"الجن يتحكم في العملية"... غناء مدّاحات الجزائر ورقصتهنّ

الثلاثاء 18 مايو 202102:33 م
"ضرورة من ضرورات الولائم، ومظهر من مظاهر الفرحة، وتقليد لا يمكن الاستغناء عنه لدى قطاع عريض من قاطني المحافظات الغربية في الجزائر"، هكذا تصف نورة من وهران، المحافظة الملقبة بـ "الباهية"، والمدينة ثانية أكبر المدن الجزائرية المعروفة بالنساء المداحات.

تقول نورة، وهي عملت مداحة لأكثر من عشر سنوات لأسباب عائلية إن هذه المهنة كانت مقتصرة على النساء، ومنتشرة بكثرة في مناطق الغرب الجزائري، بالأخص المدينة الجزائرية الساحلية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، مستغانم، وسيدي بلعباس، وغليزان، وتيارت، ومعسكر، وحتى في محافظة تلمسان الملقبة بلؤلؤة المغرب، وعاصمة المساجد العتيقة.


تغني للعاشقين

توضح نورة، ذات القامة الطويلة، وصاحبة الصوت الفريد أن أغلب ما يرددنه في الأعراس مستوحى من الشعر أو من تأليف المداحة نفسها، وعادة ما تمدح المداحة الأنبياء والرسل، وحتى الأولياء الصالحين المشهورين في الجزائر، مثل "سيدي بالوا"، و"سيدي امحند اومالك"، و"سيدي زيان أحداد"، فهم "علماء دين صالحون، يتوزعون على مختلف محافظات الوطن" بحسب قولها.

وتتابع نورة، التي كانت تتحدث بشغف وحنين للأيام التي كانت تدخل فيها الفرحة في قلوب العاشقين المقبلين على الزواج، قائلة إن حضور المداحات كان مقتصراً على الأعراس فقط، بينما أصبح اليوم يشمل مختلف المناسبات، كأعياد الميلاد، والنجاح في شهادة البكالوريا.

أجواء نفسية متناقضة تعيشها المداحات في الجزائر، يغنين للنبي وأولياء الله، وكذلك عن الحبيب والعشاق، يتبارك الناس بكلماتهن، ويتشاءمن من رقصاتهن الغريبة، والمجنونة، التي "تتحكم فيها العفاريت"

عندما يحين وقت الحفل، تجتمع الفرقة السنوية المكونة في غالب الأحيان من سبع سيدات تخطين سن الأربعين، وهن يرتدين ثياباً بيضاء اللون، ويعلو صوت المديح، والعزف على آلات تقليدية، مثل آلة "الدربوكة"، المكونة من جسم من الفخار وقطعة من الجلد. إضافة إلى "القلال"، وهي آلة يضرب عليها باليد، مصنوعة من خشب الجوز من جذع شجرة مجوف من الجهة العلوية بشكل دائري، يتراوح طوله بين 50 و60 سم، بينما يبلغ قطره 25 سم، والبندير (آلة موسيقية مستعملة في المغرب العربي، تستعمل في غالب الأحيان في الغناء الصوفي، والمديح مصنوعة من جلد الماعز).

حنة العريس والعروس

ويعتبر "المديح" جزءاً لا يتجزأ من حضارة قاطني المحافظات الغربية وقد توارثته الأجيال، ينطق بألفاظ عامية بسيطة، لكن معناها عميق، وقد تكون ملتزمة بالنص في بعض الأحيان، خاصة إذا كان المدح يخص الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أشهر ما تردده النسوة: "الحرم يا رسول الله، الحرم يا حبيب الله، اليوم جيت عندك قاصد" أو "الصلاة على النبي شارع لديان، محمد رسول الله يا ضو عياني" أي "الصلاة على النبي شارع الأديان، محمد الرسول يا ضوء عيني".

ووفق نورة تنشد المداحة أيضاً للحب، والحرية، والجمال، والعشق، وحتى للألم، والفراق، وترثي، وتغني كذلك للحبيب الغائب.

ولا تقتصر وظيفة المداحات على الإنشاد فقط، "إذ ثمة مهمة أخرى تقوم بها المداحات في الأعراس، وهي الإشراف على حنة العروس والعريس"، تقول دليلة وهي في العقد الثالث من عمرها، تنتمي إلى محافظة مستغانم (لؤلؤة الغرب الجزائري).

ووفق دليلة، فإن المداحة هي من تسدل الستار على الهدايا التي تقدمها عائلة العريس للعروس، وعادة ما توضع في صينية من النحاس الأصفر، وغالباً ما تتضمن الهدايا "البلوزة" الوهرانية أو "بلوزة سيدي بومدين" نسبة إلى الولي التلمساني، إضافة إلى قطعة كبيرة من الذهب تعرف محلياً بـ "كرفاش بولحية".

تمدحن الرسول

وتقول دليلة لرصيف22 إن مراسيم وضع الحناء للعروس أو العريس، ترافقها أغنيات مستوحاة من التراث الشعبي أو الغناء الديني، مثل "محمد، محمد صلوا يا أمة عليه نبينا وحبيبنا يرحم من صلى عليه" أو "صلو على النبي وصحابو عشرة".

ومباشرة بعد انطلاق "تصديرة" العروس الجزائرية (عبارة عن ملابس تقليدية تختلف بتنوع الموروث الثقافي لكل منطقة في الجزائر) تذكر دليلة أن المداحة، التي هي رئيسة الفرقة، تفتح العرس بأول أغنية خفيفة، وترافقها رقصة تقليدية، وفي الوقت نفسه يضع المعازيم النقود في صحن فوق طاولة المداحات، وبمرور الوقت تغير المداحة من وتر الأغاني التي تؤديها، وقد تؤدي أغاني تتطلب رقصاً يطلق عليه "الجذيب"، ففي هذه المرحلة تدخل الفرقة الراقصة في مرحلة اللاوعي والإدراك نتيجة تأثرهن بالأغنية.

وأغلب الجزائريين، وخصوصاً الرجال، لا يحبذون هذا النوع من الرقص، لاعتقادهم أن "الجن هو من يتحكم في العملية"، وهو ما وقع في عرس أخي الكبير والوحيد قبل أربع سنوات تقريباً، إذ طلب من إحدى السيدات الأربع المشكّلة للفرقة النسوية بالتوقف عن ممارسة هذا الرقص، لأنه من المحظورات بالنسبة له، وقد يكون فأل شر عليه وعلى عائلته الصغيرة.


وخلال العرس، حاولت الاقتراب من السيدة التي كانت تمارس هذا الرقص، اسمها ابتسام، وهي في العقد الرابع من عمرها، وعلامات الالتزام والصرامة بادية على وجهها الأسمر الدائري، ترتدي القفطان (الزي التقليدي المعروف بالجزائر) وكانت تتصبب عرقاً، وتبحث عن مشروب بارد ينعشها، سألتها عن الحركات التي كانت تمارسها، فردت بالقول إن هذا النوع من الرقص منتشر بكثرة في الغرب الجزائري، وشرحت بكلمات غامضة، فهمت منها أنه رقص صعب، وعشوائي، ومثير، يجمع بين التحكم في الخلايا العصبية، والموسيقى التي تخترق الأذن، ومزامنتهما بنفس التوقيت.

"الراقصة تقوم بحركات رهيبة، غريبة، فترخي شعرها الطويل على كتفيها، وتقوم بهز رأسها مراراً دون أن تعي"، تقول ابتسام.

وتقول ابتسام لرصيف22: "أنا أعشق هذا النوع من الرقص لأنه يأخذني بعيداً إلى عالم مليء بالأصوات والإيقاعات الجميلة، حتى أنني استرجع بعض الذكريات والصور العالقة في ذهني". وتصفه بـ "الرقص البسيط والطبيعي، لا يحتاج إلى تدريب أو دروس، فالراقصة تكون في حالتها العادية الطبيعية، غير متصنعة".

"حتى في المحافظات الوسطى، لا يمكن لبعض العائلات الجزائرية الاستغناء عن هذه الفرقة الموسيقية، رغم المنافسة الشرسة التي تواجهها من الآلات الموسيقية الحديثة، ومغني موسيقى الراي"، تقول مريم، شابة في العقد الثالث من عمرها، تنتمي إلى محافظة الجزائر الوسطى.

ومن منظور مريم فإن العروس لا تخرج من باب بيتها، وتطأ قدماها بيت العريس إلا تحت أنغام ما تردده المداحة، مثل: "بسم الله والصلاة على رسول الله، ومن جاب شيء يقربو لينا (من أحضر شيء يقربه منا)".

"أنا أعشق رقص الجذيب، فهو بسيط، ولا يحتاج إلى دروس، ولكنه مثير، ويأخذني بعيداً إلى عالم مليء بالأصوات والإيقاعات الجميلة، حتى أنني استرجع بعض الذكريات والصور العالقة في ذهني"

وتتابع مريم: "المداحة تكون حاضرة أيضاً عند حمام العروس، وليلة الحناء الكبيرة، التي تقام ببيتها، ويتم خلال جلب الجهاز (هو مجموعة من الألبسة التقليدية، وألبسة خاصة بأهل الزوجية، ومجموعة لا تعد ولا تحصى من العطور والماكياج، تشتريها العروس من مال مهرها الذي يقدمه العريس يوم عقد القران الشرعي أو ما يعرف محلياً بـ"الفاتحة").


وتصف مريم هذا المشهد: العروس تجلس وسط الدار، وهي ترتدي "الكراكو" (لباس تقليدي جزائري) أو "القفطان"، وتتزين ببعض المجوهرات كخيط الروح والخلخال، ولدى الشروع في وضع الحناء، تردد المداحة بعض الأغاني الدينية، مثل: "يا بنتي يا لالا، يا رجلين الحمامة، قولي لحبابك بالسلامة أي وداعاً".

وتذكر مريم أن "المداحة كانت تعوض الفنانات في الأعراس، فكانت تحظى باستقبال رفيع المستوى، كل الأبصار والأنظار مشدودة نحوها. المداحات سيدات أنيقات بلباسهن، وحليهن التقليدية كـ "الخلخال"، و"المقافيل"، و"الدولارة"، و"الخامسة"، فكانت الفرقة تجلس على الأرض وسط فناء الدار، وتخضع الحلقة التي تشكلها إلى ترتيب تسلسلي من أجل تقديم أداء أفضل للصوت الذي تصدح به حناجرهن طوال مدة الوليمة".

ومن أسرار هذه المهنة أيضاً، تقول مريم، إن أغلب المداحات يتجاوز عمرهن 30 سنة، تنتقل المهنة من الأم لابنتها أو حفيدتها، وفي هذه الحالة تكون العائلة فنية، وقد تلعب الموهبة دوراً هاماً، فبعض المداحات يتعلمن العزف، والضرب على الآلات الموسيقية التقليدية، ويحفظن كلمات الأغاني وألحانها، ويدخلن المجال من بابه الواسع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard