هنا أستطيع أن أربي قطتي وألعب معها... حكايات إيرانية في أربيل العراقية

الأربعاء 25 أغسطس 202105:44 م

يعيش الناس في الجمهورية الإسلامية الإيرانية حياة اجتماعية بضوابط رقابية قاسية، لا تطال فقط أجساد النساء، مهما كانت طوائفهن أو ميولهن أو أفكارهن، رغم الانفتاح النسبي مؤخراً، والرجال أيضاً وحتى الحيوانات المنزلية الأليفة، مما يدفع العديدين إلى المغادرة.

وأقرب تلك الدول إلى هؤلاء، أربيل عاصمة كردستان العراق، وبعد مضي فترة، اختبروا فيها ما لم يستطيعوا في إيران، عادت عيونهم تنظر إلى بلادهم، وذكرياتهم، بكثير من الألم والحسرة.

صديقي جُلد في ساحة عامة

تعيش أريا اليوم في مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، قررت عام 2018 مغادرة إيران، والتوجه إلى تركيا، بعد أن شاهدت لأول مرة في حياتها أحد أصدقائها يُجلد في ساحة عامة، انتقلت بعد عام من تركيا إلى أربيل، لتعيش حياتها كما تحب، دون قيود على خياراتها الخاصة، ودون فرض غطاء مقدس على رأسها.

تقول أريا (35 عاماً) لرصيف22: "كنت في الخامسة عشرة من عمري، عندما أوقفني فريق "دورية الإرشاد"، واقتادني إلى السجن بتهمة ارتداء ملابس رجاليّة، وقرر جلدي 25 جَلدة، عندما علم والدي بالأمر، قال لعضواته: إنها تحت السن القانوني، لا تستطعن جَلدها، واحدة منهن أصّرت، وقالت: تحت الثامنة عشرة نجلدها جَلَدَات خفيفة غير مؤلمة".

جلدنني وأنا قاصر، بتهمة ارتداء ملابس رجالية، أخبرن أبي أن الجلد سيكون رقيقاً بسبب عمري، بعدها قالت إحداهن أني شتمت آية الله الخميني، وعندما عدت إلى البيت، سألت أبي: "من هو آية الله الخميني؟"

تُغمض أريا عينيها، تتذكر صوت السوط، وهو يطير ويغط على ظهرها، وتتابع: "وضعت إحداهن كتاباً تحت إبطها، اقتربت من ظهري حتى التصقت به، ثم بدأت بجلدي، لم يكن السوط قاسياً على جلدي الطري، بقدر قساوته على قلبي الصغير، بعد تنفيذ العقوبة اتهمنني بمسبّة آية الله خميني، عندما عدنا إلى المنزل، سألت والدي: من يكون آية الله خميني؟".

خلعت أريا الحجاب لدى وصولها إلى بوابة العبور في مطار صبيحة التركي، تقول: "عندما قارن الموظف بين صورة الفتاة المحجبة في جواز السفر وبيني، دُهش، لم يصدق أنني ذاتها، خاصة عندما تحدثت معه الإنجليزية بطلاقة، بعد العبور رأيت التسريحات الجميلة لكل السيدات الإيرانيات، اللواتي كنّ محجبات معي على نفس الطائرة".

تعمل أريا مترجمة، ومصممة برامج في شركة أجنبية في أربيل، تقول: "الحياة هنا مُكلّفة، والأجور ضئيلة، أقارن بين الحياتين، الحياة في إيران أفضل من الناحية المادية، لكنها قطعاً أسوأ من الناحية الاجتماعية، كنت مُجبرة على ارتداء ملابس فضفاضة، ووشاح على الرأس، أعيش يومياً مشاعر الخوف والقلق من التوقيف والاعتقال والتهديد بالجَلد والقتل، لأنني أمارس أبسط حقوقي الإنسانية".

"لا خيارات سوى نظام الحكم"

آزر، شاب أسمر البشرة، هادئ الملامح، لا يثيره كثيراً الحديث عن نظام الحكم في إيران، وربما يجتاحه من الداخل كإعصار أخرجه عندما وافق أن يروي قصته لرصيف22. يقول: "في إيران لا مكان لحقوق الانسان، لا خيارات سوى التي يختارها نظام الحكم، لا تستطيع الخروج مع صديقة، لا يمكنك احتساء الكحول، أما الجريمة الكبرى، فانتقاد ما يجري لك، ويجري حولك".

انتقل آزر من إيران إلى أربيل قبل ثلاث سنوات، يعمل عازف راب، يقول: "تعرّضت للجَلد على أيدي فريق "حراسات"، وهو فريق من الرجال المخلصين للسلطات الإيرانية، المكلفين بمراقبة حياتنا الشخصية ومعاقبتنا، كانت جريمتي جلوسي مع زميلة تشرب سيجارة في أحد مقاهي طهران".

يكمل آزر (28 عاماً) قصته: "اقتادوني إلى السجن، سألوا عن صلة القرابة مع الفتاة، عندما علموا أننا مجرد صديقين، جَلدوني 50 جَلدة، في ذلك اليوم سمعت صيحات رجل يُجلد لأنهم اشتموا رائحة الكحول في فمه".

لا يعلم آزر ما حلّ بالفتاة، يقول: "لم أرها مجدداً، كل ما توصلت إليه أنهم أغلقوا المقهى لمدة أسبوعين، سمعتُ أن عقوبة الجلد تراجعت قليلاً نتيجة الضغوط الدولية على نظام الحكم القائم في إيران، لكنها ما زالت موجودة، أما المشروب فهو من أكبر المحرّمات رغم أن معظم الناس تشرب الكحول سراً في ظلمة منازلها".

"أتناول الكحول وأتصفح الإنترنت"

يرى آزر أن نظام الحكم في إيران يفرض أقسى أنواع الحياة الاجتماعية على المواطنين الإيرانيين، بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم، يحظر العديد من مواقع التواصل الاجتماعي، والتطبيقات، بحجة أنها نوافذ تجسس، وفي المقابل ينشئ لنفسه حسابات عبرها، لتكون أدوات رقابة حصرية على حياة الشعب، والحركات الشبابية المعارضة.

يتفق آزر مع أريا حول جمال الحياة في أربيل مقارنة بإيران، وكذلك في تكلفتها العالية، يقول: "أعيش حياة سعيدة في أربيل رغم غلاء المعيشة، أتناول الكحول فقط لأنني أحب ذلك، أتصفّح الانترنت، أخرج مع زميلات من مختلف البلدان، هذه المدينة أعطتني ما عجزت طهران عنه، حريتي الشخصية خلصتني من شعور الخوف الدائم، الذي حاولت مراراً أن أبدده في طهران، ومراراً أخفقتُ أيضاً".

حيات أزر في أربيل جعلته يعيد تقييم مستقبل بلاده، فهو يؤمن بنهاية النظام أكثر من ذي قبل، يقول: "كل ما يجري في إيران سينتهي بانتصار الشمس، لأنها تشرق يومياً على الحقائق والاكاذيب كلها معاً".

حب الحيوانات الأليفة

تزوجت روند من حبيبها سالار، الذي يكبرها بخمسة عشر عاماً، فارق العمر لم يمنع تقاربهما الفكري، أما ما دفعهما لمغادرة طهران إلى أربيل منذ خمس سنوات، فلم يكن تصفح الإنترنت الحر، ولا شرب الخمر، ولا السعي إلى التحرر الاجتماعي، كان حب الحيوانات الأليفة، والشغف بتربيتها.

تقول روند (33 عاماً) لرصيف22: "السبب الرئيسي لاغترابنا حبنا لتربية الحيوانات الأليفة، التي يحرّمها النظام الإيراني، يمنع الإيرانيون من الخروج بهرة أو كلب أليف إلى الحدائق، كانت جريمتنا اهتمامنا بهرة بيضاء صغيرة، عندما قررنا الخروج بها في نزهة، تعرّضنا للتوقيف ومصادرة الهرة، التي لا نعلم عن مصيرها شيئاً".

"تعرّضت للجَلد بسبب جلوسي في مقهى مع زميلة تشرب سيجارة"، "في أربيل أستطيع أن أربي قطة، وألهو معها في الشارع بلا مشاكل"، "هذه المدينة أعطتني حريتي الشخصية"

يعتقد النظام الإيراني أن تربية الحيوانات الأليفة رجس من عمل الشيطان، يصفها بـ"النجاسات"، بحجة أنها تنقل الأمراض إلى الانسان، كل من يحب تربية حيوان أليف عليه الاحتفاظ به داخل منزله فقط.

ترى روند أن المرأة الإيرانية مظلومة مقارنة بنظيرتها في معظم بلدان الشرق الأوسط، لأنها ما زالت تتعرض للجَلد، في زمن أصبحت المرأة رائدة وعالمة وحاصلة على جزء كبير من حقوقها، بينما ما تزال المرأة الإيرانية تصارع شعور الخوف، كلما قررت أن تفتح باب منزلها وتخرج إلى الشارع.

تهتم روند اليوم بقط بريطاني، رمادي اللون، قصير الشعر، تخرجه إلى الحديقة يومياً، وتلعب معه، تقول: "لا يحق لأحد تحديد ما أحب وما أكره، لست مُجبرة على العيش وسط دوامة مصادرة الحريات، أسئلة ما زالت تُلّح: هل تربية حيوان أليف جريمة؟ أليس من حقي أن أحيا كما أريد؟ هذا ما تمنعه إيران عن جميع الإيرانيين".

الأربعاء الأبيض

شاركت روند قبل خروجها من طهران، في حركة "الأربعاء الأبيض" باللغة الفارسية "چهارشنبه‌ های سفید"، التي أطلقتها الناشطة والصحافية الإيرانية المنفية في الخارج مسيح علي نجاد منتصف عام 2017، دعت من خلالها النساء الإيرانيات، اللواتي يرفضن الحجاب القسري، الذي فرضته السلطات الإيرانية على جميع النساء بعد الثورة الإيرانية، إلى تحميل صورهن بعد خلع الحجاب، ونشرها على شبكات التواصل الاجتماعي.

تقول روند لرصيف22: "خلعت الحجاب، وأرسلت صورتي بشعري الطويل، لسنا ضد الحجاب، لكننا ضد الحجاب القسري، كل النساء الإيرانيات يجب أن يكنّ مسيح علي نجاد، لأنها الشجاعة التي وقفت في وجه النظام الإيراني، وقالت لا، رغم كل ما تعرّضت له من مضايقات واعتقالات".

وقبل الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، كانت النساء الإيرانيات يرتدين التنانير القصيرة، والسترات المكشوفة، لكن هذا كله تغيّر، عندما تولى آية الله خميني السلطة، وأُجبرن على تغطية شعر الرأس، ولبس أزياء فضفاضة.

......

تم التحفظ على الأسماء الكاملة الواردة في التحقيق، وانتماءاتهم العرقية، ومساقط رؤوسهم في إيران خوفاً على سلامتهم الشخصية، وتحقيقاً لرغبتهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard