"ماذا سيحدث إن لم أجد دوائي؟"... مخاوف تطال كبار السن السوريين في لبنان

الاثنين 8 نوفمبر 202106:19 م

"من أصعب التحديات، أنّ الأزمة الاقتصادية في لبنان تزامنت مع انتشار فيروس كورونا، فأصبح الوصول إلى المراكز الصحية صعباً بالنسبة إلى كبار السن، وارتفع سعر وقود السيارات الذي أدى بدوره إلى ارتفاع أجور النقل، بالإضافة إلى أن أجور المعاينات الطبية ازدادت بشكل عام".

هكذا يبدأ الدكتور فراس الغضبان، حديثه لرصيف22، عند استفسارنا عن تأثير الأزمة الاقتصادية على ذوي الأمراض المزمنة، وخاصةً من كبار السنّ، في مخيمات اللاجئين السوريين، والغضبان هو أحد المؤسسين والمدير التنفيذي لمنظمة Endless medical advantage، التي تقدّم خدمات الفحص المجاني للّاجئين في مخيمات البقاع، والأدوية في حال توفّرها.

يتابع حديثه: "لا تقتصر معاناة هؤلاء المرضى على الكلفات المادية، إنّما تكمن المشكلة الأساسية في عدم توفرّ الأدوية، إذ أصبح الحصول عليها صعباً جداً، ومعظم المرضى يبحثون بشكل مستمر عن أدوية بديلة، وهذا يؤثّر بشكل سلبي على صحتهم. وحسب عملنا اليومي في مخيمات البقاع، نلاحظ تدهور الحالة الصحية للكثيرين منهم".

تؤثر الأزمة الاقتصادية في لبنان على ذوي الأمراض المزمنة، وخاصةً من كبار السنّ، في مخيمات اللاجئين السوريين.

ويضيف بأن وزارة الصحة وزّعت مؤخراً بعض الأدوية على المراكز الصحية، وبات جزء لا بأس به متوفراً، "لكن المشكلة الأساسية تكمن في عدم توفر هذه الأدوية دائماً، وانقطاع المرضى عن تناولها، أو تناول بدائل منها".

اللاجئون أكثر هشاشةً

تُظهر دراسات حول الوضع الصحي للّاجئين السوريين الكبار في السن، الذين يشكّلون نحو 2.5 في المئة من مجموع اللاجئين، أن 66% منهم يصفون حالتهم الصحية بأنها سيئة، في حين يشير 87% منهم إلى أنهم لا يستطيعون توفير ثمن الأدوية التي يحتاجون إليها.

ومنذ عام 2020، بدأت ملامح أزمة نقص الأدوية في السوق المحلية في لبنان، ويبدو تأثيرها الأكبر على المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة، نتيجة ارتفاع أسعار الأدوية، وعدم توافر الكميات اللازمة منها في الأسواق المحلية، والكلفة المرتفعة للعلاج.

وفي تحديث لمنظمة أطباء بلا حدود، مطلع شهر أيلول/ سبتمبر الفائت، أشارت إلى أن لبنان "يعاني من نقص في الأدوية الأساسية التي لا تتوفر لدى الموزّعين، وفي الصيدليات، ولا يمكن إنتاج معظمها محلياً. وفي الأشهر الماضية، استقبلت فرقنا المختلفة مرضى سابقين، أو جدداً، أفادوا بأن المراكز العامة التي تقدّم الرعاية الصحيّة الأولويّة، لم تعد تمتلك الأدوية اللازمة لعلاجهم. وكانت منظمة أطباء بلا حدود قد عالجتهم سابقاً، وأحالتهم بعد استقرار حالاتهم إلى المراكز الصحية العامة، لمتابعة الحالات المزمنة على المدى الطويل. من المقلق للغاية أن نرى الأشخاص الذين كانت حالتهم مستقرةً، تتدهور مرة أخرى، لأنهم لم يتمكّنوا من الوصول إلى الأدوية التي يحتاجون إليها".

وتأخذ الأزمة أبعاداً، أخرى بالنسبة إلى اللاجئين الذين يعانون أساساً من أوضاع اقتصادية صعبة، مع عدم وجود ما يكفي من المراكز المتخصصة المجانية، بالإضافة إلى عدم قدرة غالبية المنظمات التي تُعنى بالمجال الصحي، على إمداد هذا الكم الهائل من ذوي الأمراض المزمنة بالأدوية اللازمة، مما يجعل شريحةً كبيرةً محرومةً من العلاج، بسبب انقطاع الدعم عنهم.

"ماذا سيحدث لي؟"

تعاني مريم اليونس (65 عاماً)، من ارتفاع في ضغط الدم، منذ سبع سنوات، بالإضافة إلى خوارج انقباض، وألم في المفاصل، وهي خيّاطة تعيش مع أولادها في بحمدون، التابعة لجبل لبنان، بعد نزوحهم من مدينة إدلب السورية، قبل تسع سنوات.

تقول مريم لرصيف22: "قبل بداية الأزمة الاقتصادية، كنت أستطيع تأمين الأدوية من الصيدليات. كانت متوفّرةً، وأسعارها مقبولة. أما الآن، فقد تضاعف سعرها، هذا إن وجدت، فبعض الأنواع فُقدت، والبعض الآخر أصبح سعره باهظاً، وهناك نوع من أدويتي وصل سعره إلى 250 ألف ليرة لبنانية (نحو 12 دولاراً وفق سعر صرف السوق السوداء)، وأنا لا أستطيع تأمين هذا المبلغ، إذ تراجع عملي في الخياطة، وتوفي زوجي قبل سنتين".

"قبل بداية الأزمة الاقتصادية، كنت أستطيع تأمين الأدوية من الصيدليات. كانت متوفّرةً، وأسعارها مقبولة. أما الآن، فقد تضاعف سعرها، هذا إن وجدت، فبعض الأنواع فُقدت، والبعض الآخر أصبح سعره باهظاً"

حاولت مريم استبدال دوائها بآخر، فارتفع ضغطها، وأُسعفت عند طبيب قريب، بسبب عدم وجود قدرة مادية لديها للدخول إلى المشفى. وتضيف: "أصبحت أقنّن في أخذ الدواء، وأخفض الجرعة من حبتين إلى حبة واحدة يومياً، مما أدى إلى تدهور حالتي الصحية، لكن ليس لدي حل آخر".

تخبرنا مريم بأنها لجأت إلى جمعيات عدة تُعنى بالمجال الطبي، لكنها لم تحظَ حتى الآن بفرصة التسجيل في أي منها، وللأمر أسباب عدة، وفق شرحها، فهي تعيش في منطقة بعيدة نوعاً ما عن أماكن وجود هذه الجمعيات، وتالياً عليها دفع مبالغ كبيرة نسبياً، لقاء أجور المواصلات، كما أن الضغط الذي تشهده الجمعيات لتسجيل آلاف المرضى لديها، يؤخّر من عملية دراسة الملف الصحي، والتاريخ الطبي للمريض/ ة، وتالياً قبول المرضى الجدد. وهناك جمعيات أخرى تقبل بمساعدة المرضى غير المسجّلين لديها، لكنها تعاني من شحّ في الأدوية، فلا تجد السيدة ما تحتاج إليه لديها.

"أتمنى، ولديّ أمل بأن يتحسن هذا الوضع، أو أن أجد مساعدةً من أي أحد، أو من أي جهة، مع أن الواقع غير ذلك، فدائماً أسأل في الصيدليات هل سيتحسن الوضع؟ فيجيبونني بأننا ما زلنا في وضع مقبول، وأن أزمة الدواء مستمرة بكل أسف، ما يزيد حالتي النفسية والصحية سوءاً، فدائماً أفكّر في كيف سأؤمّن الدواء؟ وماذا سيحدث لو لم أجده؟".

من الخدمات الطبية المقدمة للاجئين السوريين في لبنان

من الخدمات الطبية المقدمة للاجئين السوريين في لبنان - المصدر: صفحة منظمة Endless medical advantage

تقنين الأدوية

يرى ناشطون ميدانيون يعملون مع اللاجئين، وخاصةً خلال تطوعهم مع فرق طبية محلية في مختلف المناطق اللبنانية، أنّ المسنين يقنّنون في استخدام الأدوية، بسبب عدم توفرها، وأنّ العديد من المستوصفات، والمراكز الصحية، تنتشر في لبنان لهذا الغرض، لكن الأزمة الاقتصادية تفرض صعوباتٍ كثيرة.

تقول حنان حسين، وهي متطوعة كمرشدة في أحد مخيمات سعدنايل: "لدينا جهاز ضغط وسكري في المخيم، لنراقب المؤشرات الصحية أسبوعياً للمرضى كلهم، بالإضافة إلى جلسات دورية لتوعيتهم بأمراضهم، والأطعمة المناسبة لهم، وغير المناسبة، نشرح لهم عن الأعراض الخطيرة، والمضاعفات، والأعراض غير الخطيرة".

أصبحت أقنّن في أخذ الدواء، وأخفض الجرعة من حبتين إلى حبة واحدة يومياً.

تكمل حنان في حديثها لرصيف22، عن وجود العديد من المراكز الصحية، أي المستوصفات، في المناطق الحاضنة لمخيمات اللاجئين السوريين. "هذه المراكز تقدّم الأدوية والفحوص للمرضى، بأسعار رمزية، وكلفات شبه مجانية، وهي إمّا مدعومة من قبل منظمات محليّة، أو مؤسسات خيرية، مثل مستوصف الحريري بالقرب من شتورة، أو مستوصف الفاروق في سعدنايل. لكن منذ بدء الأزمة الاقتصادية، لم تعد تتوفر الأدوية في هذه المراكز، بشكل كلّي، أو جزئي.

وتضيف الناشطة إلى ملاحظتها، لجوء مرضى الضغط والسكري، في الآونة الأخيرة، إلى التقنين في الدواء، إذ يأخذون حبّةً واحدة في اليوم، بدلاً من حبّتين، مما يؤدي إلى عدم حصولهم على الفائدة المطلوبة، بل أيضاً تراجع حالتهم الصحية.

البحث عن الدواء أصبح روتيناً

تحوّل البحث عن الدواء إلى عادة يومية لآلاف المرضى من اللاجئين واللبنانيين على حدّ سواء، وسط شحٍّ في وفرته، لا سيما المخصص منه للأمراض المزمنة، عدا عن تضاعف سعره بشكل سريع. وتعمل بعض المنظمات على الاستمرار في دعمهم بهذه الأدوية، على الرغم من الصعوبات الشديدة، ومنها منظمة أطباء بلا حدود التي تتابع المرضى المسجّلين لديها بشكل دوري، وتغطّي كل ما يحتاجونه من أدوية. ومن هؤلاء المرضى، فكرية أومري، 63 عاماً، التي تعاني من عدة أمراض مزمنة، كالسكري، والكولسترول، وتقيم في بيروت مع زوجها الذي شُخّص مرضه بسرطان الجلد حديثاً، وبناتها الخمس.

من الخدمات الطبية المقدمة للاجئين السوريين في لبنان

من عمل منظمة أطباء بلا حدود في لبنان - المصدر: موقع المنظمة

تقول: "عندما انتقلنا إلى لبنان، قبل عشر سنوات، من بلدتنا في ريف دمشق، كنت أؤمّن الدواء من الصيدليات، ثم ساءت أوضاعنا فتسجّلت في أطباء بلا حدود قبل أربع سنوات، وإلى الآن أحصل على كامل العلاج، والأدوية، شهرياً. لدي سجلّ عندهم، وهناك متابعة دورية، من فحوصات وتحاليل، ولم أحتج إلى أي مساعدة من أي جهة أخرى. وبالإضافة إلى ذلك، كان العلاج والدواء متوفّران دوماً، وبشكلٍ مجاني، ولم ينقطعا حتى بعد بداية أزمة الدواء".

على الرغم من هذا الدعم، إلا أن الأمر لا يخلو من الصعوبات، كما تقول السيدة، فهي تعاني مثلاً من صعوبة إبقاء الأنسولين مبرّداً، كي لا يفسد، مع ساعات انقطاع الكهرباء الطويلة. "أتمنى أن يتغير الوضع الحالي، أو أن أخرج من لبنان، إلى بلد آخر تتوفر فيه المقومات الأساسية للحياة، وكان الله في عون المرضى الذين لا يستطيعون الحصول على الدواء"، تختم حديثها بحزن.

منظمات تعمل على الرغم من الصعوبات

تملك أطباء بلا حدود أكثر من عشرة مراكز في بيروت، والبقاع، وطرابلس، وعكار، بالإضافة إلى فريقين متنقّلين مخصصين للوصول إلى المناطق كلها التي لا يستطيع فيها المرضى الوصول إلى المراكز، خصوصاً كبار السن، سواء لأسباب صحية، أو بسبب أزمة وقود السيارات، وارتفاع أجور النقل. وما يميز هذه المنظمة، وجود مراكزها في أماكن تضم تجمعات كبيرة للّاجئين السوريين، ما يساهم في تغطية احتياجاتهم، وفق إمكاناتها.

ومن ضمن الأمراض التي تغطي المنظمة علاجها، السكري، وارتفاع ضغط الدم، والكولسترول. بالإضافة إلى ذلك، تعمل على نشر التوعية الصحية بين المرضى، مثل تعليمهم كيفية إجراء اختبار السكري الذاتي.

تحوّل البحث عن الدواء إلى عادة يومية لآلاف المرضى من اللاجئين واللبنانيين على حدّ سواء، وسط شحٍّ في وفرته، لا سيما المخصص منه للأمراض المزمنة، عدا عن تضاعف سعره بشكل سريع. وتعمل بعض المنظمات على الاستمرار في دعمهم بهذه الأدوية، على الرغم من الصعوبات الشديدة

بالإضافة إلى أطباء بلا حدود، تعمل منظمات أخرى في لبنان على مساعدة المصابين بأمراض مزمنة، ومنها مؤسسة عامل الدولية، واتحاد الجمعيات التنموية والإغاثية، وغيرها. تملك مؤسسة عامل على سبيل المثال، قرابة ثلاثين مركزاً وعيادةً متنقلةً، في أنحاء لبنان كافة، من الشمال إلى الجنوب، ويسعى اتحاد الجمعيات التنموية والإغاثية إلى تقديم خدمات صحية وإغاثية للّاجئين السوريين، وأيضاً للعائلات اللبنانية المحتاجة، من خلال شبكة مستوصفات وعيادات متنقلة، ومنتشرة على كامل الأراضي اللبنانية.

ويمكن العثور على معلومات التواصل مع هذه المنظمات جميعها، ومع غيرها، عبر قوائم متوافرة عبر الإنترنت، ويتم تحديثها بشكل دوري.

ولا يخلو عمل هذه المنظمات، بكل تأكيد، من صعوبات، فإجراءات استيراد الأدوية باتت معقدةً، وهناك معاناة في خصوص وصول المرضى إلى المراكز، ومن ازدياد عدد المرضى باستمرار، لكنها تحاول بشتى الوسائل الاستمرار في تغطية تلك الحاجات المتزايدة، وتأمين مستلزمات هذه الفئة الأكثر هشاشةً.

يختم الدكتور فراس الغضبان، حديثه، بالإشارة إلى أنّ محاولات بعض الناشطين الأفراد في تركيا، والدول الأوروبية، للمساعدة في تأمين بعض الأدوية، وجمعها، وإرسالها إلى المرضى في لبنان. ويؤكد أنّه مهما كان دور المنظمات والفرق الطبية بسيطاً في تقديم الأدوية والعلاج، إلاّ أنّ هذا يُحدث أثراً كبيراً في ظلّ الأزمة المستمرة في لبنان. "عندما يتكاتف الجميع مع بعضهم، يُحدِثون فرقاً، رغماً عن كل الظروف الصعبة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard