"سيؤثر على تخرجنا"... طلاب يمنيون يتحدثون عن قرار الحوثيين منع الاختلاط في الجامعات

الأحد 28 فبراير 202103:37 م

استطاعت جماعة الحوثي، وهي السلطة الحاكمة في صنعاء، فرض قرارها بمنع الاختلاط في الجامعات والمعاهد اليمنية، وسط امتعاض كبير من الطلاب. وسرى القرار المتخذ في أغسطس/آب الفائت في جامعة صنعاء، وهي الجامعة الحكومية الوحيدة بالعاصمة اليمنية، على الرغم من استياء الطلاب ومحاولة مقاومة الأمر بطرق شتى.

وهذه ليست المرة الأولى التي يثير فيها الحوثيون مشاعر السخط بمثل هذه التعميمات البعيدة عن تقاليد المجتمع اليمني، إذ شهدت فترة سبعينيات القرن الماضي انفتاحاً كبيراً في مجال التعليم باليمن، فكانت الفتيات يتلقين تعليمهن مع أقرانهن الفتيان دون حواجز أو حتى غطاء رأس.

تحدث عدد من الطلاب مع رصيف22 عن تأثير هذا القرار خاصة في مرحلة التخرج، التي يعتقدون بأنها من أكثر المراحل تأثراً بشكل سلبي.


اعتداء وضرب

الطالب بكلية الإعلام شوقي نعمان، تعرّض للضرب والاعتداء اللفظي بالشتم والسب والاتهام بالكفر والزندقة، من قبل أمين عام كليته، وذلك في باحة الكلية، أثناء مناداته لزميلاته للقدوم للقاعة حيث يستعدون لمناقشة مشروع تخرجهم.

أثار الحوثيون السخط بقرارهم منع الاختلاط في الجامعات والمعاهد اليمنية.

تفاجأ الطالب بعد احتجاجه على ذلك الأسلوب بما قام به أمين الكلية، الذي استدعى مسؤول الأمن ليستجوب الطالبات وشوقي، متهماً إياهم "بالكفر والزندقة"، وموجهاً له عدة ضربات على وجهه. همّ شوقي بمغادرة الكلية قبل انتهاء مناقشة مشروعه، وإذ بمسلحين يبحثون عنه، فأخبرهم أصدقاؤه بأنه غادر حتى يتمكنوا من حمايته وتأمين خروج آمن له من الكلية.

هكذا إذن طُبق القرار.


"ظننتها مزحة في بادئ الأمر!"

يقول خريج الإعلام عصام القدسي، لرصيف22: "قرار منع الاختلاط في مشاريع التخرج والاحتفالات بدأ العام الماضي، لكن لم ينجحوا في تطبيقه بسبب تفشي فيروس كورونا وانقطاع فترة الدراسة، وأنا شخصياً كنت ضمن مجموعة فتيات وقدمنا مشروع تخرجنا رغم رفضهم، أما هذا العام فقد استطاعوا تنفيذ المنع".

وترى نورا رجاء، وهي طالبة في السنة الرابعة إعلام، أن قرار المنع غير منطقي، وتضيف في حديثها: "القرار ناتج عن خلل في النظر لمقتضيات الحياة العملية والعلمية، ولا يعبر إلا عن نظرة سطحية نحو مساوئ الاختلاط، بغض النظر عن الإيجابيات والضرورات التي تقتضي الاختلاط دون الإخلال بالمبادئ والقيم الدينية".

تخشى نورا من مواد قادمة، كمشروع التخرج: "التعاون بين الطلاب والطالبات مطلوب ومرغوب في مواد مثل مشروع التخرج، ويسهل الكثير من الإجراءات والمعاملات، فضلاً عن الخبرة التي يكتسبها كل طرف من الآخر، والتكامل في جوانب المشروع إذا اقتضى الأمر ذلك".

وتضيف عن امتعاضها من القرار: "ظننتها مزحة في بادئ الأمر! لم أتوقع أن يحدث شيء كهذا في هذا القرن. وما إن بدأت القرارات تتوالى، حتى أدركت أن ثمة خطأ ما، وأننا في واقع وبلد وفي ظل حكومة يمكن أن نتوقع منها أي شيء!". وتشير نورا إلى أن الاعتراض على القرار اقتصر على منشورات ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتعليقات العابرة هنا وهناك: "ذلك أننا صرنا نأخذ تلك القرارات باعتبارها مسلّمات، في ظل غياب حرية التعبير والاعتراض وإبداء رأي آخر"، حسب تعبيرها.

وتقول الطالبة بكلية التجارة، هاجر سعيد: "في القرن الواحد والعشرين صعب جداً أن يُفصل بين البنين والبنات. القرار يمنع تبادل المعلومات داخل الجامعة فقط، أي أننا لا نستطيع الاستفسار عن معلومة من الزملاء أو التعاون بأي شيء هنا في الجامعة، وإذا أردنا التواصل مع الزملاء علينا القيام بذلك خارج الحرم الجامعي".


"علينا التجهيز لحفل تخرجنا لوحدنا"

تقول سمية ياسين، وهي طالبة في السنة الرابعة بكلية الشريعة والقانون: "المؤسف أن القرار اتخذه طالب! الأشخاص في ملتقى الطالب الجامعي هم طلاب مثلنا، ويتخذون قرارات نابعة من خلفياتهم الفكرية والإيديولوجية، وتصبح نافذة على رئاسة الجامعة وعمادة الكلية".

وتتحدث سمية أثناء لقاء مع رصيف22 عن المشكلة التي واجهتهم أثناء الإعداد لحفل التخرج: "إذ يجب على الشابات الاحتفال بمعزل عن الشباب، ويجب علينا نحن الفتيات تجهيز كل لوازم وترتيبات الاحتفال الخاص بنا. في السابق كانت المهام توزع بين الطلاب والطالبات فيما يخص الاستعدادات لحفل تخرج الدفعة، أما اليوم أصبح علينا نحن الفتيات تجهيز كل شيء بمفردنا، الأمر الذي ضاعف من مشقة الاستعداد لإقامة هذا الحفل المهم".

ظننتها مزحة في بادئ الأمر! لم أتوقع أن يحدث شيء كهذا في هذا القرن. وما إن بدأت القرارات تتوالى، حتى أدركت أن ثمة خطأ ما، وأننا في واقع وبلد وفي ظل حكومة يمكن أن نتوقع منها أي شيء!

عكس حركة التاريخ

"من الصعوبة بمكان فصل البنين عن البنات في مرحلة الدراسة الجامعية، وتأسيس جامعة للبنين وأخرى للبنات، على الأقل لاعتبارات تتعلق بالكلفة المادية، فاليمن غير قادر على توفير أبسط مقومات العملية التعليمية في وضعه الراهن"، هكذا يرى أستاذ الإعلام بجامعة قطر، الدكتور عبد الرحمن الشامي، موضحاً في حديثه لرصيف22: "إذا فكرنا بالفصل، فهذا يعني إنشاء جامعتين، واستنساخ كليات وأقسام، وما يترتب على ذلك من مضاعفة الإنفاق. هذه مقاربة تبدو مستحيلة حالياً".

ويرى الشامي -المقيم في قطر منذ العام 2014- القرار على أنه ردة عكس حركة التاريخ وتطورات الحياة، كما أنه يقع ضمن سلسلة الانتكاسات التي تعيشها البلاد في حياتها الاجتماعية والثقافية خلال السنوات الأخيرة، والتي تتم تحت مسمى الحفاظ على الهوية اليمنية، في حين أنها خطوات متسارعة نحو الوراء.

ويضيف: "المجتمع اليمني قطع شوطاً يعتدّ به في الحياة المدنية المعاصرة، حيث أصبح تواجد المرأة في مختلف مجالات الحياة، ومنها التعليم، أمراً ضرورياً. المناداة بفصل الإناث عن الذكور لا علاقة له بالفضيلة. هو مجرد هوس فكري لدى فئة معينة من المتحكمين بالمشهد الثقافي والاجتماعي والسياسي والتعليمي بحكم امتلاكهم للسلطة، ورؤية لتيار متخلف عن العصر، يفرض نفسه حارساً على المجتمع، يرى في المرأة كل الشرور ويختزل الفضيلة في كل ما من شأنه تهميشها عن الحياة العامة، تمهيداً لإقصائها الكلي وإعادتها إلى المنزل".

من الصعوبة بمكان فصل البنين عن البنات في مرحلة الدراسة الجامعية، وتأسيس جامعة للبنين وأخرى للبنات، على الأقل لاعتبارات تتعلق بالكلفة المادية، فاليمن غير قادر على توفير أبسط مقومات العملية التعليمية في وضعه الراهن

ويشير إلى أن تربية الأبناء والبنات على الأخلاق الحميدة والفضائل الحسنة مسؤولية أسرهم، وليست مهمة السلطة بأي حال من الأحوال. مضيفاً بأن الثقافة القائمة على الفصل بين الذكور والإناث في التعليم والحياة العامة، تنال من تكوين الشخصية، ونشأة الأولاد والبنات معاً تتيح للجنسين تكوين شخصية واثقة من نفسها، وقادرة على تحمل المسؤولية والتعامل مع الجنس الآخر من منطلق الندية في الحياة العامة، وأداء المهام المجتمعية، بعيداً عن الرؤية التي تختزل الجنسين في الوظيفة البيولوجية.


أسوأ مرحلة

بدوره، يرجح محمد صادق العديني، وهو رئيس مركز التأهيل وحماية الحريات الصحفية في صنعاء، بأن مثل هذه القرارات لن تكون الأخيرة: "لا أستغرب من أي قرار شاذ بمبررات غير منطقية، ولا شك بأن العملية الأكاديمية ستتراجع، وسيتراجع التعليم ليصبح مصبوغاً باللون والتوجه الذي تسعى جماعة الحوثي إلى تكريسه بما يخدم استمرارها وديمومتها".

ويضيف في حديثه لرصيف22: "التعليم مثل بقية مجالات الحياة التي دمرت وتتواصل إجراءات وسياسات التدمير بحقها. لكم أن تأخذوا الإعلام أيضاً كنموذج، حيث لم يعد هناك سوى صوت وخطاب واحد، بعد أن تم إنهاء التعددية وحرية الرأي والتعبير المخالف. اليمن يعيش أسوأ مرحلة على الإطلاق، وستدفع الأجيال القادمة الثمن الباهظ".


على المجتمع أن يقاوم

ينظر الصحفي والباحث في مجال الثقافة والإعلام فراس شمسان إلى أن تنفيذ قرار منع الاختلاط في المعاهد والجامعات يُعد بمثابة خنوع المجتمع للسلطة الحاكمة، ونجاحها في فرض سيطرتها على عقول وأدمغة الناس، الأمر الذي من شأنه القضاء على جيل كامل.

لم يعد هناك سوى صوت وخطاب واحد، بعد أن تم إنهاء التعددية وحرية الرأي والتعبير المخالف.

يقول شمسان في لقاء مع رصيف22: "هذا القرار يُعيد التعليم في اليمن إلى نقطة الصفر، حيث بدأ التعليم بشكل مختلط في المدارس، والعلاقة ما بين البنين والفتيات بنيت على أسس ودية طيبة. تنفيذ القرار هو محاوله لفرض رأي السلطة الحاكمة على المجتمع، من أجل السيطرة على عقول الطلاب والطالبات، وتحويل أدمغتهم إلى ثكنات من التطرف".

ويضيف بأن القرار يهدف للتضييق على المرأة في الحصول على فرصتها في التعليم، ما يتيح إدخال المناهج المتطرفة والتأثير على المجتمع. "جماعة الحوثي ترغب في تفكيك المجتمع إلى مقاتلين على الجبهات ونساء ينتجن مقاتلين"، وفق حديثه.

ويرى شمسان بأن الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً فشلت في مواجهة الفكر المتطرف الذي يسعى للسيطرة على عقول المجتمع، فهي لا تقدم أي منتجات فكرية ثقافية مقابلة. ويختتم حديثه بالقول: "أتمنى أن يواجه الطلاب القرار بالرفض، كون عملية الفصل ستليها عملية تغيير المناهج وإضافة الأفكار المتطرفة، ما يعني خسارة اليمن لجيل كامل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard