحسين يفتح لنا باب الرزق، فكثير من الفتيات المصريات المقبلات على الزواج يأتين هنا لاختيار ‘حنانة’ ترسم لهن كل ما يرغبن به على أجسادهن قبل ليلة الزفاف".

هبة مسلمي، هي مصرية تزوجت قبل شهر تقريباً، تقول إنها استعانت بسيدة سودانية لرسم الحنّاء لها، وكان سبب اختيارها لذلك هو أن السودانيات ماهرات برسم الحنّاء أكثر من المصريات. وتضيف: "السيدة التي رسمت لي الحنّاء على جسدي استعداداً ليوم الزفاف باتت معروفة في عائلتنا، وأي عروس تحتاج إليها تحضر لمنزلها لتلبي حاجتها، حتى إننا بتنا نشعر بأنها واحدة منا". وتحصل السيدة السودانية مقابل هذا اليوم على مبلغ ستمئة جنيه أي حوالى 40 دولاراً، وفق قول هبة.


سيدة سودانية تعرض رسوم الحناء قرب جامع الحسين

سيدة سودانية تعرض رسوم الحناء قرب جامع الحسين - المصدر مواقع التواصل


نتحمل الصعوبات مقابل الاستقرار

لم تكمل وردة دراستها في السودان بسبب الظروف السياسية والاقتصادية هناك. قررت منذ خمسة أعوام أن تضغط على أسرتها للتقدم لطلب هجرة إلى مصر، وتقول إن أكثر ما يعرقل قدوم الفتيات السودانيات لمصر هو استحالة السفر وحدهن، ففي السودان يعتبر هذا الأمر عيباً، ولا يصح السفر إلا برفقة الزوج أو العائلة. "شجعتني هجرة الكثير من السودانيات لمصر على هذه الخطوة وإقناع أبي وأمي بالأمر"، تضيف.

ومنذ قدومها عملت الشابة العشرينية بمجال رسم الحنّاء، وهي اليوم تمتلك حلماً بالاستقرار في مصر وإكمال تعليمها حالما تسمح ظروفها الاقتصادية بذلك، وتتابع: "نحن سيدات صابرات كادحات، ورغم الظروف التي مررنا بها ما زلنا نمتلك أحلاماً كبيرة نريد تحقيقها".

وتعتبر المعيشة في مصر اليوم أكثر أماناً بالنسبة لوردة، لكنها تعاني بعض العراقيل في مجال عملها، فمن غير المسموح للسيدات السودانيات بالعمل خارج مسجد الحسين، وهن يرغبن بالانتشار وتوسيع مجال عملهن لأماكن أخرى مثل مسجد السيدة زينب ومسجد السيدة عائشة. إلى ذلك، تواجه سيدات الحنّاء مشكلة كبيرة وهي فرض إتاوات عليهن من أشخاص يقيمون حول المسجد، فيضطررن لدفع مبالغ مالية مقابل الجلوس على الرصيف وانتظار الزبونات.

لا يوجد تقدير محدد لعدد السودانيات اللواتي يعملن بمجال رسم الحنّاء في القاهرة، فهو بشكل عام في ازدياد لكنه تناقص عقب جائحة كورونا. ولا يوجد شكل قانوني لعملهن، وعندما يحتجن أمراً ما أو مساعدة في مشكلة معينة يلجأن للسفارة السودانية في مصر

وتشير عزيزة أحمد إلى أن السيدات السودانيات يعانين بعض التنمر، فهناك أشخاص يكرهون التعامل مع أصحاب البشرة السوداء: "يقول لنا البعض نقرف منكن ومن البشرة السوداء، ويتعاملون معنا كأننا لسنا أشخاصاً مثلهم نمتلك مشاعر وأحاسيس. كلامهم يؤثر فينا ويترك غصة في قلوبنا".

وتطرح وردة خلال حديثها فكرة وجود نقابة للسيدات السودانيات راسمات الحنّاء: "لم لا نحدث نقابة لنا تحمل اسم ‘نقابة سيدات الحنّاء’ وتكون بمثابة منصة لنا نحصل من خلالها على تراخيص العمل ونحل المشاكل التي تواجهنا بالتعاون مع السفارة؟ نحن نتحمل الكثير من البشاعات هنا، من تنمر وفرض إتاوات، لكن ما حدث في بلدنا يجبرنا على ذلك، والحياة هنا تبقى أفضل رغم شعورنا بالغربة في بعض الأحيان".

في هذا السياق تقول صباح موسى، وهي إعلامية متخصصة في الشأن السوادني، بأن ما شهده السودان من اعتقالات وأوضاع مضطربة على الصعيدين السياسي والاقتصادي وتدني مستوى الخدمات وانخفاض قيمة العملة، كان سبباً في هجرة الكثير من سيدات السودان لمصر بعدما أصبحن معيلات لأسرهن بعد اعتقال الأزواج، فشكلت مصر ملاذاً للبحث عن الرزق والعيش، وكان مجال الحنّاء هو الأفضل لبراعتهن فيه.

وتضيف: "فكرة الرجوع إلى السودان غائبة تماماً عن أذهان هؤلاء السيدات، لأن الوضع لا يزال غير مستقر هناك، خاصة في العامين الأخيرين بعد الثورة السودانية. صحيح أنهن يتعرضن لبعض المواقف المؤسفة أثناء عملهن، والتي قد تصل حد التنمر أو التحرش، لكنهن يفضلن في الوقت الحالي الاستقرار في مصر وعدم العودة".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard