ثياب بالية وعضّ ودق المسمار... عادات الزواج "الغريبة" في تونس مستمرة

الخميس 4 يونيو 202003:45 م

يعرف المجتمع التونسي بانفتاحه مقارنة ببعض المجتمعات العربية الأخرى، حتى أن البعض يطلق على تونس "أوروبا العرب"، وهو ما يظهر فعلاً لزائر البلد في سياحة أو زيارة خفيفة، إلا أن المقيم فيها يتفاجأ بمدى تمسك المجتمع التونسي بعاداته وتقاليده، التي يعتبرها "خطاً أحمر"، ومازال مستمراً بممارستها رغم التطور الحضاري، ونذكر منها عادات الزواج القديمة التي تعد غريبة، إلا أن رياح التغيير لم تطلها، وبقيت صامدة حتى اليوم.

رغم صغر مساحة البلاد التونسية، إلا أن عادات الزواج تختلف من جهة إلى أخرى، فتقاليد الشمال تختلف عن تقاليد المدن الساحلية، وتقاليد الغرب تختلف عن تلك التي في الجنوب، وهناك عادات تجمع جميع المحافظات على غرار مراسم الخطبة و"الكسوة" وغيرها.

ويحظى حفل الزواج في تونس باهتمام بالغ، حتى أن بعض الحفلات تدوم سبعة أيام بلياليها، رغم المصاريف المجحفة التي يتكبدها أهل العروسين، والتي دفعت ببعض الشباب للتمرد على العادات والتوق لتقليد الغرب في أعراسهم البسيطة وغير المكلفة، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل أمام إصرار أهلهم وضغط مجتمعهم المتمسك بتقاليده.

البيضة الخضراء والرشق

من بين العادات الغريبة في جهات الساحل التونسي، طلاء بيضة بالحناء وتسمى "البيضة الخضراء"، وتقوم العروس ليلة زفافها بكسرها على باب منزل زوجها قبل دخولها للمرة الأولى، تبركاً واستبشاراً بزواج سعيد.

"قلت لك أنني لا أريد ضفر شعري...إننا في القرن الواحد والعشرين ولم تكفوا عن هذه السخافات". ترشقها أمها بنظرة حادة، وتومئ برأسها بمعنى أن كلامها هو الذي سيطبق في النهاية

كما يعمد أهالي الساحل أيضاً إلى وضع أوراق نقدية على كامل جسم العروس، وهو ما يسمى بـ"الرشق"، ويتباهى من يضع نقوداً أكثر بذلك، حيث تتعالى الزغاريد بعد كل عملية رشق، ويعلنون عن اسم "الراشق"، الذي عادة ما يكون من العائلة الصغيرة أو الموسعة أو من أصدقاء العائلة.

أما "الجلوة" فتتمثل في جلوس العروس وسط الناس، وتبدأ المرأة التي وضعت لها الحناء (الحنانة) بسرد مناقب العروس ومحاسنها، وتدعمها في ذلك قريباتها وجيرانها ومعارفها، والجميع يردّدون ما فعلته العروس من أعمال حسنة إزاءهم.

العض والهروب

تجتمع أغلب المناطق في تونس على عادة لبس العروس ثياباً رثة قبل الزواج، بقصد تجميع الجمال، أو كما يسمى باللهجة المحلية "لم السول"، فتخفي العروس شعرها بغطاء وتلبس ثياباً فضفاضة وقديمة، بقصد إخفاء مفاتنها إلى يوم "الحمام" الذي تذهب إليه قبل يوم من زفافها، برفقة صديقاتها وقريباتها.

تقول منى (28 عاماً)، من محافظة توزر جنوب البلاد، والتي تستعد لزواجها هذه الأيام لرصيف22: "أرتدي هذه الثياب البالية لأخبأ جمالي، وهي عادة تتبعها التونسيات منذ زمن، وأرى أنها ناجعة حيث تظهر العروس أكثر بياضاً وجمالاً ليلة زفافها".

ومن العادات الطريفة أيضاً، تخلي العروس عن ملابسها القديمة، فتأخذها صديقاتها، بل يتخاطفنها، ويرتدينها، أو يعمدن إلى عض ركبة العروس أو الجلوس على كرسيها، اعتقاداً منهن أن ذلك يعجل بزواجهن.

تقول سوسن (30 عاماً)، من منطقة جندوبة، ضاحكة لرصيف22: "لقد أخذت صديقتاي أغلب ملابسي، وعضتا ركبتي، وقد تزوجت إحداهما فعلاً بعد زواجي بشهرين...أعتقد أن الأمر ناجع".

أما عرائس محافظة قابس في الجنوب الشرقي، فيهربن قبل يوم الزواج بثلاثة أيام إلى بيت أحد الأقارب أو الأصدقاء، وهي عادة تسمّى "الهروب"، والغاية منها تدريب الفتاة على التعود على الابتعاد عن بيت أهلها قبل أن تسكن مع زوجها.

القفز على السمك

تتميز محافظتي صفاقس وبنزرت بوفرة إنتاج الأسماك، ما جعلها تدخل في عاداتهم وتقاليدهم، كقفز العروسين في صفاقس على سمكة تُزيَّن بأشرطة وزخارف، وتكون عادة كبيرة الحجم، حيث تبدأ العروس بالقفز سبع مرات جيئة وذهاباً على السمكة، ثم يقوم العريس بنفس الشيء، وتهدف العادة إلى طرد الحسد والعين عنهما.

أما في بنزرت فتختلف العادة قليلاً، حيث تربط السمكة بساق العروس، فتجرها لبضعة أمتار، ثم تقفز عليها سبع مرات، لتطبخ فيما بعد وتأكل منها أكبر كمية ممكنة، ثم يوزع الباقي على بقية الحاضرين.

وفي الجنوب الشرقي التونسي تدق العروس مسماراً كبيراً أمام بيت زوجها في صباح يوم الزفاف إلى أن يوارى التراب، وذلك إيماناً منهم بأنها ستبقى في ذاك المنزل كالمسمار الذي لا يتحرك، ويعنون بذلك إبعادها عن الطلاق أو الخلافات مع زوجها وأهله.

الهودج وظفر شعر العروس

رغم كثرة تسريحات الشعر ووسائل فرده، إلا أن عرائس محافظة مدنين، جنوب شرق تونس، لن يذهبن إلى بيت أزواجهن إلا بضفر شعورهن جدائل، بأشرطة مختلفة الألوان من الحرير، ورغم تذمر الفتيات من تلك العادة، إلا أن الأمهات متمسكات بها أيما تمسك، فهن يعتقدن أن ضفر الشعر يجلب الحظ السعيد للعروس.

يهربن قبل يوم الزواج بثلاثة أيام إلى بيت أحد الأقارب أو الأصدقاء، وهي عادة تسمى "الهروب"، والغاية منها تدريب الفتاة على التعود على الابتعاد عن بيت أهلها قبل أن تسكن مع زوجها

"لن أدع ابنتي تذهب مفرودة الشعر، إنه فأل سيئ، ماذا تقول عني النسوة"، تقول صالحة (50 عاماً) لرصيف22، وهي تشتري لوازم ضفر الشعر لابنتها التي ستتزوج قريباً، تقاطعها ابنتها خولة متذمرة: "قلت لك أنني لا أريد ضفر شعري...إننا في القرن الواحد والعشرين ولم تكفوا عن هذه السخافات". ترشقها أمها بنظرة حادة، وتومئ برأسها بمعنى أن كلامها هو الذي سيطبق في النهاية.

أما في بعض مناطق الشمال الغربي، فتركب العروس الفرس، خاصة إذا كانت المسافة قريبة، في حين تركب عرائس الجنوب الجمل، أو ما يسمى بـ"الجحفة" أو الهودج، فهي عادة مازالت تصارع للبقاء رغم كثرة السيارات الفاخرة، فتجلس العروس وسط هودج مزين بزينة تقليدية يوضع على ظهر الجمل، وتذهب في موكب موسيقي تقليدي نحو بيت زوجها، ويتولى أخوها إصعادها على ظهر الجمل بينما ينزلها أخ زوجها.

يقول عبد الله (57 عاماً)، من منطقة مدنين، وهو صاحب جمل "الجحفة" الشهير في المنطقة لرصيف22: "لقد ركبت هذا الجمل مئات العرائس، فهو سهل المراس ومطيع، وبالتالي لا تخاف العروس عند ركوبها على ظهره، كما أن لدي خبرة في ترويضه".

أما العريس، فيجتمع حوله أصدقاؤه يلبسون لباساً تقليدياً، ويقومون بزيارته لمدة سبعة أيام، ويسمون "الجنادة"، فيلعبون ألعاباً شعبية أمام منزله، ومن يخسر اللعبة يدفع نقوداً للعروس.

مازالت هذه العادات صامدة رغم غرابتها ورغم تذمر بعض الشباب منها، بل حتى التهكم والسخرية من بعضها أحياناً، إلا أنهم لم يفلحوا أبداً في محوها لتمسّك الأهل بها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard