"كنّا نتسابق على تنفّس الأكسجين والحرية"... شباب الثورة اليمنية يقيّمون الماضي والحاضر

الخميس 11 فبراير 202106:11 م

عقدٌ كامل مرّ على خروج مجموعات كبيرة من الشباب اليمنيين إلى ساحات الاعتصامات في محافظات يمنية عدّة، في 11 شباط/ فبراير 2011، مطالبين برحيل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح عن الحكم، بعد 33 عاماً من ترؤسه للبلاد.

الآن، بعد عشر سنوات من تلك المرحلة الحالمة، يرفض كثيرون من شباب الساحات الحديث عن ذكرياتهم. أحدهم قال إنه يشعر بالخذلان بعد ضياع أهداف الثورة وسقوط مبادئها، وآخر قال إن مزاجه سيئ ويتجنب الحديث عن الثورة لأنها تحوّلت إلى مجرّد ذكرى للاستعراض والمفاخرة وإذا حكى عنها سيدخل في حالة اكتئاب، وثالث أفاد بأنه يتجنب الحديث عنها بسبب الانتقادات التي يتلقاها من والده الذي يحمّله، هو ورفاقه، المسؤولية عن الحال الذي وصلت إليه البلاد الآن.

الأمل مستمر

يتذكّر هيكل العريقي لحظة سقوط نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي. توجّه حينذاك مع عشرات الشباب إلى السفارة التونسية في صنعاء في مسيرة راجلة. وبعد تنحّي الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، في 11 شباط/ فبراير، سار الثوار اليمنيون إلى السفارة المصرية و"هتفنا وردّدنا الشعب يريد إسقاط النظام" لتنطلق الثورة بزخم جديد. بدأت الاعتصامات في ساحة التغيير في جامعة صنعاء، "بإمكانيات بسيطة وبدون أي دعم وكنّا نجمع من بعضنا مبالغ بسيطة لطباعة الشعارات".

الآن، كثيرون من الثوار غادروا إلى خارج الوطن نتيجة للانقلاب الحوثي، يقول العريقي لرصيف22، أما عن نفسه، فيؤكد أنه لا يزال مؤمناً بأهداف الثورة التي "لم يتحقق منها إلا جزء يسير جداً".

"الأمل لا يزال موجودا والثورة لا تزال في مهدها والسنوات العشر التي مرّت هي فترة قصيرة وما يعيشه اليمن هو مخاض عنيف لا يمكن تقييم الثورة على أساسه، وما نقوم به من مقاومة لمشروع الحوثيين هو جزء من أهدافنا الثورية"، يقول.

ويضيف أن بعض شباب الثورة وخصوصاً مَن سمحت لهم الفرصة بالوصول إلى السلطة وعُيّنوا في حكومات الرئيس عبد ربّه منصور هادي "عكسوا صورة سلبية عن شباب الثورة، فقد مارسوا الفساد الذي لا يمثلنا وأساؤوا إلى مَن خرج إلى الساحات حتى مَن هم في حكومة الحوثيين".

ويصف العريقي وضع شباب الثورة بقوله: "واقعنا للأسف مرير وتحوّل إلى مجرد ذكرى يحتفل بها الثوار فقط. الثورة لم تأتِ أكلها بشكل كامل بسبب التقلبات التي شهدتها اليمن كالانقلاب الحوثي والمصالحات السياسية التي ألغت الثورة وشبابها"، مضيفاً: "هي ثورة نقية تآمر عليها الجميع بمَن فيهم أطراف سياسية كانت جزءاً منها".

شتات وضياع

معظم شباب الثورة كانوا بلا وظائف، وبعضهم كانت لديهم وظائف حكومية برواتب متدنية، وآخرون كانوا يعملون في القطاع الخاص برواتب متدنية أيضاً. هكذا يصف أحمد شوقي، وهو من أبزر شباب الثورة في ساحة الحرية في مدينة تعز، المشاركين.

بعد الثورة، يقول لرصيف22، "لم يتغير حال الكثيرين من زملائنا المناضلين، خصوصاً المستقلين. لم تتحسن أحوالهم المعيشية، ولم يحظوا بالتوظيف لدى الدولة أو حتى في القطاع الخاص، وما زلت ألتقي بكثيرين منهم في الشوارع، وكثيرون منهم نسيت أسماءهم ولكنّي أحفظ وجوههم، بعضهم يعملون ندلاء في مقاهٍ، وبعضهم يعملون في بيع القات وبعضهم تمكنوا من الحصول على دراجة نارية أو باص للعمل سائقي أجرة، وآخرون التحقوا بالجبهات وقُتلوا خلال الحرب، وواحد يعمل مرافقاً شخصياً لأحد المدراء، وكثيرون أيضاً ما زالوا يقاسون الجوع والفقر في بيوتهم، ولا يعرف أحد عنهم شيئاً".

"مناصرو التجمع اليمني للإصلاح كانوا بدلاً من التفكير في أهداف الثورة يحاربون الاختلاط، وكانت الإساءات كثيرة للنساء في الساحة، وبعد ذلك قاموا بوضع سياج حول المكان الذي تجلس فيه النساء ووضعوا ألواحاً خشبية جعلتنا نشعر كأننا في صندوق"

لم يستطع شوقي إكمال دراسته الجماعية إلى اليوم، لأسباب كثيرة، أبرزها الوضع المعيشي. "بالنسبة إلى ثورة فبراير التي طمحنا لأن تعطينا حقوقنا وتنصفنا من التهميش والظلم والإقصاء والفقر والتجهيل والإهمال والعنجهية والطائفية والإذلال، فإن مآلاتها لم تكن بأي حال ما أردناه لها منذ البداية"، يقول لرصيف22.

مسار الانحدار لم يأتِ بعد سنوات فبذوره كانت موجودة منذ البدايات، برأيه. "اتضح لي منذ الأسابيع الأولى أن ثورة فبراير تسير في غير مسارها الأخلاقي والوطني الذي أراده الناس. كان الأمر مباغتاً لنا وكان الوقت ضيقاً. نزلنا إلى الساحات بخبراتنا المحدودة وآمالنا الجامعة ونقائنا الساذج، بينما نزل الآخرون (ويقصد بعض القوى السياسية خاصة التجمّع اليمني للإصلاح) بمكبرات الصوت وبميليشياتهم وإعلامهم وأموال نهبوها باسم الثورة، نزلوا بخطابات جاهزة سلفاً، وبتعبئة عدوانية تدرّبوا بل نشأوا وترعرعوا عليها، نزلوا بدعايتهم السوداء ومهاراتهم الاستخبارية القذرة، بخبرات واسعة في عمليات الاغتيال المعنوي وتشويه السمعة، بشبكتهم المؤذية من قاطعي الأرزاق ومغتصبي الحقوق... بينما نحن ولسذاجتنا نزلنا نناقش الناس ونسألهم عما يريدونه".

نتيجة لذلك، "قرروا هم باسم الناس ما عليهم فعله"، مذكّراً بما قاله غوستاف لوبون، في مؤلفه "سيكولوجيا الجماهير"، من أن الجماهير لا تصغي إلا للأعلى صوتاً والأكثر تطرفاً.

الثورة باقية...

فاطمة الأغبري كانت من الفتيات المشاركات في الثورة منذ انطلاقها. تقول لرصيف22 إنه "لا يجوز تحميل شباب الثورة المسؤولية عن الأوضاع التي وصلت إليها البلاد، فقد سُرقت أحلامنا بوطن يتسع للجميع".

كانت الأغبري أول شابة تصعد على منصة ساحة التغيير في صنعاء. تتذكّر أن هناك مَن لم ترق له فكرة أن تقف امرأة على المنصة خصوصاً أنصار حزب التجمع اليمني للإصلاح، وهو تنظيم إخواني سيطر على المنصة، وتتذكّر كيف كانت تصدح أغاني ثورية للفنانة اللبنانية جوليا بطرس "إلا أن شباب الإصلاح صرخوا وقالوا إنهم يريدون (المنشد) محمد الأضرعي".

"برغم كل ما يحدث إلا أن الشعوب المضطهدة لا يمكن لأحد أن يسلب حريتها، ومهما فعلوا ستظل أحلام البسطاء والصدور العارية تلوح في مخيلتي وستظل شمعة الحادي عشر من فبراير تضيء لنا الطريق"

تشير الأغبري إلى أنه بعد انضمام علي محسن الأحمر للحركة الاحتجاجية، تغيّرت الشعارات في الساحة وبدأ المال السياسي "يلعب في الساحة"، و"كنّا إذا خرجنا بمسيرات مستقلة عن مسيرتهم (التجمع اليمني للإصلاح) يتهمونا بأننا مندسون ويحرّضون ضدنا، وكان لا صوت يعلو فوق صوتهم، وكنّا نرى انتهاكات كثيرة من قبل اللجنة الأمنية التي كان يتحكم فيها شخص منهم، وكثيرون منهم كانوا بدلاً من التفكير في أهداف الثورة يحاربون الاختلاط، وكانت الإساءات كثيرة للنساء في الساحة، وبعد ذلك قاموا بوضع سياج حول المكان الذي تجلس فيه النساء ووضعوا ألواحاً خشبية جعلتنا نشعر كأننا في صندوق".

اختراق الشباب

"تعرّضت الثورة لانتكاسة من البداية ونجحت الثورة المضادة وجرّت البلد إلى حرب أهلية انعكست على أوضاع شباب الثورة"، يقول ميزار الجنيد لرصيف22، ويضيف أن شباب الثورة مُزّقوا ووُزّعوا على القوى السياسية واستُثمروا استثماراً غير نظيف".

هذا الوضع بدأ منذ بدايات الثورة، برأيه. "المنصة في الساحة لم تحمل شعاراتنا نحن الشباب الذين بدأنا بالثورة. مُنعنا من الصعود إليها. كنّا في البداية بضع مئات نعرف بعضنا البعض ولم يكن هناك قرار منّا بالاعتصام، وكنت أرفض أن أكون في اللجنة التنظيمية التي شُكّلت لاحقاً حتى تسيطر الأحزاب على الثورة وتحرف أهدافها لأننا كنّا نريد منها أن تشارك في الثورة لا أن تسيطر عليها، إلا أنها شُكّلت وكانت تقرر كل شيء بما فيه أسماء أيام الجمعة ومسار المظاهرات وشعارات الثورة".

اللجنة التنظيمية التي أنشأها شباب الأحزاب، وفي مقدمتهم شباب حزب الإصلاح، "لم تعبّر عن الثورة بعقلية الثوار الحقيقيين"، يعتبر الجنيد، ويضيف: "بعد ذلك تصاعدت الأحداث وتدخلت السعودية وطرحت المبادرة الخليجية. وقتها ذهب اللقاء المشترك للتوقيع على المبادرة الخليجية دون أن يشاور أحداً أو يجري حوارات داخلية في الساحة، ومثّل الثورة، لتتحول إلى أزمة سياسية".

حلم الثورة مستمر

خرج إبراهيم الغزالي إلى ساحة الحرية في تعز منذ انطلاقة الحركة الاحتجاجية حتى رفع الخيام. يقول لرصيف22: "خرجنا مع الحرية والكرامة لكنّنا واجهنا طرقاً ملتوية أدّت بنا إلى هاوية سحيقة"، ويضيف: "لم تعد خريطة السلم التي رسمناها واضحة المعالم، بل تحولت بأيادي عابثه داخلية وخارجية إلى خريطة من الدم ومن زهق الأرواح والأنفس. للأسف أقولها وبكل صراحة: ليس هذا ما خرجنا من أجله".

رغم ذلك، يعتبر أنه "برغم كل ما يحدث إلا أن الشعوب المضطهدة لا يمكن لأحد أن يسلب حريتها، ومهما فعلوا ستظل أحلام البسطاء والصدور العارية تلوح في مخيلتي وستظل شمعة الحادي عشر من فبراير تضيء لنا الطريق حتى وإنْ خفتت شعلتها وهزّتها الرياح، فالأماني والأحلام لا تنقطع مهما سعت قوى الظلام إلى سد ثغرة النور، والفجر يأتي بعد ظلام دامس".

"مع بداية انطلاق شرارات الربيع العربي في تونس ومصر"، يقول الغزالي، "رحنا كشعب مخنوق منذ يوم والدته نتسابق على تنفس الأكسجين والحرية حتى امتزجا، وأخذنا نفساً عميقاً واحداً رفضنا بعده أن نرضى بالعبودية والذل للأبد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard