"مبروك الطلاق يا منى"... حناء ورقص وغزل احتفالاً بالمُطلّقة في موريتانيا

السبت 22 مايو 202104:48 م


أجواء احتفالية صاخبة، رقص وغناء، وسعادة غامرة، هذا كله لا يعني أن هناك زفافاً، بل على العكس تماماً، فكل ما في الأمر أن عدد المطلقات زاد مُطلّقة جديدة.

طقوس سعيدة في موريتانيا لاستقبال نبأ الطلاق، على النقيض تماماً مما يحدث في بقية البلدان العربية.

كيف تحتفل الموريتانية بطلاقها؟ يجيب تقرير لموقع married biography، المختص بالاحتفالات والإنجازات، بأنه بعد لحظات من طلاق المرأة تعود إلى منزل عائلتها، ويتم استقبالها بحفاوة. ويعدّ أفراد عائلتها عشاء على شرفها، تعبيراً عن ترحيبهم بعودة ابنتهم إلى منزلها الأصلي، مُعززة، مُكرمة، فهي وفقاً لمعايير المجتمع الموريتاني، تبدأ حياة جديدة، خالية من وصمة العار أو أشباح العلاقة الفاشلة السابقة.

المجتمع لا يحكم على المطلقة أي حكم جائر، وبمجرد أن تنتهي حياتها السابقة، تعود إلى مراتب متساوية بالنساء غير المتزوجات.

يتغنون بها، ويثنون على جمالها.

وحالما تستقر المرأة في منزل عائلاتها من جديد، ويسارع الأصدقاء إلى تنظيم حفلة مليئة بالموسيقى، يحضرها شعراء يتغنون بها، ويثنون على جمالها، وسماتها المتوهجة، وترتفع أشعارهم واصفة العدد الذي لا يحصى من الخاطبين، الذين ينتظرون في الطابور لطلب يدها.

الزيجات المتعددة في موريتانيا تعني التفرد، والجاذبية، والجمال، وتفخر بعض النساء بزيجاتهن السابقة كرمز للمكانة.

وترى نساء أن تجاربهن الحياتية مصدر فخر لهن، فبالنسبة إلى المطلقة هذا دليل كافٍ على جمالها، وتميزها، وتصف مطلقات زيجاتهن المتعددة بأنها مليئة بالسعادة والبهجة على الرغم من عدم الاستقرار، لأن الزواج الطويل جدًا يؤدي إلى الملل.

نهاية أزمة

الناشطة النسوية الموريتانية، منى بابا، هي واحدة ممن تعرضن لحالة الطلاق بعد أربعة أشهر من زواجها، ونُصب لها حفل طلاق تقليدي بقالب حلوى منقوش عليه جملة "مبروك الطلاق يا منى"، وتوضح لرصيف22 أن الشعب الموريتاني لا يرى في الطلاق عيباً، بل على العكس يعتبره مرحلة جديدة، ويهيئ المرأة لاستقبال شريك جديد عوضاً عن زوجها السابق، وتبدأ المرأة بتزيين نفسها، وشراء ملابس جديدة، والغناء والاحتفال بطلاقها".

وتقول بابا: "الطلاق ليس وصمة عار للمرأة، بل هو انتهاء أزمة خرجت منها بملء إرادتها، كما يعني حلول مرحلة جديدة من حياتها يجب أن تكون سعيدة وفخورة بها".

الزيجات المتعددة في موريتانيا تعني تفرد المرأة، وجاذبيتها، وتنصب للمطلقة بعد الطلاق حفلات الحناء، والموسيقى، والرقص، تماماً مثل الأعراس

وتشدد على أن طلاقها أمر إيجابي لأنه نهاية لزواج لم يكن مناسباً لها، وترى أن حظوظ المطلقة الموريتانية في الزواج تفوق من التي لم تتزوج بعد، مؤكدة أن احتفالها بالطلاق هو تجسيد لانتقالها إلى مرحلة جديدة من حياتها.

الخبير الاجتماعي الموريتاني، محمد ولد الشيخ، أوضح في لقاء تلفزيوني سابق، أن للمجتمع الموريتاني بعض العادات التي تتمحور حول تشجيع المرأة المطلقة، مثل ضرب الدفوف، ووضع الحناء، تماماً كما يحدث وقت حدوث الزواج. ويتبارى أبناء عمومتها في إلقاء الشعر بهدف المُساهمة في تعويض مكانة المرأة التي قد تكون تضررت بسبب الطلاق.

وتقول الصحافية الموريتانية سلمى أبو سوكو لرصيف22: "الاحتفال بالطلاق في موريتانيا أمر قديم وموجود حتى الآن في غالبية المناطق".

بالنسبة للرجل الموريتاني، المرأة المطلقة، مرغوب فيها، ويتودد إليها العديد من الرجال، وهذا على عكس بقية الدول في العالم العربي. لذلك فإن للطلاق أجواء تشبه تماماً أجواء الزواج، فمثلاً يُقام للمُطلقة حفلة "حناء"، وتقوم النساء بـ"حنّ" المرأة تماماً كما يتم "حنّ" العروس الموريتانية، ومن العادات أيضاً أن يقوم أهل السيدة المُطلقة بشراء حلويات لها، في حفل تقليدي شائع يُسمى بـ" البونتي". باختصار: "التعامل مع الطلاق يشبه تماماً التعامل مع طقوس الزواج"، تقول أبو سوكو.

يتعين على المرأة المطلقة في بعض مناطق موريتانيا أن تنظم حفل طلاقها فيما يسمى "التحرير"، بهدف أن تجعل زوجها السابق غيوراً لربما يتراجع عن قراره بالطلاق منها، فتأتي بأحد الشباب الذي ينظم الاحتفال ويبدأ في مغازلتها، والثناء على شخصيتها وجمالها، مُعلناً حماقة زوجها السابق، وسوء حظه لأنه طلقها، أما المرأة فتعتز بتعدد عدد زيجاتها، إذ تقول "أنا أم تسعة طبول"، أي ضُرب الطبل تسع مرات بمناسبة زيجاتها.

وبعد إتمام الطلاق، تأتي مرحلة جديدة، هي اللجوء إلى سوق المطلقات، ويسمى أيضاً بـ"سوق الرحمة" وفيه تتخلص المطلقة الموريتانية من الأثاث والأمتعة التي لا تحتاجها، وتذكرها بزواجها السابق، وتتردد إلى هذا السوق الأسر المتواضعة الدخل لسد احتياجاتها منه.


تقاليد تحترم المرأة

يرجع البعض التعامل المختلف لموريتانيا مع المطلقات إلى زمن قديم، بداية دخول العرب، إذ كان قادتهم العسكريون يطلقون كثيراً، ولكن تختلف الدكتورة أم كلثوم حامدينو، الباحثة الموريتانية في مجال النوع الاجتماعي والتنمية، ونائبة رئيس المركز المغاربي للدراسات الإستراتيجية، مع هذا الرأي، إذ تشدد على أن المجتمع الموريتاني يقدّر المرأة بشكل عام، ويعطيها مكانة كبيرة سواءً في قرار الأسرة أو باقي الأمور المجتمعية، ولهذا عندما تُطلّق المرأة تحوطها مجموعة من التقاليد النابعة من الاحترام والتقدير.

وتوضح حامدينو لرصيف22: "عندما يحدث طلاق، بالطبع يحدث خلل في نسيج المجتمع، لذا يحاول الجميع امتصاص هذه الأزمة بشكل يجعل المرأة تتقبل وضعية الانفصال، وتكون شيئاً عادياً بالنسبة لها، كما يتقبلها الرجل الموريتاني، فيمكن أن يتقدم لخطبتها، والزواج بها دون أن يضع في الاعتبار أن طلاقها عائق لارتباطه بها، ولهذا يحدث الاحتفال كنوع من التضامن مع المرأة المُطلقة حتى لا تشعر بالصدمة أو الدونية أو أن هناك شيئاً سيؤثر على مستقبلها".

الناشطة النسوية الموريتانية، منى بابا، هي واحدة ممن تعرضن لحالة الطلاق بعد أربعة أشهر من زواجها، ونُصب لها حفل طلاق تقليدي بقالب حلوى منقوش عليه جملة "مبروك الطلاق يا منى"

وتلفت حامدينو إلى المثل الشعبي الموريتاني الذي يقول: "زين سعد اشباب تخلات سالم، والراجل ما مات "، ما يعني أن السيدة بخير، والزوج سالم، بمعنى أنه هو أيضاً بخير، وبهذا يكرّس المثل الشعبي فكرة أن المطلقة من الممكن أن تتزوج مرة ثانية، وثالثة، ورابعة إذا شاءت، لأنها تزوجت نتيجة جمالها وأخلاقها، وحين تطلقت فهي أيضاً لا تزال بجمالها وأخلاقها وقيمها، لذا يمكنها أن تتزوج أكثر من مرة، وهناك سيدات موريتانيات تزوجن أكثر من 10 مرات، ففي بلادهن الزوج سهل الحصول عليه، ولا يُشكل الطلاق أي أزمة لهن".

مكانة المرأة

أوضحت دراسة لجامعة أوكسفورد الإنجليزية أن النساء في موريتانيا أثرن بشكل كبير على المجالات الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية والفنية في بلادهن، إذ شاركن في التجارة والسياسة، واتخذن قرارات لعائلاتهن، وساهمن في الدراسات الدينية.

ومارست المرأة الموريتانية أيضاً سلطة كبيرة مقارنة ببعض نظيراتها في أماكن أخرى من العالم الإسلامي، إذ كانت قادرة على بدء الطلاق، والتحدث علناً، والعمل كقائدة للأسرة.

وتحتل موريتانيا النسبة الأولى عربياً في الطلاق، إذ تنتهي عادة 40 زيجة بالطلاق من كل مئة حالة، كما تؤكد دراسات أن نسبة 72 في المئة من المطلقات للمرة الأولى يتزوجن مرة ثانية، بينما تبلغ نسبة النساء اللواتي تزوجن بعد طلاقهن الثاني نسبة 20%، و6.7% تزوجن للمرة الرابعة، أما نسبة النساء اللواتي تزوجن خمس مرات أو أكثر فتصل إلى 1.5%.

وبالرغم من حالة الاحتفاء الكبيرة بالطلاق والمطلقات فإن باحثين، ومؤسسات حكومية ترى أن ارتفاع نسبة الطلاق في موريتانيا يؤثر على استقرار الأسرة ونمو الطفل، ففي تقرير رسمي صادر عن الحكومة الموريتانية عام 2018، انتهى ما يقرب من ثلث الزيجات بالطلاق و60 بالمئة من حالات الطلاق تمت في السنوات الخمس الأولى من الزواج، فيما تزوجت 74 في المئة من المطلقات مرة أخرى، لكنّ 25 في المئة تزوجن مرتين أو أقل، وسبعاً في المئة تزوجن ثلاث مرات أو أكثر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard