شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!

"أحنو عليها وأبكيها، وكأنني أعرفها"... شابّات يغسلن الموتى في سوريا

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الأحد 7 نوفمبر 202103:04 م

في سن الخامسة والعشرين، استبدلت خديجة مساحيق التجميل والزينة، بالمقص، وكرات القطن، وأوراق السدر، والصابون، والكافور، لتبدأ رحلتها في عالم العويل والنحيب والرثاء، في عمر الصبا، وفق تعبيرها.

تقول الشابة التي تعيش في العاصمة السورية دمشق، لرصيف22: "أعمل منذ خمسة أعوام. فقد زوجي عمله بسبب ظروف الحرب، واضطررت بدوري إلى البحث عن عمل، فتقدمت إلى مسابقة مكتب دفن الموتى بصفة إدارية، وليس كمغسِّلة".

الوضع المادي الذي يزداد صعوبةً في سوريا، شهراً بعد آخر، أجبر خديجة، ولديها أربع فتيات، على تعلّم مهنة غسل الموتى، إلى جانب المهام الإدارية في مكتب الدفن، لزيادة دخلها. "تعلّمت أسرار المهنة من النساء الأكبر مني سناً، والآن أمارسها بكل إتقان".

ولا يُعدّ العمل في غسل الموتى شائعاً، بالنسبة إلى الفتيات الصغيرات السن، في سوريا، لكن "ما باليد حيلة" كما يقلن، واليوم يضم مكتب الدفن في دمشق قرابة اثنتي عشر مغسِّلة، بينهن العديد من الشابات.

اليوم يضم مكتب الدفن في دمشق قرابة اثنتي عشر مغسِّلة، بينهن العديد من الشابات.

"أعيل أطفالي من هذه المهنة"

أكثر من عشرة آلاف جثّة في رصيد رقية (35 عاماً)، غسّلتها خلال سنوات عملها. "بدأت قبل 12 عاماً. كنت حينها أبحث عن عمل، لكن من دون طائل، إلى أن وجدت مهنة تكفين الأموات، وهي تدرّ دخلاً مالياً أستطيع من خلاله إعالة أطفالي الخمسة"، تقول السيدة وهي مطلقة، ولم تكمل دراستها، وتالياً لا تملك حظوظاً مرتفعة في إيجاد فرص عمل ملائمة.

وتضيف رقية لرصيف22: "اخترت هذه المهنة لما فيها من أجر وثواب عند الله. لا أتقاضى سوى أجري في العمل، ومن المعيب أن نطلب المال من أهل الميت، لأن في الطلب إحباطاً للأعمال الصالحة، وبطلاناً للثواب. لكن في كثير من الأحيان، يمنحنا ذوو الفقيد بعض المال من تلقاء أنفسهم، حسب استطاعتهم المالية، إلى جانب وجبة الغداء". ولا تتجاوز أجور المغسِّلات اليوم، أكثر من 75 ألف ليرة سورية (22 دولاراً) في الشهر.

أما وداد (36 عاماً)، فقد ورثت مهنة تكفين الأموات من شقيقتها الكبرى. لم تفكر في العمل قبل وفاة زوجها الذي ترك وراءه خمسة أطفال، ثم اضطرت إلى تسلم مقاليد التغسيل من أختها. "لطالما أبديت استغرابي من عمل شقيقتي، وكيف يمكنها الجلوس مع الجثث، وتحمل الروائح القوية المنبعثة من الأجساد المتيبسة، إلى أن أصبحت مثلها"، تقول لرصيف22.

المرة الأولى في حضرة الموت

تروي خديجة مشاهد وقوفها أمام جثة هامدة، وجهاً لوجه للمرة الأولى، وتستدعي تفاصيل تلك اللحظة المخيفة التي حفظتها عن ظهر قلب.

"أذكر جيداً أنني دخلت في نوبة بكاء، وشاركت أهل المتوفاة أحزانهم، وكأنني فرد من العائلة، إلى أن غادروا المغسل إيذاناً بتغسيلها. وحين اختليت بالمرأة، انتابني الذعر. بقينا وحدنا ساعةً كاملة، وكأنها دهر؛ تشنجت معدتي، وشُلَّت يداي، وشعرت بألم يحزّ قلبي. كم حزنت لأجلها، ورحت أبكيها وكأنني أعرفها".

استمرت التشنجات وخفقان القلب السريع أكثر من أسبوع، إلى أن زارت الشابة الطبيب. "صرت أحلم بها في الليل، وهجرني النوم، فأخبرني الطبيب بأن الأمر يعود إلى العامل النفسي، ونصحني بالفصل بين عاطفتي وعملي".

رقية لم تكن أكثر شجاعةً، إذ تذكر المرة الأولى التي ذهبت فيها برفقة مغسّلة مخضرمة، لتغسيل إحدى السيدات: "تصببت عرقاً، ولم أحرّك ساكناً، إلى أن انتبهت زميلتي لارتباكي المفاجئ، فغمزتني بألا أتفوّه بأي كلمة أمام أهل الميتة، كي لا يغضبوا من جهلي بأمور التغسيل، فيما تولت هي الأمر بعد خروجهم من الغرفة، وأنا لذتُ بالفرار، وعدت إلى منزلي مذعورةً".

وتلفت رقية إلى أن زميلتها حرصت على ألا يلتفت أهل الفقيدة إلى ذعرها، لأنهم يريدون مغسِّلة مخضرمةً وليست مبتدئة: "منيح ما حسّوا أهل الميتة إني ما بعرف غسّل، لأن ما بيهون عليهن وحدة صغيرة تجرّب بفقيدتهن".

"شاركت أهل المتوفاة بأحزانهم وكأنني فرد من العائلة، إلى أن غادروا المغسل إيذاناً بتغسيلها، وحين اختليت بالمرأة انتابني الذعر. بقينا لوحدنا ساعة كاملة، وكأنها دهر، تشنجت معدتي، وشُلّت يداي، وشعرت بألم يحز قلبي، كم حزنت لأجلها، ورحت أبكيها وكأنني أعرفها"

يد حانية لغسل الجسد

"قد يبدو الأمر غريباً، لكني أعتقد أن الميت يشعر بمن حوله حتى بعد وفاته، وخروج الروح من جسده"، تقول خديجة، مضيفةً: "لا أريد أن يشعر بالقسوة والألم، لذلك أحرص على أن أكون عطوفةَ على الموتى. هن يحتجن إلى يد حانية فحسب، تمسّد أجسادهن الطريّة، قبل أن ينال منها اليباس. ‘لازم تغسلي الميتة من كل قلبك، وما تنقصي عليها شي. متل ما بتتحممي ببيتك، وتنظفي حالك، لازم تنظفي الجثة، وتحني عليها’".

وتشير رقية إلى أن لكل مغسِّلة طريقتها في التغسيل، وأسلوبها الخاص في التعامل مع الجثة، وتضيف: "الصبر من أهم صفات المغسِّلة، بالإضافة إلى الضمير الصاحي، كما ينبغي على المغسِّلة أن تكون كاتمةً للأسرار، فلا تحكي عن أي شيء رأته على جسد الميتة. الله أمرنا بالستر".

وهنا تشرح لنا وداد آلية العمل: "تكون عظام المتوفاة ليّنةً وطريةً، إذا ما غُسلت على الفور، فتسهل عملية انتزاع الملابس. ابدأ بالقسم الأيمن من جسمها، وأقصّ الكم الأيمن إلى حد الرقبة، ثم الكم الأيسر، مروراً بالمنتصف، ثم أقصّ الملابس في القسم السفلي، بدءاً من جهة اليمنى ثم اليسرى، وأقوم بتظفير أظافر اليدين والقدمين، وفق السنّة النبوية. بعد ذلك تبدأ عملية الغسل والوضوء، وصبّ الماء، وفركه بالصابون، بعد إجلاسها، ووضع قطعة قماش على منطقة العورة. وبعد الانتهاء، أضع القطن في الأذنَين والفم، وهو ما يسمّى بالتكفين".

وتطلق خديجة على عملها اسم "الموهبة"، رافضةً وصفه بالمهنة، وتعقّب بالقول: "هي موهبة من الله عز وجل، كالرسم، والغناء، وسواها، فهو من زرع فينا القلب القوي، لنتمكن من تحمّل مشقّة غسل أمواتنا، فقد يحدث أن تغسل قريباً لك، وعزيزاً عليك، وعلينا أن نؤدّي هذا العمل بكل ذمّة وضمير".

هي موهبة من الله عز وجل، كالرسم والغناء وسواها، فهو من زرع فينا القلب القوي لنتمكن من تحمل مشقّة غسل أمواتنا.

مواسم حصاد الأرواح

"كان سوق الموت شغّال"، كما تقول السيّدات الثلاث، واصفاتٍ العامَين الأخيرَين في ظل انتشار فيروس كورونا، وقبلها حين كانت المعارك مشتعلةً على أطراف دمشق.

تضيف خديجة: "اشتغلنا كتير بكورونا. كانت الناس محبوسة ببيوتها، وخايفة من الموت، إلا نحنا رايحين لعنده. أحياناً كنت أغسل لوحدي أكتر من سبع سيدات في اليوم الواحد، إلى درجة أن مكتب دفن الموتى صار يدفن في الليل من شدة الضغط".

وتشير السيدة إلى أنها تصرّ على غسل الموتى جرّاء الفيروس، على الرغم من أنه لم يكن إلزامياً، ولا تخفي خوفها من انتقال العدوى: "كنت حاملاً، وعلى الرغم من ذلك كنت أصرّ على التغسيل. على الأقل تقابل الميتة ربها نظيفةً ومتوضَّأةً، والحمد لله رزقت طفلةً بأتم الصحة".

تسترجع رقية نحيب إحدى النساء حين خرجت جنازتان في اليوم ذاته: "فوجئت بوفاة أم وابنتها بسبب جائحة كورونا، وغسلتهما على التوالي، وكانت الفاجعة كبيرةً، وتأثرت جداً لمصابهم، فهذا الفيروس لا يميّز بين الصغير والكبير".

أما وداد، فتحصي حصيلتها اليومية التي وصلت في بعض الأحيان إلى عشر نساء، حين كانت سماء دمشق تمطر بالقذائف والصواريخ قبل أعوام: "كانت تأتينا الأشلاء والجثث المتفحمة، والمثقوبة بالجروح. كنت أحاول إيقاف النزيف وتضميده بالشاش العقيم، ثم أغسل الأجساد بالتراب والتيمم، إذ لا يجوز غسلها بالماء، لأنها لشهداء".

"مرة وصلتني جثة سيدة كبيرة بالعمر، ‘مقطوعة من شجرة’ كما يقال باللغة الدراجة، ولم يكن معها أحد. سلمني إياها مكتب الدفن، فغسلتها وأرسلناها إلى مقبرة ‘نجها’ للغرباء. حزنت عليها كثيراً، كان موقفاً صعباً. حسيت الدنيا مالها قيمة وصغيرة بعيني"

أخشى الأحياء وليس الأموات

تعرضت خديجة لموجة انتقاد لا تنتهي، حين قررت العمل في تغسيل الأموات، وكانت أسرتها على رأس قائمة الرافضين. "استهجنت عائلتي الفكرة، لكني أصريت على قراري، وبدأ الناس يقولون إنني لا أملك قلباً، وإن القلوب الميتة وحدها من تتجرأ على تغسيل الأموات! تأذّيت من كلام الناس. ‘الشغل مو عيب، عم اشتغل بكرامتي والحمد لله’".

وتضيف: "أخاف التعامل مع الأحياء أكثر من الأموات، فهم بارعون في الإمعان بأذيتنا، وإلحاق الألم بنا، بينما الأموات صامتون وراقدون في سلام أبدي. حين أغسل جسد المتوفاة، أتحدث معها، وأدعو لها بالرحمة والسلام، كما أطلب منها السماح والمغفرة إن أوجعتها في الغسيل، أو في حال قصّرت معها".

رقية بدورها تقول إنها اعتادت مجالسة الأموات: "في البداية كنت أشعر بالخشوع والرهبة، لكن الآن تعوّدت على رائحة الموت، ولم أعد أشعر بشيء. أغسل الميتة وكأنه أمر طبيعي، وأعود أدراجي، هو يشبه أي عمل آخر".

وتستذكر حادثةً حفرت عميقاً في داخلها، حين استلمت جثّة امرأة وحيدة ليس لها أهل، ولا أقارب. "مرة وصلتني جثة سيّدة كبيرة في العمر، ‘مقطوعة من شجرة’ كما يقال باللغة الدراجة، ولم يكن معها أحد. سلّمني إياها مكتب الدفن، فغسلتها وأرسلناها إلى مقبرة ‘نجها’ للغرباء. حزنت عليها كثيراً. كان موقفاً صعباً. ‘حسّيت الدنيا مالها قيمة، وصغيرة بعيني’".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard