بعد يوم من قرار الحد من الدعم... كيف أصبحت سوق الدواء اللبناني؟

السبت 17 يوليو 202106:04 م

دخلت سيّدة صباح السبت 17 تمّوز/يوليو إلى صيدلية يمتلكها نديم زريق في النبطية في جنوب لبنان، سائلةً إيّاه عن دواء Celebrex المستخدم في علاج التهاب الأعصاب والمفاصل المزمن "روماتويد" والاكتئاب والقلق. فوجئت السيدة بأن سعره تغير اليوم وبات 140 ألف ليرة لبنانية، فيما كان سعره يُساوي 25 ألفًا فقط قبل أربعِ وعشرين ساعة، قبل أن يصدر القرار الحكومي برفع الدعم عن 1500 صنف دواء من بينها أدوية تستخدم في علاج الأمراض المزمنة.

لم تتوقف صدمة السيدة عند خبر ارتفاع السعر، إذ أخبرها الصيدلاني أن تستعد لارتفاع جديد قريب، قد يصل بسعر الدواء إلى 280 ألف ليرة في الأيام المقبلة، نظراً لأزمة العملة التي يتوقع أن ترفع الأسعار بسبب تباين سعر صرف الليرة بين السوق الرسمية والسوق السوداء.

اختارت السيدة أن تغادر من دون أخذ الدواء، لأنّه "غير ضروري في هذه الحالة"، بحسب ما نقل عنها زريق.

 يقول زريق لرصيفـ22: "تختلف ردّات فعل المرضى الذين يبحثون عن الدواء باختلاف فئة الدواء الذي يبحثون عنه، فالدواء الذي كان سعره عشرة آلاف ليرة وأصبح الآن يساوي أربعين ألفاً، مختلف عن الدواء الذي أصبح سعره 120 ألفاً بعد أن كان يساوي عشرة آلاف".

اللافت أن هذا الدواء تحديداً، لم تشمله قائمة الأدوية المستثناة من الدعم الصادرة عن الحكومة.

في مؤتمر رسمي نقله التلفزيون اللبناني أمس، الجمعة 16 يوليو/ تموز، أعلن وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال اللبناني حمد حسن، عن خطة الدواء التي أعدّتها الوزارة "بهدف إعادة ترتيب أولويات منح الدعم على الدّواء".

وشملت الخطّة المعلنة رفع الدعم عن أكثر من 1500 صنف من "الأدوية التي تُباع دون وصفة طبية والتي يقل سعرها عن 12 ألف ليرة (لبنانية)"، على ان يستمر الدعم لـ"المواد الأولية اللازمة لصناعة الأدوية محليًا، ولأدوية الأمراض المزمنة والمستعصية وحليب الأطفال واللقاحات والأمراض النفسية والعصبية".

اختارت السيدة أن تغادر من دون أخذ الدواء، لأنّه "غير ضروري في هذه الحالة". اللافت أن هذا الدواء تحديداً، لم تشمله قائمة الأدوية المستثناة من الدعم الصادرة عن الحكومة. 

بعض الصيدليات أعلنت منذ ذلك الحين توقّفها عن العمل، إلى حين تسلّم لوائح وجداول الأسعار وتأمين بعض الحماية للصيدليات التي شهدت ردود أفعال غاضبة من قبل المواطنين في الأسابيع الأخيرة، بسبب ارتفاع أسعار الدواء أو غيابه.

 يُعاني لبنان أزمة في توفّر الدواء منذ نهاية مايو/ أيار 2020، بعد أن بدأ مصرف لبنان بدعم استيراد الدواء والقمح والمحروقات في أواخر العام 2019، بالتزامن مع بدء انهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار.

ويقوم الدعم على منح الدولارات لمستوردي الدواء والقمح والمحروقات مقابل سعر الصرف الرسمي (1507 ليرة للدولار الواحد)، عبر فتح اعتمادات مصرفية مخصصة لاستيراد هذه السلع بالتحديد. غير أنّ الدولة تعاني شحًّا متزايدًا في الاحتياطي الرسمي بالعملة الأجنبية، وفي ظلّ انهيار قيمة الليرة اللبنانية أمام الدّولار بنسبة 90% تقريبًا في أقّل من سنتين، ما أثر على توفير العملة اللازمة لاستيراد ما يكفي حاجة السوق من الدواء.

ودفع تراكم هذه الأزمات بعض الصيدليات إلى إضراب مفتوح منذ 9 تمّوز/يوليو الجاري، بعد أن حذّرت نقابة مستوردي الأدوية في بيان في 4  تمّوز/يوليو من شحّ في مئات الأصناف من الدواء، منها أدوية لأمراض مزمنة ومستعصية، وأوضح البيان أنّ "عملية الاستيراد متوقفة بشكل شبه كامل منذ أكثر من شهر".

 التزمت الصيدلية التي تعمل فيها سينتيا مطر في الشوف، جنوب غربي العاصمة بيروت، الإضراب منذ الخميس الفائت، وتتوقّع دخول الصيادلة بمواجهة جديدة مع المرضى عند انتهاء المدة المحددة للإضراب والعودة إلى العمل، الاثنين في 19 تمّوز/يوليو. تقول: "الصيادلة هم كبش المحرقة، وأرى أنّ الأزمة (الدوائية) ستتفاقم بعد إقرار هذه الخطة (...) وها قد دخلنا في دوّامة خطيرة أكثر".

بعض الصيدليات أعلنت توقّفها عن العمل، إلى حين تسلّم لوائح وجداول الأسعار وتأمين بعض الحماية للصيدليات التي شهدت ردود أفعال غاضبة من قبل المواطنين في الأسابيع الأخيرة

غلاء الدواء وغليان المواطنين

 بحسب الصيدلاني نديم زريق "لا يزال الدواء مفقوداً"، مذكراً بأن أزمة الغلاء لم تبدأ مع قرار رفع الدعم عن بعض الأصناف، لأن تفاوت سعر الصرف لليرة مقابل الدولار، كان كافياً لتضخم الأسعار. فالسعر الرسمي للأدوية يُحتسب بحسب سعر صرف 12 ألف ليرة للدولار الواحد، فيما سعرها الحقيقي يُحتسب بحسب سعر صرف السوق السوداء الذي بلغ 22 ألف ليرة للدولار الواحد في 17 تمّوز/يوليو.

 ويقول إنّ أسعار بعض أدوية الأطفال وحبوب منع الحمل مستمرّة في الارتفاع. ويرى أيضًا أنّ خطة الدواء الجديدة قد تساهم في التخفيف من الفوضى الدوائية في المجتمع اللبناني، بحيث يتجه الذين كانوا يستهلكون أدوية عشوائية سابقًا، خصوصًا تلك المُباعة دون وصفة طبية، إلى التخفيف من هذا الاستهلاك.

 لم يُغلق زريق أبواب صيدليته بعد الإعلان عن خطة الدواء، ويقول لرصيفـ22 إنّ صيدليته لم تشهد غضب المواطنين الباحثين عن الدواء لأنّها في قرية صغيرة نسبيًا، حيث الجميع يعرفه على المستوى الشخصي قبل أن يعرفوه صيدلانيًا، فيما البعض منهم يحصلون على أدويتهم من الخارج، بواسطة المغتربين.

 من العوامل المساهمة في إرباك سوق الدواء في لبنان كذلك، حالات الاحتكار وازدياد التهريب للدواء عبر الحدود، إلى الكونغو مثلًا، علمًا أنّ مشهد احتكار الدواء أو تهريبه ليس بجديد في لبنان.

 وانسحبت ارتدادات الأزمة الاقتصادية كذلك على المستشفيات التي باتت تلجأ إلى الحد من إجراء بعض العمليات الجراحية غير الطارئة والفحوص المخبرية، بسبب النقص في بعض أدوية البنج والمستلزمات الضرورية.

 بحسب تقرير لـمرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت صدر في الثاني من حزيران/يونيو: "لا يمكن الاستمرار في دعم استيراد الدواء على نحوٍ عشوائي، إذ يُعدُّ الإنفاق في القطاع الدوائي اللبناني من أعلى الإنفاقات في العالم، وهو يُقدَّر بـ 3,4% من الناتج المحلي الإجمالي".


أنجز هذا التقرير ضمن مشروع "شباب22"، برنامج تدريبي لموقع رصيف22 يرعاه مشروع دي- جيل D-Jil، بالاعتماد على منحة من الاتحاد الأوروبي تشرف عليها CFI.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard