الفنانة الإيرانية مارال بولوري: عملي يعكس تجربتي كموضوع مهمش في إيران ما بعد الثورة

الثلاثاء 13 يوليو 202110:52 ص

لم تتوافر لها المعرفة أو القدرة للوصول إلى المعلومات، لتعرف مَن هي، ولتقرر ما الذي تريد أن تفعله في إيران ما بعد الثورة. عاشت 12 عاماً متنقلة بين عدد من البلدان، للتعلم وخوض غمار تجارب جديدة، ولتتعرف أكثر على مفاهيم الجندر، والجنسانية، والفن، والتشكيل، والعرض، والتصوير، ولترسم لنفسها أسلوباً فنياً مميزاً يحاكي القضايا التي تهمها، وتدافع عنها.

تركز أعمال الفنانة الإيرانية المتعددة التخصصات مارال بولوري (38 عاماً)، والتي تفضّل التعريف بنفسها كشخص "غير ثنائي النوع الاجتماعي" بشكل أساسي، على البحث في مجالات النوع الاجتماعي، والهوية، والذاتية الحديثة، مع اهتمام بالقضايا المهمشة في عالم اليوم.

"قراءاتي هي التي تلهم مشاريعي الفنية، وتطورها، ومن ثم فإن مجال التركيز الرئيسي في إبداعاتي هو المحتوى، والمعلومات التي يحتوي عليها، ومن ثم يُحدَّد شكل الإنتاج ليكون العمل تركيباً، أو تصويراً، أو عرضاً، أو رسماً"، تقول لرصيف22.

همّ ما بعد الثورة

تعرّف بولوري بنفسها عبر موقعها الإلكتروني باستخدام ضمير "هم"، بالطريقة التالية: "يعكس عملهم تجربتهم كموضوع مهمش في إيران ما بعد الثورة". وتوضح: "تم اختيار كل كلمة في هذه الجملة بعناية. ‘هم’، لأنني أعرّف بنفسي على أنني شخص غير متوافق الجندر. و‘إيران ما بعد الثورة’، لأن الثورة الإيرانية هزت المجتمع الإيراني، وغيّرته بطرق عنيفة لا يمكن تصورها. فهناك تناقض كبير بين تجارب أجيال ما قبل الثورة، وأجيال ما بعد الثورة في إيران".

لذا، تتابع، "فإن تجربتي كطفل كويري نشأ في إيران، تشكلت جزئياً من خلال محاولة فهم الانقسام المتمثل في الولادة في أسرة علمانية يسارية، ومحاولة الاندماج في مجتمع سريع التغير، ويتطور من خلال إعادة إنتاج الخوف، والعنف، والقمع، باستخدام الخطاب الديني، والخطاب القومي الذي يدعمه".

تقول بولوري إنها تستطيع وصف نموها المعرفي والنفسي والشعوري اليوم، بأنه بدأ، وقبل كل شيء، "من تجربتي مع الآخر، وعدم الانتماء، والاضطرار إلى البقاء على قيد الحياة في ظل نظام عنيف أُنشئ لإنكار أمثالي وقمعهم، فالنساء ومجتمع الميم-عين لا يتمتعان بالشرعية السياسية للوجود في إيران". وتضيف: "في وقت سابق، لم أكن أمتلك السلطة، أو أي أداة منطقية، للتعريف بنفسي ومكاني".

وعن نفسها، تقول: "أنا محظوظة لأنني أتحدر من عائلة تقدمية ساعدتني في الوصول إلى أشياء معيّنة كانت محدودة للغاية ومقموعة في إيران بعد الثورة، على الأقل لعقد من الزمن، بما في ذلك الكتب، والفنون، والموسيقى".

وجود الآخر في إيران

تشير بولوري إلى أن الكتب تخضع في إيران ما بعد الثورة لرقابة شديدة، وهذا ما سبّب فجوة في الخطاب، "فلا يمكننا الاعتراف، أو حتى الحديث عن المثلية الجنسية على سبيل المثال، عندما لا يتم نشر أي من الكتب في النظرية الكويرية في إيران"، وترى أن ذلك كله ساهم في استغراقها وقتاً طويلاً بعد مغادرتها إيران لإدراك الحرمان الثقافي الذي كانت تعيشه فيها، مؤكدة أن مساحة الخطاب المتاحة لمجتمع الميم-عين، والآخرين، محدودة للغاية في اللغة الفارسية.

"تجربتي كطفل كويري نشأ في إيران تشكلت جزئياً من خلال محاولة فهم الانقسام المتمثل في الولادة في أسرة علمانية يسارية، ومحاولة الاندماج في مجتمع سريع التغير، ويتطور من خلال إعادة إنتاج الخوف والعنف والقمع، باستخدام الخطاب الديني والخطاب القومي الذي يدعمه"

ولهذا التقييد اللغوي برأيها علاقة كبيرة "بعدم الاعتراف بوجود الأشخاص الكويريين كموضوعات سياسية، إذ لم يُعطوا مساحة للوجود والتمثيل في مجتمع يتماشى مع الخطاب المهيمن والإجباري للسيطرة الذكورية، والغيرية الجنسية".

وتتحدث الفنانة الشابة عن "إمكانية تمكن اللغة من تمثيل موضوعاتها، إذ يُعَدّ مجتمع الميم-عين في إيران من غير البشر، إذ يُنظر إليهم إما على أنهم مرضى، أو على أنهم قذرون ومخطئون، وعليه فإن التمثيل الوحيد لهذا المجتمع هو في المصطلحات المهينة".

أعمال بولوري

تعمل بولوري الحاصلة على درجة الماجستير في الفن المعاصر الدولي وممارسات التصميم من جامعة ليمكوكوينغ للتكنولوجيا الإبداعية، في كوالالمبور، على موضوعات مثل النوع الاجتماعي، والاستعمار، وما بعد الاستعمار، والأمومة، وحقوق الإنسان، وغيرها.

وعن العلاقة بين هذه الموضوعات، تقول: "كفرد يركز على النوع الاجتماعي، والهوية، والذاتية، سيكون من المستحيل بالنسبة إليّ معالجة مثل هذه القضايا من دون النظر في التاريخ الاستعماري، بالإضافة إلى موضوع اقتصاد الهيمنة المتداخل في هذه الأمور كلها، والذي استُخدم كإطار لاستعباد أولئك الذين أزعج جسدهم أو وجودهم الخطاب المهيمن، ولإساءة معاملتهم، واستغلالهم، ومعاقبتهم، وتصنيفهم على أنهم مجموعات مهمشة، ولا يتمتعون بحقوق متساوية".

"يُعَدّ مجتمع الميم-عين في إيران من غير البشر، إذ يُنظر إليهم إما على أنهم مرضى، أو على أنهم قذرون ومخطئون، وعليه فإن التمثيل الوحيد لهذا المجتمع هو في المصطلحات المهينة"

وتشرح: "يُحرَمون من حقوقهم ومن ذاتيتهم وقدراتهم، وفرصهم معرضة للخطر. فهم أشخاص لكنهم لا يعامَلون على هذا الأساس، قانونياً وسياسياً واجتماعياً، وتضاف إليهم أجساد النساء، والأجساد المصنفة من عرق معين، والمعوقون. فكل من صُنّف جسده على أنه مفهوم، ومنطقي، ومقبول، كان ولا يزال خاضعاً للهيمنة الاقتصادية".

وتوضح أنها ركزت في عملها على مسائل النسب، وجاء ذلك من حاجتها إلى معالجة "اختلافي"، و"غرابتي"، فـ"سياسات الهوية في عالم الفن هي استمرار لنظام ما بعد الاستعمار العنيف الذي نعيش فيه".

تضرب مثالاً على ذلك: "بصفتي فنانة شابة في إيران، قيل لي إن عملي ليس إيرانياً بدرجة كافية، ما يعني: ‘لماذا لا نستطيع تصنيفك فوراً من خلال النظر إلى عملك؟’، ويشمل عدم القدرة على التصنيف عدم القدرة على تحديد جوانب من هويتي مثل النوع الاجتماعي والجنسانية وما إلى ذلك".

وتذكر أنه "في ماليزيا، كان الخطاب هو ‘لماذا لا تحكين عن جذورك الإيرانية؟’. لاحقاً في كينيا، بصفتي فنانة إيرانية تعمل في إفريقيا، كان يُنظر إليّ على أنني شخص غريب، وغير مؤهلة لاستخدام المنصة، أو الموارد الإفريقية لتعزيز مسيرتي الفنية، وعُوملت على هذا الأساس على الرغم من أن عملي، في سياقه، مستلهَم من تجربتي في كينيا. وعندما فزت بجائزة أتيلييه أبسا (أحد أبرز المنافسات الفنية في إفريقيا) في عام 2017، حصل ذلك، في رأيي، لأن عملية التحكيم كانت مجهولة المصدر، فحسب. ومن المضحك أنه أثناء التحضير لحفل توزيع الجوائز، لم يفصحوا عن أصلي الإيراني، وقُدّمتُ بصفتي فنانة كينية".

وتوضح: "هذا يعني أن ممارستي صالحة طالما أنها تتوافق مع إطار العمل المبني مسبقاً على ارتباط بهويتي. اليوم، الأمر نفسه يحدث معي في فرنسا، إذ يُتوقع مني أن أقدّم نفسي بصفتي امرأة إيرانية، ومن خلفية شرق أوسطية مضطهَدة، وأن أهتم بالموضوعات المخصصة للفنانين ذوي الخلفيات المهمشة. باختصار لا يُسمح لهويتي المضطهَدة بأن تمثلني بشكل خاص، مما يجعل وجودي، وممارستي، تعدياً، وفي بعض الأحيان إساءة للبرجوازيين البيض، أو النخبة".

"في فرنسا، يُتوقع مني أن أقدّم نفسي بصفتي امرأة إيرانية، ومن خلفية شرق أوسطية مضطهَدة، وأن أهتم بالموضوعات المخصصة للفنانين ذوي الخلفيات المهمشة... مما يجعل وجودي، وممارستي إساءة للبرجوازيين البيض، أو النخبة"

تعتمد بولوري في تحليلها على فلسفة المنظّر الثقافي سلافوي جيجيك الذي قال: "تتمتع الذات العالمية بامتياز رفض الهوية، في حين يتم الضغط باستمرار على الأشخاص المهمشين تاريخياً، وتشجيعهم على سرد أنفسهم، وإعادة إنتاج أنفسهم منطلقين من أصولهم، وهوياتهم، ونوعهم الاجتماعي، ووضعهم السياسي. هذه هي الطريقة التي تعمل بها الهيمنة، إذ لا تسمح لك بالتجرؤ على طرح هذا الموضوع مع الذات العالمية، (الذكر المغاير الأبيض كمثال)، لأنه من وجهة النظر المهيمنة هذه الفئات غير موجودة".

لبولوري عمل معروض في مقر البنك الدولي في واشنطن، وهو الجزء الثالث من مشروع بعنوان "المصير"، أكملته في كينيا، ويتساءل عن الصور النمطية القائمة على النوع الاجتماعي عبر الثقافات، ويجمع أفراداً من مختلف البلدان والخلفيات الثقافية، للمناقشة والمشاركة في إنتاج العلامات الجندرية.

هذا العمل هو فيديو من جزأين، يتناول الجزء الأول عملية التنشئة الاجتماعية التي يتم من خلالها تعليم الناس قبول الأدوار، والوظائف المقبولة اجتماعياً، بينما يصور الجزء الثاني عملية استيعاب الأعراف الاجتماعية من قِبل الأفراد، ويلعب كل مشارك دوراً نشطاً في إخضاع الآخرين.



لا-أمومة

أحد المشاريع الفنية لبولوري هو مشروع "لا-أمومة" Un-mothering الذي تحاول من خلاله تفسير علاقة المرأة وجسدها بالأمومة، وتبيان الرابط الذي خلقه المجتمع، والتركيبة المجتمعية، والأدوار المجتمعية لجسد المرأة، بأنها بالضرورة أم.

تقول عن ذلك: "ظللت مهتمة لفترة طويلة بمحاولة فهم السياق الذي يجمع بين عدم العودة إلى الوطن، والأمومة، كما أنني مهتمة بالبحث عن الطرق التي يتم بها تعليم النساء، أو التوقع منهن أن يكنّ أمهات، وتأثير هذه التوقعات على حقوق المرأة الأسرية والاجتماعية في نظام ثنائي-أبوي، لذلك قمت بمراجعة أدبيات فلسفية، وفي مجال التحليل النفسي، حول هذا الموضوع، في الوقت الذي كنت أعمل فيه على الوصول إلى فصل صحي بيني وبين الأمومة مع طبيبي النفسي".

وتضيف: "في ذلك الوقت بالذات، عثرت على أرشيفات صور عائلية، ذكّرتني بأرشيف صور عائلتي، في سوق للسلع الرخيصة والمستعملة في باريس، ومنها استلهمت المشروع الفني ‘لا-أمومة’، في محاولة لإلغاء الأم في داخلي، بمفهومها الأكثر إيجابية، فاشتريت الدفعة الأولى من الصور لنساء وأطفال حصراً، وبدأت باستخدامها خلفيةً للتعبير عن الـ‘لا-أمومة’، من أجل التعبير عن غير المصرّح به في هذا الفضاء، وبناء خيال مختلف حوله".

ليس لدى بولوري الكثير من الأحلام إلا في مجال إنجاز أعمال ومشاريع فنية معينة: "أريد أن أطور مسيرتي المهنية في فرنسا، وعلى مستوى العالم. لست متفائلةً في شأن المستقبل، لهذا السبب أجد صعوبة في الحلم مع المناخ السياسي الحالي، وقراراتنا بشأن التحكم في تغير المناخ. أتساءل عن المساحة المتبقية للأحلام".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard