"أراد إغاظة حبيبته السابقة بصورنا"... لماذا ننشر أسرارنا على مواقع التواصل؟

الثلاثاء 6 يوليو 202105:28 م

"البيوت أسرار"... حكمة قديمة قالها أجدادنا، ولم تعد لها قيمة كبيرة لدى عدد من مدمني مواقع التواصل الذين فتحوا خزائن أسرارهم للغرباء، للاطلاع على تفاصيل خاصة كانت قبل ذلك غير قابلة للسرد، أو النشر، تحت أي ظرف.

ومع هذه الظاهرة الاجتماعية التي فرضتها تلك المواقع في السنوات الأخيرة، ينبغي أن نسأل: ما الذي يجعل هؤلاء الأشخاص ينشرون أدق تفاصيل حياتهم على الملأ؟ وما مدى تأثير ذلك كله عليهم، وعلى عائلاتهم، وأولادهم؟


أداة للمكايدة

ما حدث مع الطبيبة يارا سيد (31 عاماً) بسبب مواقع التواصل لم يكن متوقعاً مثلما حكت لرصيف22: "منذ عام تقدّم لخطبتي مهندس وافقت عليه بعد جلستَي تعارف، وكانت عائلتي سعيدة به. بعد الخطوبة اكتشفت أنه مهووس بالسوشيال ميديا، وكان ذلك واضحاً في تصرفاته. بدأ بنشر صورنا على فيسبوك، وعندما كنت أعترض، كان يخبرني أنه يحب إظهار سعادته وحبه أمام الناس، لكن الأمر زاد عن حده عندما بدأ بنشر صورنا ونحن نأكل، أو صور أيدينا وهي متشابكة، وعليها تعليقات رومانسية جداً".

ما الذي يجعل البعض ينشرون أدق تفاصيل حياتهم على الملأ؟ وما مدى تأثير ذلك كله عليهم، وعلى عائلاتهم، وأولادهم؟

يارا المقيمة في المنصورة أكملت حديثها قائلة: "رومانسيته كانت ظاهرة على فيسبوك أكثر مما كانت ظاهرة معي. لم أكن مرتاحة إلى ما يفعله، وعندما واجهه والدي، غضب كثيراً، وقال إن الأمر شخصي. ومرة سألته هل سيستمر في السلوك ذاته بعد زواجنا، فرفض أن يجيبني، ثم حدثت المفاجأة الكبيرة".

اكتشفت يارا أن لخطيبها حبيبة سابقة تركته بعد خلاف، وأنه تقدّم لخطبتها لإغاظة تلك الحبيبة فحسب: "كان ينشر صورنا معاً حتى يثير غيرتها، وبعد فترة تلقى اتصالاً منها، وعاد الود بينهما، ففسخ الخطوبة بيننا من دون أن يكلف نفسه عناء الاعتذار. مسحت صورنا كلها، وكانت تجربة سيئة جداً".

بشكل مشابه إلى حد ما، وجد المهندس محمود سليمان نفسه بعد شهور من الزواج يعاني من هوس زوجته بالسوشيال ميديا، على الرغم من أنه أخبرها أكثر من مرة عن عدم رغبته في نشر صورهما، ووصل الأمر بينهما إلى الطلاق بعد مدة قصيرة.

"في فترة الخطوبة كانت تنشر صورنا، ولم أعترض لأن الأمر لم يتعدَ الحدود الطبيعية، وكانت دائماً تطلب مني الابتسام، والقيام بحركات معينة، وكأنها كانت تضع مخططاً للصورة في عقلها"، يقول الرجل الثلاثيني المقيم في الجيزة لرصيف22، ويضيف أن الصدمة كانت بعد الزواج: "نشرت صورة لنا في الفراش ونحن نفطر، وعلى الرغم من أنها لم تُظهر أجسادنا، لكن المبدأ كان مرفوضاً بالنسبة إلي. دخلنا في نقاش، ورفضت حذفها، واستمرت في نشر الصور، ووضع قلوب تعبّر عن مدى فرحتها، على الرغم من أننا لم نكن سعداء حقاً. لم أعرف ماذا كانت تريد أن تقول ولمن، ونهاية الأمر كانت بخلاف كبير أفضى إلى الطلاق، حين نشرت صورة للسونار بعد أن اكتشفت بأنها حامل".


الوحدة والبحث عن الاهتمام

ترى أخصائية الصحة النفسية وعلاج الإدمان الدكتورة منال الدغار، أن سبب إقبال الأفراد على نشر أسرارهم على مواقع التواصل قد يكون الوحدة، وتضيف في حديثها لرصيف22: "هذه المواقع أصبحت بديلاً عن التواصل الحقيقي. مع وجود هاتف في كل يد، زادت الوحدة، وأصبح الأفراد يبحثون عن الاهتمام عن طريق اللايك والتعليق. من ينشر صوره، وصور أحبائه يقول: أنا هنا، أنا موجود، ويستهدف شد الاهتمام إليه. تختلف تلك الحاجة تبعاً لدرجة بُعد الشخص عن العلاقات الحقيقية، وحاجته للاحتماء بالشاشة، وقد تكون محاولة ليجعل الآخرين يرون كم هو رائع، أو ليثبت لشخص تركه أنه قد تجاوزه".

ويقول مدرب الإرشاد النفسي الأسري والتربوي الدكتور عنتر سليمان عن هذه الظاهرة لرصيف22: "إقبال الناس على نشر صورهم وخصوصياتهم على مواقع التواصل قد يكون له أكثر من سبب، منها الحصول على الاهتمام، والبعض يعاني من تقدير متدنٍ لذاته، وينشر أخباراً كاذبة تهدف إلى جذب الانتباه إليه، أو الشهرة والانتشار الواسع، أو توصيل رسالة معينة. فهذه المواقع أداة للتفريغ الانفعالي".

بعد زواجنا نشرتْ صورة لنا في الفراش ونحن نفطر، وعلى الرغم من أنها لم تُظهر أجسادنا، لكن المبدأ كان مرفوضاً بالنسبة إلي. استمرت في نشر الصور، ووضع قلوب تعبّر عن مدى فرحتها، على الرغم من أننا لم نكن سعداء حقاً. لم أعرف ماذا كانت تريد أن تقول ولمن


الأطفال يدخلون اللعبة

هوس مواقع التواصل لم يعد بعيداً عن الأطفال، فالأمهات والآباء أدخلوا أولادهم في اللعبة من دون الاهتمام بالنتائج، وتحول الأمر إلى ساحة تنافس بين أولياء الأمور؛ كل منهم يحاول إثبات أن ابنه، أو ابنته، الأفضل والأكثر تفوقاً وجمالاً وموهبة.

سامية صديق وهي ربة منزل من القاهرة شاركت تجربتها مع رصيف22 قائلةً: "مرض ابنتي هو الذي جعلني أرجع إلى صوابي، وأبتعد عما كنت أفعله. من دون أن أدري، دخلت في منافسة مع صديقة لي، وكان أولادنا الضحية، إذ كنت باستمرار أنشر صور ابنتي، وعمرها 12 عاماً، وهي في التمرين، أو بعد أن تحصل على ميدالية، أو حين تتفوق في الدراسة. كنت أنشر صورها طوال الوقت، وكانت صديقتي تفعل الأمر نفسه، وكنت أفرح حين تكون ابنتي هي المتفوقة".

لم تعرف سامية ذات الأعوام الأربعة والأربعين تأثير الأمر على ابنتها، ولا على مشاعرها، حتى اشترت لها ذات يوم فستاناً جديداً، وطلبت منها أن ترتديه كي تصورها: "قالت لي أنا أكره التصوير، وأكره هذا العالم. حينها أدركت خطورة ما فعلته بحياتنا، ولكني استمريت في هوسي حتى مرضتْ، ووقتها توقفت. لم يكن الأمر سهلاً في البداية، لكني مع الوقت اعتدت على الأمر، واعتذرت لابنتي، وملأت أوقاتنا باهتمامات أخرى".

قصة المدرّس الثلاثيني مصطفى جاد، والمقيم في كفر الشيخ، مختلفة قليلاً. يقول لرصيف22 إنه كان يشارك أصدقاءه على فيسبوك بعض قصصه ومشاكله المستمرة مع زوجته، ويطلب نصائحهم من دون أن يذكر أنها مواقف تخصه شخصياً، كما كان يدخل باسم مستعار إلى صفحات يطلب فيها النصيحة.

"لم أنتبه إلى أن ابني كان يراقب تصرفاتي، ويعرف ما أقوم به. ذات مرة حكى مشاكلنا الخاصة لأصدقائه في المدرسة، وعندما نبهته حول الأمر قال: أنت أيضاً تحكي لأصدقائك. فوجئت بعد ذلك بأن أصدقاءه كانوا يناقشونه في مشكلتي مع زوجتي، ويسخرون منه. وعندما سألته قال إنه سألهم النصيحة مثلما أفعل أنا على السوشيال ميديا، وكانت صدمة بالنسبة إلي. عرفت بأنني لم أراعِ أسرار بيتي، ولم أعلّم ابني أن للبيت خصوصية يجب أن تحترم"، يضيف شارحاً حكايته.

لم أعرف تأثير الأمر على ابنتي ولا على مشاعرها، حتى اشتريت لها ذات يوم فستاناً جديداً، وطلبت منها أن ترتديه كي أصورها. قالت لي أنا أكره التصوير، وأكره هذا العالم. حينها أدركت خطورة ما فعلته بحياتنا، ولكني استمريت في هوسي حتى مرضتْ، ووقتها توقفت

استشاري الصحة النفسية والعلاقات الأسرية عنتر سليمان تحدث عن تأثير الأمر على الأطفال: "تأتينا حالات لأطفال مدمنين على مواقع التواصل، وبعضهم ينشرون صوراً فيها قدر من التعري. ويشكو الكبار أيضاً من هذا الهوس لدى أطفالهم، وإن كان لهم دور كبير في ذلك. كما أن الأطفال في هذه السن يقلدون غيرهم من العمر نفسه، ولهذا تنتشر الظاهرة بسرعة".

الدغار تحدثت عن الأمر بدورها، قائلة إن "الطفل بطبيعة الحال يميل إلى تقليد أبويه أكثر من سماع كلامهم. فعندما يرى أفراد الأسرة جزراً منفصلة، يميل أكثر إلى الانعزال، ويرى أن مواقع التواصل أصبحت بديلاً عن العلاقات الحقيقية، فيجعله ذلك أكثر عرضة للألعاب المدمرة التي تدعو إلى العنف أو الانتحار، ويبحث عن الاهتمام الزائف بأي وسيلة".


دعم الغرباء

في بعض الحالات، قد تكون مواقع التواصل أداة فعالة لخلق روح من التعاون والتشجيع من قبل روادها، وهذا ما حدث مع الأكاديمية منال السعيد، التي شاركت رصيف22 حكايتها قائلةً: "أنا مصابة بالبهاق، وكنت أخشى من التواصل مع الآخرين، وأخجل من شكلي. ذات مرة تشجعت ونشرت صورة لي على حسابي الخاص، فجاءتني تعليقات إيجابية، وشجعني الجميع على نشر المزيد من الصور".

أضافت الشابة العشرينية المقيمة في الجيزة: "لم يقتصر الأمر على ذلك، بل تشاركت والناس مواقف سيئة واجهتها بسبب مرضي، وكان دعمهم لي كبيراً جداً، وشجعوني على التفاخر بمرضي، ومواجهة المجتمع. وبالفعل لم أعد أهتم بكلام الناس، ودخلت مجال العمل، وأصبح عندي عملي الخاص، فأنا أرسم، ودائماً أتفاعل مع أصدقائي على فيسبوك، ونتبادل الخبرات والتجارب".

في بعض الحالات، قد تكون مواقع التواصل أداة فعالة لخلق روح من التعاون والتشجيع.

بشكل مشابه أنقذت مواقع التواصل سلمى عبد التواب (45 عاماً)، حين كان الجميع ينتقدها، وشرحت ذلك لرصيف22 قائلةً: "منذ خمس سنوات، قررت أن أنفصل عن زوجي الذي كان يخونني، وكانت عائلتي تطالبني بأن أتغاضى عن تصرفاته لأجل أولادي. عندما قررت الطلاق قاطعوني، ومررت بلحظات يأس كدت خلالها أن أعود إلى طليقي، ولكني شاركت حكايتي على حسابي الخاص، واندهشت من كم التعليقات التي ساندتني وأيدتني. من وقتها وأنا حرة وأهتم بأولادي وعملي فحسب".


خراب بيوت

إلى جانب الحسابات الخاصة، تقدّم صفحات اجتماعية النصائح لأصحاب المشكلات الذين يدخلون عادة بأسماء مستعارة ليحكوا أدق تفاصيل حياتهم الشخصية.

س. ع. (45 عاماً) قالت لرصيف22: "بعد زواجي بسبع سنوات، كانت المشكلات تزداد بيني وبين زوجي الذي لم يكن يهتم بي، وإنما بعمله فحسب. كنت أحس دائماً بالغضب منه، وذات يوم دخلت إلى إحدى تلك الصفحات، وحكيت مشكلتي مع زوجي، وأخبرتهم بأنه يهملني في السرير، فانهالت التعليقات التي نصحتني بالانفصال عنه لأنه لا يستحقني".

بعد هذه النصائح افتعلت السيدة مشكلة بينها وبين زوجها، وتركت البيت، وطلبت الطلاق رافضة الصلح تماماً، لكنها ندمت بعد ذلك لأن من قدموا النصح لها لم يكونوا متخصصين، كما أنها لم تحكِ تفاصيل حياتها كلها، وأظهرت الجانب السلبي لزوجها فحسب، "وهكذا خرّبت إحدى تلك الصفحات بيتي".

ويرى الدكتور سليمان أن هذه الصفحات التي تدعو الأشخاص للفضفضة والبوح بالأسرار ليست آمنة بالضرورة، فهي غير متخصصة، وتالياً "تحدث بسببها خلافات ويقع الطلاق، فغالبية النصائح المقدمة فيها تميل إلى ضرب الروابط الأسرية، إذ تدخل المرأة في علاقات موازية لإرضاء الذات، ويفعل الرجل الأمر عينه لإرضاء غروره وسلطته".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard