رقص و"حلاوة" وأحاديث ليلة الدخلة... الماشطة الفلسطينية في غزة

الأربعاء 7 يوليو 202105:50 م


على بعد خطوات من بيت العروس، وقبل أيام من ليلة الزفاف، تسمع ضحكات الفتيات الصغيرات، بينما تطلق "الماشطة" السبعينية أم زهير الزغاريد، وهي تدخل المنزل، ومعها أدواتها التجميلية لتتولى مهمة تزيين العروس، وتحضيرها لـ"ليلة العمر" في طقوس خاصة لا تزال بعض العائلات الفلسطينية تمارسها.

"شو بيصير داخل الغرفة؟"

تقول أم زهير (75 عاماً): "كان عمري عشر سنين لما بديت أروح مع أمي على الأفراح، وكانت أمي ماشطة مشهورة، كنت أحضر معها طقوس تحضير العروس، لغاية ما تنفرد بها في غرفة خاصة، كان عندي فضول أعرف شو بيصير داخل الغرفة".

تضحك، وتضيف: "كنت أسمع العروس بتصرخ، وتتوجع، ولما أسأل أمي تقول لي لسة انت صغيرة، حتى كبرت، وصرت 15 سنة، بدأت أمي تفهمني إنها تقوم بعمل "تنظيف" لجسم العروس من الشعر، وهذا الصراخ بسبب تنظيف المنطقة الحساسة".

ظلت أم زهير تذهب مع والدتها للأفراح، وبدأت تتعلم المهنة حتى بدأت بمساعدتها، وتعلمت عمل "الحلاوة" للجسم في المنزل "على أصولها"، وكيف تحضّر الأعشاب، والزيوت العطرية.

وتروي: "حتى البنات صاروا يفضلوا أن أعمل لهم مكياج، وشعر، وأرتبهم يوم الفرح، وبهيك خففت عن أمي التعب، لأنها كانت تروح للعروس على 3 أيام، أول يوم تنظف جسمها، وتاني يوم تمكيجها، وتزينها لليلة الحنة، وثالث يوم تزينها، وتعطرها بعد الحمام طبعاً لليلة الفرح".

"كانت دايماً لها هيبة، وطلة غريبة".

كانت رفيقة أم زهير وجارتها، خديجة زاهر (71 عاماً) تفرح هي وصديقاتها في عمر الطفولة لمجيء الماشطة إلى الحارة، تقول: "كنا نعرف عندما نراها إنه في عرس هاليومين، وكانت دايماً لها هيبة، وطلة غريبة، بلبسها الشعبي، وكيس الخيش يلي بتحمل فيه أغراضها، ومع هيك كنا نخاف لما نسمع صوت العروس، وهي بتتوجع وكنا نحاول نتخيل شو بيصير لغاية ما هذا الشيء سبب لنا خوف من وجودها، حتى كبرنا وعرفنا".

وتقول سميرة عبد العال (55 عاماً): "قبل عرسي بيومين اجت الماشطة أم زهير على بيت أهلي، غنينا، ورقصنا، وبعدين حكولي يلا على الغرفة، طبعاً أنا كنت خايفة، لكن هي إيدها خفيفة، ولأنه عندها خبرة الحمدلله ما توجعت غير إنه هي بتضل تغني وتعطيني نصائح، كيف أهتم بجسمي، وكيف أتعامل مع زوجي حتى تفاصيل ليلة الدخلة عرفتها منها".

شو بيصير داخل غرفة أمي، ولماذا تنفرد بالشابات الجميلات، وما سر هذا الصراخ المصحوب بالضحك؟ تساءلت أم زهير وعمرها عشر سنوات، قبل أن تصبح ماشطة، لها طلتها المهيبة، الجالبة للفرح والرقص والخيالات الحميمة

وتعقب أم زهير: "طبعاً دوري أنصح البنات وأوعيهم كيف يحافظوا على جسمهم وعلى جمالهم ونظافتهم، وكتير ستات ما كانو يحكوا لبناتهم عن شو يعني زواج وشو يعني ليلة دخلة، وكنت أنا أتولى مهمة الشرح للبنات".

خشخاش ولبن وسفن

تعمل أم سليم (50 عاماً)، ولديها أربعة أبناء، في مهنة الماشطة منذ 25 عاماً، أحبت مهنتها، حتى وهي حامل تخرج من بيتها إلى بيت العروس.

عاشت أم سليم فترة من الفقر والمعاناة، عندما تزوجت كان يعمل زوجها في الأراضي المحتلة عام 1948، وبعدها ترك العمل، وأصبحت تتحمل المسؤولية كلها. تقول: "في يوم من الأيام نمت وأنا بابكي لأني غير قادرة على شراء لبن لابني بعد ما صحيت، جاءت جارتي تسألني، أريد ماشطة تعمل لبنتي العروس، قلت لها أنا جاهزة، لما رأتني انصدمت، قالت لي أنت عمرك صغير، قلت لها أنا حابة هذا الموضوع، وحابة أمارس هاي المهنة".

وعن صنع الحلاوة المستخدمة، تقول: "تعلمتها من الصغر، لحالي مع نفسي، أحياناً بعملها في بيتي، وأحياناً بعمل الحلاوة في بيت العروس، جربت الخشخاش واللبن والسڤن مع السكر لكن أفضل طريقة كانت الليمون مع السكر، واتعودت أعمل كميات منها 3 كيلو سكر مع 3 كيلو ليمون، وبعجنها، وببكتها، وباضعها في الثلاجة".

وتضيف: "لما بعمل الحلاوة للعروس بقدم أهم النصائح، لأني مثل إنه البنت عندما تتزوج لا تعمل بالمزيل أو الشفرة لأنها تجعل الجسم غير لائق، والشعرة لونها أسود وخشنة، إضافة إلى نصائح عامة للبنت في أول أيام زواجها، كيف تتعاملي مع زوجك وأهله".

وتشدد أم سليم على أهمية الأمانة في المهنة، فتقول: "عندما تنكشف العروس عليّ يصبح جسمها أمانة لدي، هذا العمل له خصوصية، وأذكر مرة جاءت لي أم عريس، طلبت مني أن أعمل لزوجة ابنها الجديدة، عندما ذهبت، وجدتها تبكي، وخائفة مني لأن أم زوجها هي التي أحضرتني، وسوف تنكشف علي، لكن بعد ما اطمأنت، وقعدت أحكي معها، أصبحت تطلبني كل شهر".

رغم انتشار مراكز التجميل الحديثة، ترى أم سليم أن كثيراً من العائلات لا ترغب إلا في الماشطة بالبيت، خصوصاً في مجتمع محافظ كالمجتمع الغزي، وكثيراً من الفتيات يرفضن التعري خارج المنزل، وأهاليهن يعتبرون الماشطة أكثر أماناً.

أما عن التكاليف فهي أقل بكثير من المراكز، تقول أم سليم: "السعر حسب الشغل، مرات بشتغل للعروس، ومرات بزين أمها وأخواتها، لذلك يختلف السعر، ومرات بسامح لأني بقدر الوضع المعيشي في غزة، لازم أشعر بالناس لأني عشت بالفقر".

وتنهي حديثها: "أنا كبرت، والشغل كتير متعب، لكن روحي فيه لأني من وراه ربيت ولادي الأربعة، وعلمتهم، وهذه الشغلانة ستراني وساترة عائلتي".

في الموروث الشعبي العربي

على الرغم من وجود الكوافير الحديث فإن كثيراً من العائلات تتمسك بحضور الماشطة، فالحاجة هي التي دفعت لانتشار المهنة، تقول الكاتبة الدكتورة فتحية صرصور لرصيف22: "في زمن لم يكن للكوافير وجود، كانت الماشطة تقوم بهذا الدور، فكان دورها أساسياً في تجهيز العروس لليلة زفافها، وقد ذكرت في الأمثال الشعبية، حيث كان يقال: شو تعمل الماشطة بالوجه العكر، وأيضاً لأنه كان مشهوراً عنها أنها بحكم تنقلها بين البيوت، كثيراً ما تكشف أسرار تلك البيوت التي تدخلها، فكانوا يقولون: لا تخلونا لبانة في فم الماشطة".

وتضيف: "هذه الطقوس تتشابه فيها معظم الدول العربية، وهو ما ذكرته في كتابي "العرس الفلسطيني"، فقرب الجوار بين الدول العربية جعل الكثير من الفعاليات متشابهة، خاصة بين فلسطين ودول الشام ومصر".

وتسرد مما جاء في كتابها عن طقوس حمام وزينة العروس، كانت الماشطة تغني للعروس قبل حمامها:

"واخليلها الحمام يا عريس يا مرجان

من مبارح العصر حمامها مخلي"

"بعد أن تنظف الماشطة وجه العروس وجسمها من الشعر الزائد، وكانت العادة دعوة النساء للمشاركة في حملة التنظيف، وأحياناً ترسل لهن أم العروس قطعة حلاوة ليقمن بالمهمة في بيوتهن، بعدها تدخل العروس الحمام، وأثناء الحمام يغنين لها:

حلت جدايلها والشمس ما طلعت

غاب المغيب ونص الشعر الها محلول

وقع مشطك في طشتي يا فلاحة

أبوكي راضي واللا نزيدو ملاحة

وقع مشطك في طشتي يا شلبية

أبوكي راضي واللا نزيدوا مية".

زينة العروس من الأرض

تقول صرصور عن طريقة تزيين العروس الفلسطينية قديماً: "لم تكن أدوات التجميل والعطور المتوفرة حالياً معروفة أيام زمان، فكانت العروس تتعطر من نبات اسمه سعدة، وهو نبات ينبت في الخلاء، كانوا ينقعونه، ويحممون العروس بمياهه أو تقوم الماشطة بهذه المهمة من تجميع الزهور وتحضيرها للعروس".

كانت الماشطة تقوم بتجميع الزهور، وتحضرها للعروس، مثل نبات سعدة، وتغني لها وهي تعمل في جسدها بـ"الحلاوة": وقع مشطك في طشتي يا فلاحة، أبوكي راضي واللا نزيدو ملاحة

وتضيف: "في كتابي "المهن والحرف القديمة" ذكرت أنه كان للماشطة دور كبير في عملية تزيين العروس، وكانت الزينة تختلف من مكان لآخر في فلسطين، فالبعض يكتفي بالحناء والكحل، مع تحمير الخدود، ويضعون بشعرها خلطة من العطور والزعفران، ويجدلون شعرها الطويل، وهناك زينة أخرى يُزين بها وجه العروس في يوم الفرح، وذلك بورَق ذهبي تلصقه على وجهها، وكان يسمّى "البَهْرَجان"، لكن هذه العادة اختفت مع ظهور المساحيق المتعدّدة، وكان بعضهم يضع على وجه العروس "ورَق السَّرْكون" الملوَّن، وهو ناعم فيه قابلية الالتصاق بالجسم، ويوضع على وجه العروس بلا نظام، فيعطي الوجه لمعاناً وبريقاً".

وتشير صرصور إلى أن أغلب العائلات تتمسك بوجود الماشطة قبل الفرح لعدة أسباب، منها الثقة، لأنها غالباً تكون ماشطة العائلة والنساء اعتدن وجودها، ولأنها تعمل في أجواء من البهجة والفرح داخل المنزل، خصوصاً وهي تضع الحنة للعروس ولفتيات العائلة اللواتي يتحلقن حولها، وصوت غنائها وزغاريدها يملأ المنزل في جو كله بهجة وفرح".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard